استضافت قاعة «كاتب وكتاب»، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، اليوم الأحد، ندوة لمناقشة كتاب «الثقافة الإنسانية.. رسائل وهوامش» للدكتور سامح فوزي، كبير الباحثين بمكتبة الإسكندرية، بحضور عدد من المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الفكري والإنساني.
وفي كلمته، قال الدكتور سامح فوزي، إن الدافع الأساسي لتأليف الكتاب يعود إلى تجربة بدأت في شهر رمضان من العام الماضي، عندما تلقى اتصالًا من طه فرغلي، رئيس تحرير مجلة «الهلال» ورئيس تحرير بوابة دار الهلال، اقترح عليه تقديم قول يومي قصير حول قيمة التسامح، ينشر وقت الإفطار أو بعده، بوصفه مادة خفيفة ترافق أجواء الشهر الكريم، مشيرًا إلى أن هذه الفكرة جاءت أيضًا بدعم من الدكتور محمد عبد السلام.
وأوضح فوزي أن هذه المبادرة شكلت النواة الأولى للكتاب، حيث قدم خلال شهر رمضان ثلاثين قولًا، حرص على تنوع مصادرها بين فقهاء ورجال دين ومتصوفة وفلاسفة وحكماء وشخصيات لعبت أدوارًا مؤثرة في الحياة الفكرية والثقافية عبر مجتمعات وعصور مختلفة، معتبرًا أن هذه التجربة كانت ثرية ونقية على المستويين الإنساني والمعرفي.
وأضاف أن تحويل هذه الأقوال إلى كتاب جاء لاحقًا برؤية أوسع، لا تكتفي بجمع النصوص، بل تنطلق منها لطرح أسئلة أعمق حول الثقافة الإنسانية، باعتبار أن التسامح أحد ركائزها الأساسية، متسائلًا عن أسباب تراجع منسوب هذه الثقافة في المجتمع المصري، وهو ما يتجلى في مظاهر متعددة من بينها التنمر وأشكال الإقصاء والعنف الرمزي والاجتماعي.
وذكر أن الكتاب يناقش سبل رفع منسوب ثقافة التسامح من خلال استدعاء الذاكرة الجمعية التي تحمل قيم الإسلام الحقيقي في المجتمع، والتأكيد على دور التنشئة المدنية في المدارس، وأهمية توجيه الخطاب الإعلامي نحو قضايا إنسانية حقيقية، إلى جانب التطرق إلى إشكاليات مرتبطة بالعمران والمدينة، وكيف يمكن بناء مدينة ذات طابع إنساني تحترم كرامة الإنسان وتدعم علاقته بالآخر.
ولفت فوزي إلى أنه أثناء كتابة الأقوال ومحاولة الربط بينها، اكتشف خيطًا ناظمًا يجمعها جميعًا يتمثل في النظرة الإنسانية العميقة لمفهوم التسامح، موضحًا أن التأمل في هذا المفهوم يخلق تقاربًا فكريًا بين مفكرين وكتاب ينتمون إلى ثقافات وعصور مختلفة رغم تباين خلفياتهم.
وضرب مثالًا بقول الإمام الشافعي: «عندما عفوت ولم أحقد أرحت نفسي من هم العداوة»، موضحًا أن الإمام لا يتحدث فقط عن العلاقة مع الآخر بل عن العبء النفسي الذي يحمله الإنسان عندما يكره، حيث يصبح العداء همًا داخليًا، بينما يحقق العفو راحة النفس قبل أي اعتبار آخر.
كما أشار إلى أقوال أخرى تؤكد أن التسامح الحقيقي ينبع من القلب ويراه الله، وليس مجرد سلوك ظاهري، وصولًا إلى قول الإمام علي بن أبي طالب الذي يربط امتلاك القدرة على العفو بشكر الله عليها بوصفه ذروة القوة الأخلاقية.
وقال الكاتب الصحفي علاء عبد الهادي، إن الكتاب يتوزع على ثلاثة فصول رئيسية، يبدأ أولها بمقدمات ترصد تراجع مؤشرات القيم الإنسانية داخل المجتمع المصري وتطرح تساؤلات حول أسباب هذا التراجع وتجلياته في الحياة اليومية، موضحًا أن الفصل الثاني يضم ثلاثين رسالة مكثفة تمثل جوهر الكتاب، بينما يأتي الفصل الثالث تحت عنوان «هوامش إنسانية» بوصفه مساحة تطبيقية للرسائل مع تركيز خاص على الفئات الشابة باعتبارها الرهان الأساسي لأي مشروع ثقافي يسعى إلى التغيير.
