كتاب جديد يكشف الجذور التاريخية لمعاداة الصهيونية.. حكايات يهود رفضوا المشروع الصهيوني منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2026 2:27 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

كتاب جديد يكشف الجذور التاريخية لمعاداة الصهيونية.. حكايات يهود رفضوا المشروع الصهيوني منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم

منى غنيم
نشر في: الأحد 25 أكتوبر 2026 - 2:22 م | آخر تحديث: الأحد 25 أكتوبر 2026 - 2:22 م

- الكتاب يوثّق مواقف سياسيين وكتّاب وفنانين يهود رفضوا مشروع الاستيطان الصهيوني ..ودفعوا لذلك أثمانًا باهظة

استعرض الكاتب الأمريكي بنجامين موزر، الحائز جائزة البوليتزر عن كتابه الذي تناول سيرة الكاتبة الأمريكية سوزان سونتاج، في كتابه الجديد «معاداة الصهيونية: تاريخ يهودي»، سير 12 شخصية يهودية عارضت الصهيونية، في محاولة للكشف عن الجذور التاريخية لهذا الموقف، وتأكيد أن الجدل حول الصهيونية لم يكن يومًا غريبًا عن الحياة اليهودية، بل كان حاضرًا في صميم نقاشاتها.

واستعاد موزر، الذي أتم عامه الخمسين مؤخرًا، بدايات تحوّله الفكري، قائلًا إنه كان يعتقد أن الجميع في أمريكا صهاينة، ولا سيما اليهود بطبيعة الحال، وإن لم يقتصر الأمر عليهم، لكنه فوجئ في العشرينيات من عمره حين وصف أحد أصدقائه إسرائيل بأنها "مجموعة من الأجانب لا مكان لهم في الشرق الأوسط"، واعتبر الصهيونية "خطأ فادحًا".

واعترف موزر بأنه لم يكن يدرك أصلًا أن الصهيونية موضع خلاف، وبلغ تحوّله في الرؤية ذروته خلال زيارة للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 2016، حين وجد أن واقع احتلال فلسطين قد أصابه باضطراب عميق.

وفي ظل الجدل المحتدم حول معاداة الصهيونية اليوم، سعى موزر إلى أن يجعل النشطاء اليهود المعاصرين الذين يتبنون هذا الموقف يشعرون بأنهم ليسوا وحيدين، من خلال تذكيرهم بأن الاعتراض على الصهيونية كان حاضرًا في السابق ضمن التيار الرئيسي للنقاشات داخل المجتمعات اليهودية، وأشارت استطلاعات الرأي إلى أن نحو 90% من اليهود الأمريكيين يؤيدون حق إسرائيل في الوجود دولة يهودية، وإن كانت نسبة أقل منهم تعرّف نفسها بوصفها صهيونية، بينما لم يكن أعضاء أكبر منظمة صهيونية أمريكية عام 1914 يمثلون سوى أقل من 1% من اليهود الأمريكيين.

وبدأ الكتاب - الذي تربّع على قوائم مبيعات أمازون هذا الأسبوع - بملامح من سيرة الحاخام آرون صموئيل تاماريس، الذي رأى في اليهودية تصورًا لعالم يتجاوز النزعة القومية المدمرة التي تجلت خلال الحرب العالمية الأولى، واختتم موزر بقراءة مؤثرة في تجربة المصورة الفوتوغرافية نان جولدين، التي جهرَت بمعارضتها رغم ما كلفها ذلك من أثمان، مع بدء الهجوم الإسرائيلي على غزة عام 2023، في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر.

وكان عدد من الشخصيات التي يتناولها الكتاب، مثل موزر نفسه، من المؤيدين للصهيونية في مراحل سابقة من حياتهم؛ فعندما كان السياسي اليهودي المناضل للفصل العنصري، روني كاسريلز ، في العاشرة من عمره، أقام أمام منزله في جنوب أفريقيا كشكًا لبيع الألعاب وجمع الأموال لصالح إسرائيل، لكنه أصبح لاحقًا أحد قادة الحركة المناهضة للفصل العنصري، ثم تحول إلى معادٍ متحمس للصهيونية خلال 27 عامًا قضاها في المنفى خارج بلاده، ونقل موزر عن أحد أصدقاء كاسريلز قوله: "إن روني يثير جنونهم"، مضيفًا أن جانبًا كبيرًا من ذلك يرجع إلى أنه يهودي متدين حقيقي.

أما الشاعر الهولندي البارز يعقوب إسرائيل دي هان، فقال عام 1912: "إننا نريد أرضنا، ولغتنا، وفننا"، ولكنه أصيب بالصدمة بعد انتقاله إلى فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني، إذ رأى أن الصهيونية مثل أعلى جميل، لكنه تأسف لأنها وقعت في أيدي الانتهازيين. وفي عام 1924، اغتاله أبراهام تهومي، البالغ من العمر 21 عامًا، وكان عضوًا في منظمة «الهاجاناه» شبه العسكرية، وذلك بعدما تصاعدت معارضة دي هان العلنية لقيادة الحركة الصهيونية.

