مع اتساع نفوذ الذكاء الاصطناعى داخل الصناعات الإبداعية، لم تعد الموسيقى بمنأى عن هذا التحول الجذرى. فالأغنية التى كانت تحتاج إلى استوديو كامل من الملحنين والموزعين والمهندسين، بات بالإمكان إنتاجها اليوم خلال دقائق عبر أدوات رقمية قادرة على تأليف اللحن وكتابة الكلمات وتقليد الأصوات البشرية بدقة لافتة. هذا الواقع الجديد يفرض أسئلة حادة حول مستقبل الفنان، وحدود الإبداع، وما إذا كانت التكنولوجيا تتقدم نحو صناعة موسيقى بلا بشر.
وفى حديثه لـ«النهار»، قال المغنى مروان أبو بكر، المعروف فنيا باسم Skarone، إن الذكاء الاصطناعى تجاوز مرحلة «الأداة المساعدة»، ليصبح عنصرا أساسيا داخل المشهد الموسيقى الحديث، مؤكدا أن إنتاج أغنية متكاملة «بضغطة زر واحدة» أصبح أمرا واقعا مع التطور الكبير الذى تشهده التقنيات الرقمية فى مجال الغناء والإنتاج الفنى.
وباتت أدوات الذكاء الاصطناعى تُستخدم اليوم فى تأليف الألحان، وتنقية الأصوات، واقتراح التوزيعات الموسيقية، وحتى فى إنشاء أصوات مطربين افتراضيين قادرين على أداء أعمال كاملة بأنماط وأساليب مختلفة. هذا التحول غيّر شكل العلاقة بين الفنان والتكنولوجيا، بعدما أصبحت الخوارزميات شريكًا مباشرا فى العملية الإبداعية، وليس مجرد وسيلة تقنية خلف الكواليس.
وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت المنصات الموسيقية العالمية ارتفاعا ملحوظا فى عدد الأغانى المنتجة بالذكاء الاصطناعى، فى وقت بدأت فيه شركات تقنية بتطوير أدوات تسمح لأى مستخدم بإنتاج مقاطع موسيقية احترافية دون الحاجة إلى خبرة سابقة فى التلحين أو التوزيع.
كما أصبحت بعض التطبيقات قادرة على تقليد أصوات الفنانين بدقة عالية، ما أثار جدلا واسعا داخل الأوساط الفنية حول مستقبل المهنة وحدود استخدام التكنولوجيا.
ويرى Skarone أن هذا التطور السريع يفتح الباب أمام فرص جديدة للابتكار، لكنه فى الوقت نفسه يثير تحديات معقدة تتعلق بحقوق الملكية الفكرية وأصالة الأعمال الفنية، خاصة مع قدرة الذكاء الاصطناعى على إعادة إنتاج الأصوات البشرية بطريقة يصعب أحيانا التمييز بينها وبين الأداء الحقيقى.
وتزايدت خلال الفترة الماضية المخاوف من استخدام أصوات الفنانين دون موافقتهم، بعد انتشار نماذج رقمية تحاكى أداء مغنين عالميين فى أعمال لم يشاركوا فيها فعليا. كما حذرت جهات معنية بحقوق النشر من استغلال الأعمال الموسيقية الأصلية فى تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعى دون إذن أصحابها، الأمر الذى دفع إلى تصاعد النقاشات حول ضرورة وضع تشريعات جديدة تنظم العلاقة بين التكنولوجيا والصناعة الفنية.
وفى المقابل، يؤكد كثير من الفنانين أن الذكاء الاصطناعى، مهما بلغ تطوره، لن يتمكن من استبدال التجربة الإنسانية الكاملة التى يحملها الفنان الحقيقى، سواء من ناحية الإحساس أو التفاعل أو التعبير العاطفى. ويعتقد Skarone أن الجمهور لا يبحث فقط عن جودة الصوت أو دقة الإنتاج، بل عن المشاعر والهوية الفنية التى تمنح الأغنية قيمتها الحقيقية.
ومع استمرار تطور هذه التقنيات بوتيرة متسارعة، تبدو صناعة الموسيقى أمام مرحلة جديدة قد تعيد تعريف مفهوم الأغنية نفسها، فى عالم أصبحت فيه الآلة قادرة على التلحين والغناء والإنتاج خلال دقائق، بينما يبقى العنصر الإنسانى هو التحدى الأصعب أمام التكنولوجيا حتى الآن.
جريدة النهار العربى