مدحت يوسف: مشاريع الطاقة المتجددة أثبتت عدم قدرتها على تلبية احتياجات العالم
أسامة كمال: خطط الشركات لخفض انبعاثاتها من الكربون إلى «زيرو» لن تحدث
اصطدمت خطط شركات النفط والطاقة العالمية، لخفض انبعاثاتها الكربونية والتوافق مع التوجه العالمى نحو التحول الأخضر، من خلال الاعتماد على الطاقة النظيفة كبديل للوقود التقليدى، بأزمة زيادة الطلب على النفط وارتفاع أسعاره، بسبب التعافى من «كورونا»، ما رفع التوقعات بأن تتخلى تلك الشركات عن ضخ استثمارات وعدت بها فى مجال الطاقة النظيفة، لاسيما أنها أثبتت على المدى القصير عدم قدرتها على سد احتياجات العالم من الطاقة.
واستهدفت معظم شركات النفط العالمية، الوصول إلى صفر انبعاثات كربونية بحلول 2050، من خلال رفع مساهمة الطاقات المتجددة والوقود الحيوى (الإيثانول والميثانول) فى مزيجها الأساسى من الطاقة، بتخصيص جزء من إنفاقها الرأسمالى على استثمارات فى مشاريع الطاقة المتجددة، مثل الهيدروجين الأخضر، وتوليد الكهرباء من الرياح، والشمس، والتخلى عن مشروعات البحث والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعى.
وأعلنت شركة «بريتش بتروليوم البريطانية»، أنها سترفع حجم استثماراتها فى مشاريع الطاقة المتجددة من 500 مليون دولار إلى 5 مليارات دولار بحلول 2023، وستشارك مع 15 مدينة عالمية فى جهودها لإزالة الكربون.
كما تخطط شركة «شيفرون الأمريكية» لضخ استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار فى الطاقة المتجددة من خلال رفع طاقة الهيدروجين الأخضر إلى 150 ألف طن سنويا، ورفع الطاقات الانتاجية من الوقود الحيوى إلى 100 ألف برميل يوميا.
كذلك خططت شركة «إينى» للتوسع فى المشروعات الخضراء من خلال عمليات إزالة الكربون وإنتاج الهيدروجين الأخضر والازرق وخفض تكاليف الإنفاق على عمليات التنقيب عن النفط من 28 دولارا للبرميل إلى 10 دولارات فقط، كما خصصت شركة «رويال داتش شل» استثمارات تتراوح بين 2 و3 مليارات دولار سنويا فى مشاريع الطاقة المتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر لخدمة الصناعة والنقل الثقيل، لكن لا تزال تلك الاستثمارات أقل من تلك التى خصصتها للبحث والاستكشاف عن حقول النفط والغاز الطبيعى وصناعات البتروكيماويات بقيمة 8 مليارات دولار لكل منها.
أكد مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول السابق، إن الطاقة البديلة أو الخضراء أو حتى الطاقة النووية أثبتت مؤخرا عدم قدرتها على تلبية احتياجات العالم من الطاقة مقارنة بالنفط والغاز الطبيعى، «ليصبح العالم فريسة فى أيدى منتجى النفط مرة أخرى بعد تحالفهم فيما يعرف بـ«أوبك بلس» الذى خفض إنتاجه عالميا، فضلا عن الغاز الطبيعى الذى زاد حجم الطلب عليه من قبل الدول باعتبار أنه الوقود الأمثل والأقل تلوثًا للبيئة».
وشكلت المملكة العربية السعودية منذ عام 2016 مع التدنى الحاد فى أسعار النفط عالميا نتيجة سياسة حرق الأسعار حينها، تحالفا مع أكبر المنتجين للنفط من خارج أوبك بقيادة روسيا؛ حيث سعى التحالف منذ نشأته إلى الموازنة بين المعروض من الخام مع حجم الطلب، ما أدى إلى الحفاظ على أسعار النفط عند مستويات مرضية.