وكشفت الشخصيات التي تناولها موزر عبر صفحات الكتاب عن حجم اليأس الذي خلفه الصراع، إذ تثير الفداحة الهائلة للدمار الذي لحق بالفلسطينيين اضطرابًا عميقًا لدى كل واحدة منها، كما تعرض كثيرون منهم للتشهير، أو اتهامهم بمعاداة السامية، على نحو مفرط إلى حد أن الكلمة نفسها كادت تفقد معناها في نهاية المطاف.

وعملت الفيلسوفة السياسية الألمانية الأمريكية حنة آرنت، بعد فرارها من ألمانيا عام 1933، في منظمة «علياه الشباب» بباريس، حيث ساعدت أطفالًا لاجئين على الهجرة إلى فلسطين، غير أن موقفها بدأ يتغير بعد مؤتمر بلتيمور عام 1942، الذي اجتمع فيه نحو 600 مندوب عن منظمات صهيونية في نيويورك؛ فقبل ذلك المؤتمر، ظل بعض أنصار الحركة يتصورون إمكانية إقامة دولة واحدة تستند إلى العلاقات التاريخية الوثيقة بين اليهود والمسلمين والمسيحيين في فلسطين، لكن المحرقة النازية عززت الدعوات إلى إقامة دولة يهودية مستقلة، وهو ما حذرت آرنت من عواقبه، معتبرة أنه لن يترك للعرب سوى الاختيار بين الهجرة الطوعية أو المواطنة من الدرجة الثانية، وقال موزر أنها استشرفت أن الانتصار في معركة إقامة الدولة لن يجلب ليهود فلسطين السلام أو الأمن.

وبعد بدء احتلال غزة والضفة الغربية عام 1967، كرست المحامية فيليسيا لانجر حياتها للدفاع عن الفلسطينيين، ومن بين أوائل موكليها الشيخ موسى البخاري وزوجته، اللذان كانا يعلمان أن ابنهما في السجن، لكن أحدًا لم يخبرهما بالسبب، ونقل موزر عن لانجر وصفها للموقف قائلة إنهما لم يجدا من يخبرهما بالسبب، لكن الأب، حين أخذ ملابس ابنه لغسلها، وجد قميصًا مغطى بالدماء، وانتهت لانجر إلى اعتبار دولة إسرائيل "مشروعًا إجراميًا"، ثم هاجرت عام 1990 بعدما فقدت إيمانها بإمكانية إصلاحها.

واستعرض الكتاب أيضًا تجربة المؤرخ الإسرائيلي البريطاني آفي شلايم، المولود في العراق، الذي كان من أبرز الباحثين الذين أعادوا فحص الروايات الإسرائيلية السائدة عن عام 1948، وقال شلايم إن اطلاعه على الأرشيفات الإسرائيلية هو ما دفعه إلى تبني مواقف أكثر راديكالية، موضحًا: "لم تكن لدي أفكار مسبقة؛ بل إن المواد التي كنت أقرأها ناقضت الرواية الرسمية تمامًا، وبصورة قاطعة"، ووصف شلايم الوضع الراهن بأنه "قاتم إلى أبعد حد"؛ ففي عام 2023، قال إنه على الرغم من كل خطايا إسرائيل، فإنها لم ترتكب إبادة جماعية، لكنه نشر بعدها عام 2025 كتابًا بعنوان «الإبادة الجماعية في غزة».

وتكمن قوة كتاب موزر في تركيزه على الحيوات الفردية، وهو ما يمنح روايته تأثيرًا إنسانيًا واضحًا؛ حيث لم يدعي الكاتب أنه يقدم تاريخًا نهائيًا شاملًا لمعاداة الصهيونية، كما أدرك أن حيوات الفلسطينيين تحضر بوصفها ظلًا ملازمًا لقصص الشخصيات التي تناولها، رغم أنها تقع خارج نطاق دراسته، ومع ذلك، لم يخلو الكتاب من ثغرات؛ إذ لم يتطرق، على سبيل المثال، إلى حركة «ساتمار» الحسيدية، وهي جماعة يهودية متشددة أرثوذكسيًا ترى أن إقامة دولة يهودية قبل مجيء المسيح أمر محرم، وهو ما يوضح أن معاداة الصهيونية قد تنطلق أيضًا من دوافع دينية محافظة، لا من اعتبارات سياسية فحسب، بحسب الصحفي توم سبيرلينجر الذي قدم مراجعة نقدية للكتاب عبر صحيفة الجارديان.

جدير بالذكر أن موزر شارك في مستهل الكتاب بعض المقاطع من نسخة جده من كتاب «دولة اليهود» لتيودور هرتزل، أحد النصوص التأسيسية للحركة الصهيونية، فوجدها مثيرة للقلق؛ فهي، في أفضل الأحوال، حكاية خيالية، وفي أسوئها تصور بالغ الإزعاج على حد قوله، وتساءل كيف كان يمكن أن تختلف حياته لو أنه نشأ وهو يعرف الرواية الفلسطينية الحقيقية أيضًا.

وفي المجمل، فقد قدم موزر، عبر هذا الكتاب المكتوب بأسلوب أدبي رفيع، صرخة احتجاج تنبع من رؤية تنتمي إلى المنفى، وتؤمن بالمساواة، وتستند إلى تقليد يهودي بديل يقاوم النزعة القومية ويقوم على التضامن مع الآخرين.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك