الخيط الرفيع بين الرأى والتحريض - طلعت إسماعيل - بوابة الشروق
الجمعة 23 أكتوبر 2020 2:25 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

الخيط الرفيع بين الرأى والتحريض

نشر فى : الإثنين 31 أغسطس 2020 - 9:00 م | آخر تحديث : الإثنين 31 أغسطس 2020 - 9:00 م

«رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب»، هذه مقولة منسوبة للإمام الشافعى، وهناك أخرى شائعة عن الفيلسوف الفرنسى فولتير تقول «قد أختلف معك فى الرأى ولكنى مستعد أن أدفع حياتى ثمنا لحقك فى التعبير عن رأيك».، لكن ما هو الرأى الذى تحدث عنه الإمام الشافعى الذى يحتمل الصواب والخطأ، وجعل فولتير يبدى استعداده لدفع حياته ثمنا للدفاع عن صاحبه؟
هل الرأى مجرد تهويمات فى الفراغ، أو تعصبا لموقف حتى لو أنكر حقائق علمية، أو تجرأ على اجماع المتخصصين بشأن صحة وقائع تاريخية؟ هل يدخل فى بند الرأى التسفيه من الآخرين المخالفين، وادعاء البعض أن ما يطرحونه «الحق المبين» وأن ما يقوله غيرهم وإن استند إلى وقائع غير قابلة للإنكار «جهل»؟
الرأى وفق بعض التعريفات «قناعة واعتقاد مبنى على معطى موضوعى تفاعل معه العقل بأدوات ومنهج أنتج من خلاله رأيا يقوم على أساس اعتقاد صاحبه بصواب ما ذهب إليه»، كما أن «الرأى ليس مجرد انطباع ومزاج ذاتى» وفى قاموس المعانى «رأى العالم شيئا: اعتقده ونادى به وعبر عنه بصراحة».
إذن الرأى قناعة تقوم على أسس موضوعية، واعتقاد يجب التعبير عنه بصراحة، من دون خشية لائم، ولا يدخل فى باب الرأى وحرية التعبير «التحقير» من الرأى المخالف، أوادعاء الحكمة الكلية، وامتلاك «الحقيقة المطلقة» رغم كونها نسبية، أوالزعم بأن ما يقوله غيرى «نشر للاحباط» أو نثر «للجهل».
أقول هذا الكلام لأن البعض فى خضم النقاش العام لأحداث جارية أو وقائع تاريخية، يعتقدون أن لهم الحق فى الهجوم الشخصى على ما يطرحه الكتاب من آراء وأفكار قد لا تعجبهم، أو قد لا تكون على هواهم، وربما يقع هؤلاء خلال اندفاعهم للنيل من الآخرين تحت طائلة قوانين السب والقذف من فرط حماسهم لافكارهم القابلة للخطأ، وفقا للمقولة المنسوبة للإمام الشافعى.
للأسف الشديد تربى البعض على أن الرأى المغاير أو المعارض «جريمة لا تغتفر» ويجب إلقاء اصحابه فى البحر أو غياهب الجب، والغريب أن بعض هؤلاء يزعم، زورا، أنه صاحب فكر ليبرالى، ولا يتوانى عن التشدق بمقولات وشعارات جوفاء عن احترام الرأى والرأى الآخر، نظريا طبعا، لكنه عند التطبيق العملى يضيق ذرعا بمخالفيه، ويسارع بمناصبتهم العداء، لمجرد أنهم طرحوا أفكارا لا تروق لـ«سعادته»، ولا تحظى بقبول «جنابه».
مثل هؤلاء الناس فى تقديرى يحتاجون إلى «مراجعة» أنفسهم قبل أفكارهم، لأن صاحب الرأى لا يقع فى خطيئة «السب والشتم» لمجرد الاختلاف مع الآخرين فى تحليل أو رؤية، واصحاب الآراء الحقيقيون، يحرصون كل الحرص على فضيلة الاختلاف وأدب الحوار، والتواضع عند القول والتعبير عن الرأى، ويتجنبون دائما التحريض ضد مغايريهم فى القول.
وأختم بما يتداول عن ما جرى خلال الجلسة الافتتاحية لمجلس شورى النواب فى نوفمبر 1866، عندما أشار شريف باشا، وزير الداخلية وقتذاك، إلى أن المجالس النيابية تنقسم دائمًا إلى كتلتين، إحدهما تؤيد الحكومة والأخرى تعارضها، وأن أعضاء حزب الحكومة يجلسون فى مقاعد اليمين ونواب المعارضة يجلسون فى مقاعد اليسار.. فما كان من الجميع إلا الجلوس على اليمين، وعندما سئلوا عن السبب صاح أحدهم «كيف لنا أن نعارض الحكومة»؟!
هؤلاء الذين لا يتصورون أن الاختلاف فى الرأى ليس سبة ولا جريمة، لهم أحفاد كثر يعيشون بيننا الآن، بعد مرور أكثر من قرن ونصف القرن على رفض اجدادهم «معارضة الحكومة» !!

التعليقات