وأشار يوسف إلى أن عمليات الاستثمار فى مشاريع الطاقات المتجددة حاليًا ستواجه العديد من التحديات أولها عدم وجود تمويلات كافية لتنفيذها من قبل الدول العظمى؛ لتضخها فى دول الشرق الأوسط وأفريقيا التى تعد منبعا أساسيا لتلك الطاقات مع عدم تحقيق جدواها الاستثمارية على المدى القصير، سواء باسترداد تكلفتها، أو تلبية كميات الطاقة التى تحتاجها الدول مقارنة بالوقود التقليدى.
وأضاف يوسف، أن حجم الطلب على النفط والغاز الطبيعى يرتفع بعد عودة النشاط الاقتصادى؛ فى الوقت الذى تواجه مشروعات الطاقة المتجددة هذه التحديات، متوقعا أن تؤجل توقيتات الشركات فى تحقيق مستهدفات خفض الانبعاثات الكربونية عن المواعيد المحددة، وضخ استثمارات فى مشروعات البحث والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعى على الرغم من امتلاك العالم احتياطات ضخمة منه.
وثبتت منظمة الطاقة العالمية فى يوليو الماضى، توقعاتها بأن يرتفع حجم الطلب على النفط خلال 2022 بنحو 3 ملايين برميل يوميا، على أن يزيد المنتجون حجم استثماراتهم على عمليات التنقيب والاستكشاف لتلبية الطلب الذى سيعود إلى مستويات ما قبل الجائحة خلال العام الجارى، وإلا سيشهد السوق شحا فى المعروض نتيجة اتفاق خفض الإنتاج الذى توصلت إليه «أوبك بلس»، فى أزمة كورونا بنحو 10 ملايين برميل يوميا منذ عام 2020.
وشدد يوسف، على أن شركات النفط العالمية تتحدث عن استثمار أكثر من 50% من ميزانياتها على مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، لكن «هذا لن يحدث قبل تطوير تكنولوجيا إنتاجها حتى ينخفض سعر تكلفة إنتاج الطاقة الكهربائية من تلك المصادر إلى 1.3 سنت لكل كيلو وات بما يعادل 20 قرشًا، مقارنة بمتوسط سعر 23 سنتا فى أوروبا وتستطيع معها استرداد التكلفة الاستثمارية».
كانت منظمة أوبك بلس أعلنت أنها ستبدأ فى زيادة إنتاجها من النفط بنحو 400 ألف برميل يوميا خلال فبراير الحالى، مع توقعات برفع حجم إنفاقها على عمليات التنقيب والاستكشافات؛ حتى لا يتسبب تراجع الإنتاج فى زيادة الأسعار إلى مستويات قياسية وسط دعوة أمريكية للدول المستوردة للنفط للسحب من احتياطاتها، حتى لا تؤدى زيادة الأسعار إلى مزيد من الارتفاع فى مستويات التضخم العالمى.
ويرى أسامة كمال وزير البترول الأسبق، أن خطط الشركات لخفض انبعاثاتها من الكربون إلى «زيرو»، لن تحدث، بعد أن أثبت العالم حاجته للوقود التقليدى، من غاز ونفط فى ظل تعافى النشاط الاقتصادى بعد أزمة كورونا.
وتوقع كمال ألا تتجه شركات النفط نحو التحول الأخضر بالكامل خلال الفترة التى أقرتها فى استراتيجياتها، بل ستتوزع استثماراتها بين عمليات الكشف عن حقول النفط والغاز والطاقة المتجددة، خاصة بعدما أثبتت أزمة كورونا ضرورة تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مورد أحد.
بينما رجح تامر أبوبكر رئيس غرفة «البترول والتعدين» باتحاد الصناعات، أن تستمر شركات النفط العالمية فى نفس معدلات استثماراتها على اكتشافات حقول النفط والغاز الطبيعى خلال السنوات الماضية.
وأضاف، أن أزمة كورونا خلقت طلبا متزايدا على النفط، ما يجعل الشركات تحرص على ضخ استثمارات جديدة فى هذا القطاع، حسب مشاريع الطاقة المتجددة؛ لتلبية احتياجات العالم من الطاقة.