شهدت فعاليات الدورة التاسعة لمعرض دمنهور للكتاب، لقاء مفتوحا مع الفنان صبري فواز، أداره الكاتب الصحفي محمود دوير، تناول خلاله فواز بداياته الفنية، وتأثير البيئة الريفية والثقافة الجماهيرية في تكوينه، إلى جانب تجربته في تجسيد الشخصيات الحقيقية، وعلاقته بالمسرح والكتابة والإخراج.
وفي بداية اللقاء، رحب محمود دوير بالفنان صبري فواز، مشيرا إلى أن المعرض يحتفي هذا العام بفنان لا تقتصر تجربته على التمثيل، وإنما تمتد إلى الكتابة والإخراج والشعر، معتبرا أن تجربته تمثل حالة فنية متعددة المواهب.
وقال دوير إن فواز "إنسان وفنان راهن على التراكم، وليس على الدور الفني الذي يصنع فرقعة مؤقتة"، موضحا أنه بنى مشواره خطوة بخطوة حتى حجز مكانا في وعي الجمهور العربي، مستفيدا من نشأته في الريف، ومن المدينة وما منحته له من معرفة وخبرات، فضلا عن تربيته داخل منظومة الثقافة الجماهيرية.
بدوره، استعاد صبري فواز بداياته، مؤكدا أن نشأته في الريف كان لها تأثير كبير في تكوين خياله، قائلا إن الريف يمنح الإنسان "فكرة البراح"، بما يحتويه من مساحات مفتوحة وخضرة وطبيعة، وهو ما يخلق لدى الطفل مساحة واسعة للخيال والارتباط بالأرض وما يحيط به.
وأضاف أن نقطة التحول الأولى جاءت مع "القوافل الثقافية" التي كانت تجوب القرى والنجوع لتقديم العروض المسرحية والفنية والسينمائية للأهالي الذين لا تتوافر لهم فرص مشاهدة هذه الفنون، موضحا أنه كان طفلا يجلس بين أبناء قريته لمشاهدة تلك العروض، وأن رؤية الممثلين يتحركون على الشاشة جعلته يتساءل عن العالم الذي يأتي منه هؤلاء، ويقرر أن يكون جزءا منه.
وأوضح فواز أن محاولته الأولى كانت من خلال المسرح المدرسي، حيث كوَن فريقا مسرحيا في قريته، ثم واصل التجربة عندما انتقل إلى المدينة في المرحلة الإعدادية والثانوية، والتحق بفريق المسرح في المرحلة الثانوية، حيث لم يكن المسرح مجرد نشاط عابر، وإنما مساحة عمل مستمرة تضم التمثيل والموسيقى وغيرها من الفنون.
وأشار إلى أن تجربته مع الثقافة الجماهيرية في كفر الشيخ كانت محطة أساسية في تكوينه، إذ وجد نفسه وسط عدد من كبار المثقفين والفنانين، وهو ما جعله لا يكتفي بالمسرح، بل يحضر معارض الفن التشكيلي والندوات الأدبية والمناقشات الثقافية، مؤكدا أن تلك التجربة وسعت علاقته بالفن، وظل أثرها ممتدا في حياته.
الوسية.. مفاجأة الظهور الأول على الشاشة
وتحدث فواز عن انتقاله إلى الدراسة الأكاديمية، موضحا أنه التحق بقسم المسرح بكلية الآداب في الإسكندرية، قبل أن يواصل طريقه في دراسة المسرح بالمعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون، مشيرا إلى أن بداياته شهدت أيضا مشاركته في عرض مسرحي كان له أثر مهم في مسيرته، وشاهده المخرج إسماعيل عبدالحافظ، وهو ما فتح أمامه باب المشاركة في مسلسل "الوسية".
وقال فواز إن مشاركته في "الوسية" جاءت بشكل مفاجئ، وكانت أول ظهور له على الشاشة، مضيفا أنه كان وقتها طالبا، ووجد نفسه أمام دور مهم مع مخرج كبير، لتبدأ من هناك علاقته العملية بالتليفزيون.
وأكد فواز أن بدايته الحقيقية لم تكن من التمثيل وحده، وإنما من المسرح والإخراج والكتابة، موضحا أن عمله في الإخراج جعله ينظر إلى العمل الفني باعتباره بناء متكاملا، وليس مجرد شخصية يؤديها الممثل.
وأوضح أن خبرته كمخرج تؤثر في طريقته في التعامل مع الشخصية، فهو لا يقرأ دوره منفصلا عن باقي عناصر العمل، وإنما يهتم بالشخصيات الأخرى، والأحداث، والديكور، وعلاقة المشاهد ببعضها، وضرب مثالا بأنه إذا كان سيؤدي دور شخص يعيش في منزل، فإنه يحرص على معرفة تفاصيل المكان واتجاهات الغرف وحركة الشخص داخله، حتى تكون علاقته بالمكان طبيعية أثناء التصوير.
وأضاف أن هذه الطريقة تمتد إلى معرفته بما يحدث في المشاهد السابقة واللاحقة، حتى يستطيع بناء رد فعله على ما جرى قبل دخوله المشهد، مؤكدا أن "المذاكرة" عنصر أساسي في عمل أي فنان يريد تقديم شخصية جيدة.
وعن اختياره للأدوار، أكد فواز أن التراكم كان دائما جزءا أساسيا من فلسفته الفنية، موضحا أنه تأثر بفكرة البناء التدريجي التي عرفها في الريف، حيث يتم بناء عدة مداميك ثم الانتظار حتى تتماسك قبل مواصلة البناء.
وقال إن هذه الفكرة انعكست على مشواره، فبدلا من البحث عن دور يصنع ضجة مؤقتة، كان يركز على العمل الجيد وبناء الشخصية وتراكم الخبرات، مشيرا إلى أنه لم يعمل في مجال آخر، وأن الفن كان دراسته وهوايته وعمله، ولذلك ظل تركيزه منصبا على تطوير تجربته.
وشدد فواز على أن المعيار الأهم بالنسبة له ليس رد فعل الجمهور أو ما إذا كان الدور سيحقق نجاحا كبيرا، وإنما مدى رضاه عن العمل، وهل "يليق به" أم لا، قائلا إن هذا المعيار ظل حاضرا في اختياراته الفنية حتى لو تسبب له أحيانا في بعض الصعوبات.
وتطرق اللقاء إلى تجربته في تقديم الشخصيات الحقيقية، ومن بينها شخصيات معروفة، موضحا أن التعامل مع الشخصية التاريخية أو العامة يختلف عن الشخصية المتخيلة، لأن الجمهور يعرف ملامحها وصوتها وطريقة حركتها.
وقال فواز إنه لا يعتمد دائما على تقليد الشخصية في تفاصيلها، وإنما يحاول الوصول إلى "روح الشخصية"، ثم يبني عليها الحركة وردود الفعل وطريقة الكلام، واستشهد بتجربته في تقديم شخصية الفنان حمدي غيث، موضحا أنه لم تكن لديه معلومات كافية عنه في البداية، فحاول الوصول إلى ملامح الشخصية الإنسانية من خلال ما توافر له من صور ومعلومات.
كما تحدث عن تقديمه لشخصية الكاتب محمد حسنين هيكل، معتبرا أنها كانت من أصعب الشخصيات التي جسدها، لأن الجمهور يعرف "هيكل" الإعلامي والكاتب، بينما يظل الجانب الإنساني من الشخصية أقل وضوحا، وهو ما دفعه إلى البحث عن السمات التي يمكن أن تبني الشخصية على الشاشة، خاصة قدرته على الحضور والتأثير في مراحل سياسية مختلفة.
واختتم اللقاء بالحديث عن عدد من الشخصيات التي قدمها فواز خلال مشواره، مؤكدا أن خبراته الحياتية واحتكاكه بالناس والبيئات المختلفة تظل مصدرا مهما يستعين به في بناء الشخصيات، إلى جانب الدراسة والملاحظة والتراكم الذي يرى أنه كان أحد أهم عناصر رحلته الفنية.