تُعد القاهرة مكانا ساحرا بتفاصيلها تجذب كثيرا من الباحثين والفنانين للتعمق في عوالمها والغوص في تاريخها وثقافتها وتنوعها الثقافي، ومن بين عناوين الكتب الصادرة حديثًا كتاب "الزيارة: رسائل من قرافة الإمام الشافعي"، وهو عمل للباحثة سارة حسن، صدر ضمن سلسلة "سيرة القاهرة" عن دار المعارف.
تتعمق الباحثة في عالم الموت والقبور، مستكشفة قرافة الإمام الشافعي من منظور أدبي وبحثي، عبر أسلوب يمزج بين السرد وحيوية اللغة وتأملات الباحثة والسيميوطيقا.
ويندرج الكتاب، تحت مظلة "كتب المزارات"، وهي مؤلفات يتقاطع فيها التاريخ مع الجغرافيا، وُضعت لتوثيق القبور وتاريخها وتراثها المعماري.
ويتكون كتاب "الزيارة: رسائل من قرافة الإمام الشافعي"، ويعد هذا الكتاب الإصدار الخامس من سلسلة "سيرة القاهرة" التي تصدرها دار المعارف.
وعملت سارة، سابقًا في مبادرات خاصة لإنقاذ التراث بجبانات القاهرة، وجزء من مبادرة "شواهد مصر" للحفاظ على تراث مصر، لذلك تمتلك خبرة خاصة في هذا السياق البحثي على أرض الواقع.
وفي حديثها لـ«الشروق»، أوضحت الباحثة سارة حسن، أنها لم تكن تنوي تدوين هذا الكتاب في الوقت الحالي، لكن "اقترح الفكرة الكاتب عبد العظيم فهمي، صاحب مبادرة سيرة القاهرة، وانتهيت منه في حوالي 4 شهور، وكسرت بذلك تفكيري السابق عن أن قرافة الإمام الشافعي تحتاج أن أكتب عنها بعد 20 عامًا".
وقالت سارة: "لجأت إلى السيميوطيقا في التحليل؛ لأنها منهج يستطيع الباحث من خلالها تحليل أي شيء، ومنها بالتأكيد التراث، هناك من يهتم باللغة، ومن يهتم بالأشكال والألوان، وقد استخدمت منهج فرديناند دي سوسير وتشارلز ساندرز بيرس، لأني تطرقت لتحليل اللغة والأشكال والألوان معًا".
أما عن سبب اختيار قرافة الإمام الشافعي تحديدًا مادة بحثية في الكتاب، أوضحت الباحثة: "أنا مهتمة بالقرافات جميعها، ولكن هناك أماكن نمتلك تجربة وافية فيها، لذلك كان الاقتراب من الإمام الشافعي منطقيًا بالنسبة لي؛ لأنها المكان الأكثر والأقوى تأثيرًا على المستوى السلوكي والنفسي، لدرجة أني أبدأ السنة السادسة في دراسة خاصة من أجلها، بدأت بدبلومة التنمية الثقافية، ورحلة من الدراسة الأكاديمية فقط من أجل كتابة رسالة خاصة بهذا المكان".
واعتمدت الباحثة على مصادر متنوعة، مكتوبة ولقاءات شخصية مع الزائرين، "لجأت لكل المصادر الممكنة للخروج بهذا الكتاب"، على حد وصفها.
وعن دوافعها لتدوين هذا الكتاب، قالت: "كنت أسعى إلى تناول المنطقة من خلال تأثيرها في نفس الزائر، المنطقة مكان مؤثر، لست مهتمة فقط بتوصيف المباني وسرد البيانات، ولكن اهتمامي الأكبر بالأثر النفسي، ونيتي الشخصية خلص هذا الكتاب بشكل أساسي هي نقل هذه الحالة للقادمين، كيف نشعر ونفكر ونتفاعل مع المكان، المكان الذي جعلني أعرف 4 تخصصات دراسية وأنا أتجول في شوارعه، تجربة عظيمة جدًا زيارة الأماكن التراثية، وهناك تغير كبير يحدث في القاهرة التاريخية، ويشغلني أن هناك أجيالًا لن تكون لديها الفرصة لمشاهدة هذه الأماكن والاتصال مع تأثيرها النفسي العميق".
وحاولت سارة التعبير بأسلوب شديد العاطفة والمحبة لقرافة الإمام الشافعي، وكيف تحول المكان إلى محور أساسي في حياتها، وأن العالم من حولها مهم، ولكن القرافة هي الأهم، وعلى حد وصفها قالت: "أظن ما حدث أن هناك حالة فناء ذاتي في هذا المكان.. المدينة أصبحت أحب لي من ناس حقيقيين من لحم ودم، القاهرة كمدينة معنويًا أحب عندي من ناس كتير".
وكتبت سارة في أحد مقتطفات الكتاب: "ينتهج الكتاب الأنطولوجيا الظاهراتية لفهم قرافة الإمام الشافعي عبر فعل الزيارة، حيث الفعل الإنساني – نفسي الطابع – وسيطًا لفهم المكان، وليس فقط بوصف المكان لذاته".
وأضافت: "وبذلك تُفهم القرافة كعلاقة بين الشيخ المربي ومريديه عبر الزمن، ويُعاد بتلك العلاقة إنتاج القرافة كموقع متجدد لا ينتهي، موقع الأصل فيه العلاقة الروحية والتربية، وليس مكانًا تختل قيمته بتعرضه لأي تحولات وتغيرات، باستعانة مناهج وأدوات من علوم متنوعة: الآثار، والتاريخ، والتاريخ الذهني، والبحث الاجتماعي، وعلم النفس".