قالت صحيفة لا تريبين الفرنسية إن خامنئي، الذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفاته السبت، جسّد على مدى عقود النظام الإيراني ومواجهته الأيديولوجية مع «الشيطان الأكبر» الأمريكي وإسرائيل، عدوها اللدود.
وأشارت الصحيفة إلى أن خامنئي، الذي كان يرتدي العمامة السوداء التي يضعها «السادة» المنحدرون من نسل النبي محمد، بلحية بيضاء كثيفة ونظارات، كان بعمر 86 عامًا أقدم قادة دول الشرق الأوسط سنًا.
وأوضحت أنه "بصفته المرشد الأعلى، أي رأس النظام الثيوقراطي الإيراني، كان يتمتع بسلطة شبه مطلقة في القضايا الدينية والسياسية والعسكرية. وكانت صوره منتشرة في الأماكن العامة، ولم يُطرح موضوع خلافته علنًا قط".
ووفقاً للصحيفة الفرنسية فإنه "في يونيو 1989، كان علي خامنئي على وشك إتمام عامه الخمسين عندما تم تعينينه مرشدًا أعلى عقب وفاة روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإيرانية".
وأشارت إلى أنه تأثر بشكل كبير بالإمام روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإيرانية، منذ أن بدأ تتلمذ على يديه في أواخر الخمسينيات، موضحة أنه قد تعمق هذا التأثير خلال فترة نفي الخميني إلى فرنسا في أواخر الستينيات والسبعينيات، حيث مكث في مدينة نيس وباريس، ونشط في نشر فكر الثورة الإيرانية وتنظيم المعارضة ضد نظام الشاه المدعوم أمريكيًا.
وأضافت: "خلال هذه الفترة، تعلم خامنئي من الخميني استراتيجيات القيادة، فنون الإقناع الديني والسياسي، وأهمية توحيد الصفوف الدينية والسياسية لمواجهة الخصوم، وهو ما شكل الأساس الذي اعتمده لاحقًا لترسيخ سلطته كمرشد أعلى بعد وفاة الخميني في 1989".
وأوضحت أنه تم انتقال السلطة بسلاسة، إذ كان خامنئي قد رسخ نفوذه عبر توليه رئاسة الجمهورية لمدة ثماني سنوات، تزامنت مع الحرب المدمّرة مع العراق (1980-1988).
كما ساهمت زياراته المتكررة إلى الجبهات في زي عسكري في ترسيخ صورته.
وأشارت لا تريبين، إلى أن 3 عقود من توليه منصب المرشد الأعلى شهدت أزمات واحتجاجات متتالية، موضحة أنه في عام 2009 اندلعت "الحركة الخضراء" إثر إعادة انتخاب الرئيس المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد في اقتراع اعتبر مزورًا.
وأضافت أنه في 2022 اندلع حراك «امرأة، حياة، حرية» عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها بعد توقيفها بسبب حجاب وُصف بأنه غير منضبط.
ومؤخرًا، وصف تظاهرات حاشدة اندلعت في يناير احتجاجًا على السلطة والأزمة الاقتصادية بأنها محاولة "انقلاب".
وسارع في كثير من الأحيان إلى التنديد بـمؤامرات يحيكها "أعداء" في مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل، واصفًا الاحتجاجات بأنها "فتن"، ومبررًا قمعها.
وكثيرًا ما وجهت منظمات غير حكومية والأمم المتحدة انتقادات لإيران بسبب انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان.
حياة بلا ترف
ولفتت الصحيفة إلى أن خامنئي، ولد بحسب موقعه الرسمي، في 19 أبريل 1939 بمدينة مشهد (شمال شرق إيران)، في أسرة أذرية فقيرة، وهو ابن إمام، وتلقى علومه الدينية في أبرز مراكز الإسلام الشيعي: النجف في العراق وقم في إيران.
وأمضى جزءًا كبيرًا من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في السجن بسبب نشاطه السياسي ضد الشاه رضا بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة.
وكوفئ على إخلاصه للخميني، الذي تتلمذ على يديه منذ عام 1958، عام 1980 بتعيينه لإمامة صلاة الجمعة في طهران، وهو منصب محوري.
وفي العام التالي انتخب رئيسًا للجمهورية، وكان قد نجا قبل أشهر من محاولة اغتيال خلّفت شللًا جزئيًا في يده اليمنى.
وعرف ببلاغته وبحياته المتقشفة نسبيًا، ونادرًا ما سافر خارج إيران، وخلال رئاسته، زار الولايات المتحدة لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1987، وفقاً للصحيفة الفرنسية.
وكان يقيم في منزل متواضع نسبيًا وسط طهران، قبل أن ينتقل إلى مكان سري خلال حملة الضربات التي شنتها إسرائيل في يونيو 2025 للقضاء على البرنامج النووي الإيراني.
ووضع تحت حماية مشددة، ولم تعد تُبثّ إطلالاته العلنية مباشرة منذ "حرب الأيام الاثني عشر"
خطاب تصعيدي
خلال فترة حكمه، حول خامنئي "بيت المرشد" الذي كان يضم عددًا محدودًا من الموظفين في عهد سلفه، إلى مؤسسة تشبه دولة داخل الدولة.
وأشرف على 6 رؤساء جمهورية ذوي توجهات مختلفة، من المعتدلين مثل محمد خاتمي وحسن روحاني إلى المحافظين مثل محمود أحمدي نجاد وإبراهيم رئيسي.
وتحت قيادته، وسع الحرس الثوري الإيراني نفوذه داخل البلاد وفي اقتصادها، وعزّز حضوره خارج الحدود، لا سيما في لبنان والعراق وسوريا.
كما أن "محور المقاومة" هذا تلقى ضربات قاسية من إسرائيل عقب طوفان الأقصى في أكتوبر 2023.
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أنه في عام 2018، وصف إسرائيل بأنها "ورم سرطاني" في الشرق الأوسط يجب "استئصاله". وكان قد اعتبر في وقت سابق أن إبادة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية "أسطورة".
وأوضحت أن خامنئي اعتاد على خطاب تصعيدي، إذ هدد في منتصف فبراير بإغراق حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن" المنتشرة في الخليج، مؤكدًا أن دونالد ترامب لن ينجح في تدمير الجمهورية الإسلامية.
وفي عهده، دخلت إيران في أزمة اقتصادية خانقة بفعل العقوبات الدولية، رغم تحسن نسبي في التسعينيات ولاحقًا بعد الاتفاق الدولي عام 2015 بشأن البرنامج النووي الإيراني.
شغف بالأدب
أما علي الصعيد الأدبي فقد أشارت الصحيفة الفرنسي إلى أن علي خامنئي كان شغوفًا بالأدب، ومعجبًا بالكاتب الفرنسي فيكتور هوغو وروايته "البؤساء"، التي وصفها بأنها كتاب "مذهل" عن "الطيبة والمودة والحب".
كما أحب الشعر، وهي هواية ورثها عن والدته التي كان يكنّ لها إعجابًا كبيرًا. وقبل الثورة، ترجم مؤلفات من العربية وكتب قصائد شعرية.
وفي 2019، أثارت صورة نشرها مكتبه اهتمامًا واسعًا، إذ أظهرته في معرض طهران الدولي للكتاب مبتسمًا وهو يتصفح أعمال أحمد شاملو، الشاعر الإيراني الماركسي الذي تنظر إليه إيران بعين العداء.
كان له 6 أبناء، ولم يحظ بموقع علني سوى أحدهم، مجتبى (56 عامًا). ورغم عدم توليه أي منصب رسمي، اعتبره بعض الخبراء خليفة محتملًا لوالده، وهو سيناريو نفاه خامنئي نفسه.