دروس وعبر - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 20 نوفمبر 2019 7:29 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

دروس وعبر

نشر فى : الخميس 31 يناير 2019 - 12:10 ص | آخر تحديث : الخميس 31 يناير 2019 - 12:10 ص

ما يحدث فى فنزويلا شأن يخص بالطبع الشعب الفنزويلى، الذى يواجه شتى المؤامرات الداخلية والخارجية، القريبة والبعيدة.
لكن ما يهمنا، نحن العرب، هى الظاهرة الفنزويلية، لنتعلم منها ونعى عبرها. دعنا نركز على بعض من مكونات وتداخلات تلك الظاهرة التى نعتقد أن بعض تفاصيلها تشير إلى الدروس والعبر الواجب استيعابها.
أولا: ملكت فنزويلا عبر قرن كامل مخزونا بتروليا هائلا، يماثل مخزون المملكة العربية السعودية، وهناك من يقول بأنه يزيد عن ذلك. بهذه الثروة كان بإمكان فنزويلا أن تبنى بنية تحتية حديثة كفؤة، واقتصادا إنتاجيا غير ريعى، بما فى ذلك إنتاجا زراعيا وافرا من أرض حباها الله بالمياه والتربة الخصبة، وتقدم لمجمل شعبها خدمات اجتماعية معقولة لمواجهة الفقر والتهميش والجهل.
لكن النخبة السياسية الفنزويلية تعثرت، بأشكال مختلفة ولأسباب متنوعة، فى بناء نظام سياسى ديمقراطى مستقر يجمع بين الروح الثورية والفكر اليسارى التقدمى من جهة وبين متطلبات الواقع المعقد الصعب فى داخل فنزويلا وحول محيطها الملىء بالمؤامرات الاستعمارية والرأسمالية الجشعة من جهة أخرى.

الدرس الذى يجب أن تتعلمه دول الغنى البترولى والغازى الفاحش فى بلاد العرب، هو أن الثروة الريعية التى لا يصاحبها فكر سياسى ديمقراطى عادل، ومؤسسات حكم تمثل جميع شرائح المجتمع، وتوزيع للثروة يأخذ بعين الاعتبار مطالب ومصالح مكونات ذلك المجتمع، واستعمال جزء كبير من تلك الثروة لترسيخ اقتصاد إنتاجى ومتطلبات تنمية إنسانية مستدامة.. فإن تلك الثروة ستكون مطمعا لكل من هب ودب من قوى استعمارية كالولايات المتحدة ومن مؤسسات رأسمالية أنانية تعيش على استباحة ثروات الآخرين. وستجد فى الداخل من يعين الخارج على تلك الاستباحة.
تلك الصورة المأساوية، من عدم الاستعداد السياسى والاقتصادى المسبق، هى التى تعيشها فنزويلا الآن، وهى نفس الصورة التى تنتظر دول البترول والغاز العربية إن لم تستعد سياسيا واقتصاديا وتخرج مجتمعاتها من غواية الحياة الريعية التى سيمتحنها الزمن، ثم يعقبها العقاب المؤلم.

ثانيا: ليس غريبا على مؤسسة الحكم فى الولايات المتحدة الأمريكية أن تمارس كولونيالية ابتزازية سافرة فى فنزويلا، وذلك من خلال تجييش عملائها فى الداخل والخارج، واستنفار مخابراتها والدول السائرة فى فلكها، والتهديد باستعمال القوة ضد حكم شرعى منتخب، دون مراعاة للأعراف والقوانين الدولية. فتاريخ أمريكا هو قصة طويلة من تدخلات واعتداءات على بلدان ومؤسات وتصفية لأشخاص اعتبرتهم أمريكا معادين لها.
إنها قصة تحتاج لمجلدات لتوضيح ملابساتها وسرد مآسيها العمرانية والبشرية، وسنكتفى بذكر بعض من عناوين فصولها.
تاريخ القصة الأمريكية بدأ بالتخلص من ثمانين فى المائة من سكان القارة الشمالية الأصليين، الهنود الحمر، سواء بالذبح أو بنشر الأمراض، مرورا باستعباد أربعة ملايين من الأفارقة وتسخيرهم لخدمة كبار ملاكى المزارع البيض، مرورا بموجات غزو من أقصى الشرق الأمريكى إلى أقصى غربه للاستيلاء على ثروات الأرض وساكنيها، واقتطاعا لأرض بنما من كولومبيا حتى تبقى قناة بنما تحت سيطرة أمريكا ومداخيلها نهبا لشركاتها، واستيلاء على الفلبين كمستعمرة أمريكية مستغلة.
وما إن حل القرن العشرين حتى زاد جنون الاستحواذ بشكل مريع: استعمال سلاح القنابل الذرية فى قتل ربع مليون يابانى وتشويه مئات الألوف، اعترافا بالكيان الصهيونى فى فلسطين العربية بعد بضع دقائق من قيامه ودعمه بالمال والسلاح والنفوذ حتى يومنا هذا، تدبير انقلاب على رئيس وزراء إيران، محمد مصدق، عقابا له على وقوفه فى وجه شركات البترول الجشعة، تخطيط ودعم انقلابات تآمرية على حكومات شرعية فى تشيلى ونياكاراجوا وإندونيسيا، خوض وقيادة حروب مدمرة للعمران والبشر فى كوريا وفيتنام وكمبوديا، تآمر على حركة قومية عربية تقدمية لمنع قيام أية وحدة عربية من أى نوع كان، تلفيق كذبة كبرى حقيرة من أجل استباحة العراق ونهب ثرواته، تدخل وتآمر وتلاعب بأشكال لا تعدُ ولا تحصى فى المشهد السورى، وأخيرا ابتزاز تهديدى لسرقة ما يمكن سرقته من أموال دول البترول الخليجية.

كان لابد من ذكر كل ذلك، وهو قليل من كثير، لتتضح الصورة تماما ويقتنع الجميع بأن ما تفعله أمريكا فى فنزويلا هو تتمة لسلسلة طويلة من تدخلات واستحواذات.
هل ستعى النخب السياسية العربية، فى الحكم وفى المجتمع، بأن الأيادى التى تمدها للولايات المتحدة الأمريكية، ومشاعر الصداقة والثقة التى تملأ الدنيا بالإعلان عنها، وتخطيط المستقبل العربى بمعيتها وحمايتها ووعودها قابلة للانقلاب عليها من قبل نظام الحكم فى واشنطن؟
هل ذاك التاريخ يوحى بالاطمئنان تجاه أية وعود يقدمها أرتال من السياسيين الأمريكيين وهم يجوبون أرض بلاد العرب من أقصى مغربها إلى أقصى مشرقها؟ نحن نشير إلى ذلك، خصوصا مع وجود قيادة حالية نرجسية غير متوازنة وجاهلة بكل أصول العمل السياسى.
إن الانقسام المجتمعى المؤسف فى فنزويلا هو المدخل الذى تدخل من خلاله أمريكا لتقضى على طموحات وآمال شعبها ولتعيد ذلك البلد إلى حظيرة الاستباحة والاستغلال.
فهل سيتعلم القادة العرب الدرس ويعرفون بأن انقساماتهم العبثية الكثيرة هى مدخل دائم للتدخلات الغربية وغير الغربية فى شئونهم؟

درسان واضحان تقدمهما الأحداث فى فنزويلا، وهما جديران بالتأمل والاستفادة من عبرهما.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات