- الكتاب يهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين الآباء وأطفالهم على أساس من الفهم والرحمة والتواصل
تتكرر مع كل موسم من مواسم دراما رمضان، على الشاشة حكايات العائلات المتصدعة: زوجان ينفصلان، أو صراع على الحضانة، أو أطفال يجدون أنفسهم في قلب المعركة، أو أحيانًا كضحايا وأحيانًا كورقة ضغط بين الأب والأم، ولم تعد تلك القصص مجرد حبكات درامية، بل صارت انعكاسًا لأسئلة اجتماعية حقيقية تتعلق بالأسرة والطلاق وحقوق الأطفال داخل البيوت العربية.
وأظهرت المتابعات النقدية، أن كثيرًا من مسلسلات هذا الموسم الرمضاني تتناول بالفعل صراعات ما قبل وما بعد الانفصال وتأثيرها على الأسرة والأبناء، ضمن توجه أوسع نحو ما يسمى «دراما الواقع» التي تلامس قضايا الأسرة والحضانة والخلافات الزوجية.
وسط هذا المشهد الذي تطرحه الدراما، يبدو كتاب «رحلة الحياة.. دليل الأسرة الشامل لصحة طفلك الجسدية والنفسية والاجتماعية» للدكتورة هنا أبو الغار وكأنه محاولة للإجابة عن السؤال الذي تطرحه تلك الأعمال الدرامية: كيف يمكن للأسرة أن تتجنب الوصول إلى تلك اللحظة التي يتحول فيها الطفل إلى ساحة صراع؟.
الكتاب الصادر عن دار الشروق، لا يتعامل مع الطفولة بوصفها مرحلة عمرية فحسب، بل باعتبارها مركز العلاقة داخل الأسرة، إذ يرى أن كثيرًا من الأزمات العائلية تنبع من غياب الفهم الحقيقي لاحتياجات الطفل النفسية والعاطفية، ومن اختلال التوازن في العلاقة بين الأب والأم.
ومن هنا يحاول الكتاب، أن يقدم قراءة مختلفة لعالم التربية، تجمع بين الطب وعلم النفس وخبرة الحياة اليومية، بهدف إعادة بناء العلاقة بين الآباء وأطفالهم على أساس من الفهم والرحمة والتواصل.
- رحلة لفهم عالم الطفل
يأتي الكتاب بوصفه محاولة جادة لفهم عالم الطفل من الداخل عقله وروحه وجسده، انطلاقًا من إيمان عميق بحق كل طفل في الحب غير المشروط.
فالكتاب لا يكتفي بتقديم نصائح تربوية تقليدية، بل يسعى إلى أن يكون دليلًا شاملًا يرافق الأسرة في رحلة تربية الأبناء صحيًا ونفسيًا واجتماعيًا، وأن يشكل سندًا للأمهات والآباء، خصوصًا في سنوات التربية الأولى.
استغرق إعداد الكتاب ما يقرب من سبع سنوات، جمعت خلالها مؤلفته هنا أبو الغار بين خبرتها المهنية الطويلة كأستاذة لطب الأطفال وخبرتها الإنسانية كأم.
ومن خلال هذه التجربة الممتدة لأكثر من عقدين في التعامل مع الأطفال وأسرهم، تطرح الكاتبة، رؤية شاملة لا تكتفي بعلاج المرض، بل تسعى إلى فهم الطفل في سياقه الكامل: الجسدي والنفسي والعائلي، باعتبار أن صحة الطفل لا تنفصل عن طبيعة العلاقة داخل الأسرة.
- بين العلم والسرد الشخصي
يمزج الكتاب، بين المعرفة العلمية والسرد الإنساني، إذ تستعين المؤلفة بمواقف من حياتها الشخصية وتجربتها مع ابنتيها، لتقريب الأفكار إلى القارئ وجعلها أكثر حميمية وواقعية.
هذا المزج بين الخبرة الشخصية والطرح العلمي يمنح النص صدقًا خاصًا، ويؤكد أن أخطاء التربية ليست مدعاة لتأنيب الضمير بقدر ما هي جزء من رحلة التعلم، فالأهل – كما ترى المؤلفة – يتصرفون غالبًا انطلاقًا مما يعتقدون أنه الأفضل لأبنائهم.
- تربية إيجابية بلا شعارات
ومن بين القضايا التي يناقشها الكتاب مفهوم التربية الإيجابية، إذ تحاول المؤلفة تفكيك الصورة النمطية المرتبطة به.
فالسخرية التي يتعرض لها هذا المفهوم أحيانًا لا تعود – في رأيها – إلى الفكرة نفسها بقدر ما ترتبط بالطريقة التي تُقدَّم بها للناس، حين تبدو وكأنها خطاب تعليمي متعالٍ؛ لذلك تدعو إلى تقديم التربية الإيجابية بوصفها رحلة مشتركة يتعلم فيها الآباء والأمهات معًا، مع احترام الاختلافات الثقافية والدينية والاجتماعية بين الأسر، فليس مطلوبًا أن يربي الجميع أبناءهم بالطريقة نفسها.
- الأب والأم.. شراكة لا تقسيم أدوار
وفي هذا السياق، يلفت الكتاب الانتباه إلى ما تعتبره المؤلفة أزمة حقيقية تمر بها الأسرة المصرية، تتعلق بتراجع مفاهيم السعادة والمتعة والترابط داخل البيت؛ لذلك تؤكد أهمية الشراكة بين الأب والأم في تربية الأبناء، بدلًا من التقسيم التقليدي للأدوار الذي يحمّل كل طرف عبئًا منفردًا؛ فالتربية في نظرها مسؤولية مشتركة تعزز الأمان داخل الأسرة وتخلق تواصلًا أعمق بين الآباء وأطفالهم.
- لغات الحب الخمس
ويتوقف الكتاب عند عدد من القضايا الحساسة المرتبطة بحقوق الطفل وصحته الجسدية والنفسية، من بينها قضية ختان الإناث، التي تؤكد المؤلفة أنها جريمة يعاقب عليها القانون ولا تستند إلى أي مبرر طبي أو ديني.
وأوضحت أن آثارها لا تقتصر على الجسد، بل تمتد إلى صدمات نفسية عميقة قد تلازم الطفلة طوال حياتها.
ومن الأدوات التي يقدمها الكتاب لتحسين العلاقة داخل الأسرة مفهوم لغات الحب الخمس، باعتبارها وسيلة لفهم طرق التعبير العاطفي المختلفة بين الأفراد.
فلكل طفل – كما تشير المؤلفة – لغة عاطفية يفضلها، سواء كانت كلمات التشجيع، أو الوقت المشترك، أو اللمس، أو تقديم الخدمات، أو الهدايا، والوعي بهذه اللغات يساعد الآباء على بناء تواصل أكثر دفئًا مع أبنائهم وملء ما تسميه الكاتبة «الوعاء العاطفي» لدى الطفل.
- النمو الجسدي وبناء شخصية الطفل
ويتناول الكتاب، أيضًا مراحل النمو الجسدي والذهني للطفل منذ الولادة وحتى سن الثامنة عشرة، إضافة إلى الأمراض الجسدية والنفسية الشائعة، والتحديات التي قد تواجه الأسرة في كل مرحلة عمرية.
كما يناقش تأثيرات الحياة المعاصرة على الأطفال، مثل الإفراط في استخدام الشاشات، وأساليب التعليم الحديثة، وأهمية الرياضة واللعب في بناء شخصية الطفل.
- القراءة وبناء وعي الطفل
ولا يغفل الكتاب أهمية القراءة في تشكيل وعي الطفل، إذ تشير المؤلفة إلى ثراء أدب الطفل العربي، وإلى الدور الذي لعبه كتّاب ورسّامون مصريون في تطويره بعيدًا عن النقل المباشر من الكتب المترجمة، لذلك تحرص – في ممارستها الطبية – على ترشيح كتب للأطفال ضمن نصائحها العلاجية للأسر، انطلاقًا من قناعتها بأن القراءة جزء أساسي من النمو النفسي والمعرفي للطفل.
- تحويل الأفكار النظرية إلى ممارسات يومية
ويعزز الكتاب أفكاره بمجموعة من الجداول والرسومات التوضيحية التي أعدتها الفنانة يارا المالكي، لتبسيط بعض الموضوعات الحساسة للأطفال مثل فهم الجسد والحماية من التحرش، وهو ما يمنح الكتاب طابعًا تطبيقيًا يساعد الأسر على تحويل الأفكار النظرية إلى ممارسات يومية.
- محاولة لفتح حوار أوسع حول الطفولة وحقوقها داخل المجتمع
في النهاية، يبدو «رحلة الحياة» محاولة لفتح حوار أوسع حول الطفولة وحقوقها داخل المجتمع. فالكتاب لا يخاطب الآباء وحدهم، بل يوجه رسالته إلى المجتمع بأكمله، انطلاقًا من فكرة بسيطة مفادها أن تربية الطفل ليست مسؤولية الأسرة فقط، بل مسؤولية جماعية.
ومن هنا أكدت المؤلفة، أن تغيير نظرتنا إلى دورنا التربوي يمكن أن يفتح الباب أمام مجتمع أكثر رحمة وسعادة؛ لأن الطريق إلى مستقبل أفضل يبدأ – في النهاية – من الطريقة التي نتعامل بها مع أطفالنا اليوم.