وأشار عبد الهادي إلى أن من أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب أن التطرف يبدأ دائمًا من النظرة الأحادية للأشياء حين يحتكر الفرد الحقيقة أو يدّعي امتلاك الصواب المطلق بما يؤدي إلى إقصاء الآخر واعتباره على باطل، مؤكدًا أن هذا المنطق يمثل المنبع الأول للتعصب ويستدعي تنشئة أجيال جديدة على قيم التسامح والتعايش وقبول الاختلاف.
وأكد أن التاريخ الإنساني، بما يحمله من تجارب متراكمة، يقدم نماذج ثرية يمكن الاستفادة منها، مشيرًا إلى أن التاريخ المصري منذ العصور الفرعونية زاخر بأدبيات أخلاقية رفيعة لا تزال قادرة على إلهام الحاضر، مضيفًا أن تكرار مفاهيم التسامح ومترادفاتها في أكثر من موضع داخل الكتاب يعكس رؤية فكرية واضحة تقوم على الإلحاح على خطاب التسامح بوصفه مدخلًا لمعالجة القضايا الفكرية والثقافية والإنسانية.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور مجدي عبد الحميد، المدير التنفيذي للمشروع الأوروبي لحقوق الإنسان، إن ما طرحه علاء عبد الهادي يلتقي إلى حد كبير مع قراءته للكتاب، مضيفًا أن أحد أبرز ملامحه يتمثل في الطبيعة الموسوعية لثقافة المؤلف، وأوضح أن هذه الموسوعية لا تأتي في إطار استعراض معرفي بل تنبع من ثقافة مرجعية راسخة تتيح للمؤلف تناول موضوعات متنوعة ومتشابكة دون الوقوع في أسر اتجاه فكري واحد.
وأكد عبد الحميد أن الكتاب كتب ببساطة مقصودة تجعله قريبًا من القارئ وسهل التلقي دون أن يفقد عمقه أو ثراءه، مشيرًا إلى أن لغته تجمع بين الرقي والسلاسة بما يسمح بتفاعل إيجابي مع الأفكار المطروحة ويحقق معادلة نادرة بين البساطة والجدية.
وأضاف أن الكتاب يؤكد أن مفاهيم التسامح ليست ثابتة بل تتطور بتطور المجتمعات والسياقات التاريخية، وهو ما يفرض البحث عن صيغ جديدة لترسيخها، مشددًا على أن مواجهة الكراهية لا تكون بالإقصاء أو العنف بل بالحوار والتشاور وفتح مساحات آمنة للنقاش وفهم الجذور الاجتماعية والنفسية لهذه الظواهر باعتبار بناء ثقافة التسامح مسئولية جماعية.
ومن جهته، قال الدكتور محمد عبد السلام، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة عين شمس، إن الكتاب يكشف بوضوح عن أهدافه وبنيته الفكرية، موضحًا أنه يتكون من ثلاثة فصول يأتي في مقدمتها فصل «الرسائل» الذي يقدم تشخيصًا معمقًا لثقافة المجتمع مع بقاء التسامح محورًا أساسيًا فيه.
وأوضح أن المؤلف لم يسع إلى جمع مقالات متفرقة بل انطلق من هدف يتمثل في استعادة «الصداقة الإنسانية» داخل المجتمع في ظل تراجع القيم الإنسانية وانتشار العنف والتنمر وتصاعد النزعة المادية والتدين الشكلي والخطابات الإقصائية، مشيرًا إلى أن الكاتب نجح في معالجة هذه الظواهر عبر تقديم نماذج إنسانية مشتركة مستندًا إلى أقوال وإسهامات مفكرين من خلفيات حضارية ودينية متعددة بما يؤكد وجود ثقافة إنسانية عابرة للجغرافيا والتاريخ وقادرة على مواجهة الانغلاق والتشدد.
وأكد عبد السلام أن لغة الكتاب تعد من أبرز عناصر قوته إذ جاءت لغة رفيعة وسلسة بعيدة عن الوعظ والخطابية مع إحكام واضح في اختيار المفردات وانسجام بين النبض الإنساني والمعنى الفكري، رغم توظيف بعض المصطلحات الأيديولوجية والسياسية مثل «فائض العنف» و«ترييف العنف» و«نظرية نقل الفراغ في المجال الإلكتروني» والتي ظل حضورها محدودًا دون أن تطغى على الطابع الإنساني العام للكتاب.