شكرًا فيلم «القصص».. الآن فهمت لماذا قاطعتُ «الوطن الأكبر» - محمد بصل - بوابة الشروق
الجمعة 17 يوليه 2026 12:31 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

شكرًا فيلم «القصص».. الآن فهمت لماذا قاطعتُ «الوطن الأكبر»

نشر فى : الخميس 16 يوليه 2026 - 7:00 ص | آخر تحديث : الخميس 16 يوليه 2026 - 8:52 م

كعاشق لـ"عبدالوهاب" –وأنا أُفضل كتابة اسمه مجرّدًا من لقب موسيقار الأجيال وغيره لأن أيًا منها لا يواكب عظمته- كان غريبًا أنني أقاطع أوبريت "الوطن الأكبر" مع حبي الشديد لجميع وطنياته الأخرى.

لسنوات؛ تحاشيت الاستماع إلى الأوبريت الذي لُحن عام 1959 وقُدم لأول مرة في يناير 1960 في خضم أحلام الوحدة العربية وتجربة الاتحاد بين مصر وسوريا، وأصبح منذ ذلك الحين أيقونة موسيقية للعهد الناصري و"التيمة الأساسية" للتغطية التليفزيونية والإذاعية للقمم العربية والبرامج السياسية المهتمة بالأوضاع الإقليمية.

أحيانًا يحجب التكرار المبالغ فيه عن الأنظار روعة تفاصيل الأعمال الفنية، لاسيما إذا تحوّلت في الذاكرة الجمعية إلى تذكار لخيبة الأمل، فتغدو في أفضل الأحوال "كليشيه مبتذل" يستصحب الشعور بالخذلان مختلطًا بعدم الارتياح، والسخرية أيضًا.

أعتقد أن هذا كان سبب مسارعتي لتغيير "المحطة" كلما صادفت "الوطن الأكبر" على الرغم من تجاوز كلماته للأيديولوجيا السياسية بمعناها الضيق وعدم ذكر اسم عبدالناصر مما يمنح النشيد قدرة على البقاء لفترة أطول، لكننا ببساطة وبعد 67 عامًا مازلنا نبحث عن "انتصاراته مالية حياته" و"مجد كاسي رايتنا" من مراكش إلى عُمان.. من جبل طارق إلى مضيق هرمز!

لم أفكر في كل ذلك حتى أجبرني المبدع أبو بكر شوقي، مؤلف ومخرج فيلم "القصص"، على الاستماع لـ"الوطن الأكبر" بضع مرات خلال أحداث الفيلم، ثم كانت الصدمة أن اختاره لتتر الختام. وكانت لحظة موجعة. لا أدري من فرط رقتها أم قوتها.

الفيلم حاز على جائزة التانيت الذهبي لأيام قرطاج السينمائية العام الماضي، ويرتكز على حكايات ذاتية استقاها أبو بكر شوقي من قصة لقاء والده المصري بوالدته النمساوية. ومن المشاهد الأولى تدرك أنه يريد إيقاعك في هذه الحيرة: هل السردية التي تمتد بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي تمجّد عهدًا بعينه؟ أم تسخر من كل العهود؟ أم تريد تعرية مشاعرك إزاء وقائع بعينها غيّرت تاريخ مصر، كاشفة عن تناقضات لا نهائية تبدو اليوم هزلية، بينما في وقتها صنعت "تروما" لأجيال كاملة.

وعلى خلاف أعمال عظيمة لمحمد خان وعاطف الطيب وخيري بشارة صقلت الأحداث ووثقت عصرها بموسيقى الراديو والكاسيت ونشرات الأخبار وحديث مذيعي البرامج، جاء الشريط الصوتي لفيلم "القصص" بمثابة المحرّك الأساسي للأحداث، في استغلال رائع لـ"ديسكوجرافي" هائلة تشمل عشرات الأعمال: نشيد الحرية (كنت في صمتك مرغم)، ناصر كلنا بنحبك، الجيل الصاعد، الوطن الأكبر، والله زمان يا سلاحي وغيرها من علامات العهد الناصري.

ثم في مفاجأة سعيدة لمحبي تجارب السعبينيات تجاوز أبو بكر شوقي "زحمة يا دنيا زحمة" باعتبارها أسهل معبر صوتي عن زمن "الانفتاح سداح مداح" إلى أعمال الرائعين سمير الإسكندراني ومحمد نوح ثم فرقة طيبة للأخوين مودي وحسين الإمام: حبيبتي دوسة، يا صلاة الزين، البلبل غنى، العصفورتين، الدنيا صغيرة.

وفي رسالة مبطّنة إلى "الكوّيرة" من جيله، واكب الخط الكروي في الفيلم الذي يركز على خيبات الزمالك ووفاء جماهيره بموسيقى فيلم "4-2-4" للمبدع محمد هلال على صوت سمير غانم "الكورة مدوّرة".

لقد سيطرت الصروح الموسيقية العظمى على البطل -الذي لعب أمير المصري دوره باقتدار- دون أن يدري وتعلّم العزف على البيانو وسافر النمسا على أمل التفوق فيه، ثم عاد ليجد "عهد الأناشيد anthems قد ولّى" كما جاء على لسانه في مشهد مهم، وبدأ عصر جديد يغني فيه الجميع، فتضاءلت فرصه أكثر وبقي حبيس وظيفة حكومية، ربما لا تليق بمن التقى يومًا –ولو بمحض الصدفة في الحمام- بالعازف الأسطوري فلاديمير هوروفيتس.

عكست اختيارات السبعينيات الموسيقية تنوّعًا وثراءً، لا هبوطًا أو فوضى. روت كيف لم تمنع الهزائم المتتالية هذه الأسرة البسيطة من تلمّس لحظات السعادة، في مشاهد جسدتها نيللي كريم وفاليري باخنر وباقي أبطال العمل بامتياز، حتى وإن عانت الشخوص الفقد والحرمان والمقارنات المخزية والخوف من البطش بسبب كلمة عفوية قالها والد البطل، الخائف المتردد دائمًا، أمام عدسة التليفزيون في الستينيات، وعبارة عفوية أخرى قالتها البطلة النمساوية ببرنامج حواري في الثمانينيات.

وبينما لم يتعمق أبو بكر شوقي كثيرًا في علاقة الأبطال بالسلطة ولم يشر إلى احتكاكات مباشرة، في تأكيد على أن الأسرة عادية غير مُسيّسة وعلى الهامش، لعب الشريط الصوتي بتسلسله دورًا محوريًا في توجيه الأسئلة والرسائل بذكاء وعمق غير مسبوقين في السينما المصرية.

فعلى وقع تلك الألحان نشأت قصة حب مستحيلة، ووُلدت الأحلام وفجعتنا الكوابيس، وتحت ثِقَل وطأتها شاعت المخاوف ثم انكشفت الأكاذيب، لتتراوح المشاعر عند استعادة ما جرى بين الأسى والهزل.

شكرًأ أبو بكر شوقي

 

 

محمد بصل مدير تحرير الشروق - كاتب صحفي، وباحث قانوني
التعليقات