بين «عبث الأقدار»والنسخة المبسطة «عجائب الأقدار.. تختلف اللغة والفكرة واحدة - بوابة الشروق
الإثنين 19 أغسطس 2019 12:55 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





بين «عبث الأقدار»والنسخة المبسطة «عجائب الأقدار.. تختلف اللغة والفكرة واحدة

إيمان صبري خفاجة
نشر فى : السبت 10 أغسطس 2019 - 10:31 م | آخر تحديث : السبت 10 أغسطس 2019 - 10:31 م

لم تكن قراءتي الأولى لرواية عبث الأقدار في نسختها الميسرة حدث عن قصد بل صدفة أدركت بمرور الأيام أنها كانت فرصة للتعرف على هذا المشروع الأدبي الذي يهدف إلى تعريف الأطفال والشباب بأدب «نجيب محفوظ» وتمهيد الطريق أمامهم للانتقال من عالم القصة إلى عالم الرواية، وهو الهدف الذي أكدت عليه دار الشروق في مقدمة النسخة الميسرة من الرواية التي صدرت للمرة الأولى عام 1989 بعنوان عجائب الأقدار.
"جلس صاحب العظمة الإلهية والهيبة الربانية "خوفو بن خنوم" على أريكته الذهبية، بشرفة مخدعه التي تطل على حديقة قصره المترامية الغناء، بين رهط من أبنائه وخاصته المقربين، وكانت عباءته الحريرية تلمع حاشيتها الذهبية تحت أشعة الشمس، وقد تجلت آي عظمته في جبهته العالية ونظرته الرفيعة، وتبدت قوته الخارقة في صدره الواسع وساعديه المفتولين وأنفه الأشم، فأحاطت به مهابة من سن الأربعين، وهالة من مجد الفراعنة".
بهذه الجلسة الملكية تبدأ أحداث الرواية، ويتجلى في هذا المشهد أهتمام «نجيب محفوظ» بالصورة ودقة الوصف لكافة تفاصيلها بما في ذلك ملامح الأبطال، وهذا ما تجنبته النسخة الميسرة التي اختصرت وصف المشهد في جلسة ودودة بين الملك وابنائه والبعض من رجال الحكم؛ لكي تحافظ على أهم العوامل التي يقوم عليها أدب الطفل وهو الخيال فالمهم لدى الطفل الحدث أما تفاصيل الصورة يتركها لخياله.
ويتضح من المشهد السابق أيضا دقة اختيار الكاتب لمفردات اللغة التي تصل إلى حد الصعوبة أحيانا والتي لم تقتصر على هذا المشهد فقط بل شملت لغة الرواية كاملة، في الحقيقة هذه الصعوبة اللغوية تختلف مع اللغة التي كتب بها محفوظ باقي أعماله التي تميزت باللغة الصحيحة وسهولة المفردات، لكن الأمر في "عبث الأقدار" مختلف، فقد اختار الكاتب مفردات تليق بكتابة الحقبة التاريخ التي تتناولها الرواية، ومن هنا نرصد الاختلاف الثاني الذي استطاعت النسخة الميسرة تجاوزه، فقد استبدلت بعض الكلمات بمفردات أبسط يستطيع الطفل استيعابها دون مساعدة.
في البداية كان هدف الملك من الاجتماع بأبنائه وأهم رجال دولته جلسة سمر لا أكثر، وسرعان ما تحولت إلى مناقشة حادة حول شؤون الدولة ثم تطرق الحديث إلى جوهر مسألة الحكم؛ هل يستمد الحاكم شرعية بقائه من قوته أم من سلطته التي تمثل السلطة الإلهية على الشعب؟!
ثم ينتقل الكاتب من خلال سرد بالتناوب بين الأبطال يرصد كافة الآراء التي اختلفت حول التساؤلات السابقة، التي فتحت الباب للعديد من الإسقاطات الروائية، بالإضافة إلى التعرف على القضايا الضمنية التي أراد الكاتب مناقشتها. قد تبدو الأهداف السابقة أمر واضح للقارئ العادي أما بالنسبة للطفل فلابد أن تبعث على الملل، لهذا السبب انتقل السرد في النسخة الميسرة إلى الحدث الأساسي مباشرة، وهو نبوءة الساحر "ديدى" بأن حكم مصر سوف يؤول إلى "ددف رع" طفل لا ينتمي إلى الأسرة الحاكمة، فينطلق الحاكم وجنوده يبحثون عن الطفل عازمين على أمر واحد هو قتله.
تشاء الأقدار أن تكتب النجاة للطفل على يد "زايا" وصيفة من وصيفات الأم، وبمرور الأيام يصبح الطفل أحد أهم قادة الجيش المصري يقود حرب ضد غارات البدو، حرب تكشف الحقائق التي ظلت غائبة عن ددف رع وعن الملك خوفو، تنتهي بالطفل الذي كان بالأمس يهدد ملك أسرة خوفو وقد أصبح قائد يتسلم مقاليد حكم الدولة تنفيذا لوصية الملك!
هكذا اختصرت النسخة الميسرة الأحداث ولم تقف سوى على تفاصيل بسيطة حافظت على الخطوط العريضة للرواية الأصلية، بالإضافة إلى أهم الأحداث التي تقاطعت خلالها خطوط الحكايات التي تؤدي إلى نهاية واحدة للرواية في نسختيها على حد سواء.
أما عن النسخة الأصلية فقط سلكت الأحداث الطريق الأعمق الذي تميزت به أعمال نجيب محفوظ بشكل عام فيما بعد، فقد حرص الكاتب على أن يذكر كافة التفاصيل الخاصة بالحقبة الزمنية التي تدور خلالها الأحداث، وأن ينقل الصورة كاملة للمشهد الروائي بما في ذلك عادات وتقاليد هذا العصر؛ هذه الدقة في الوصف هي أحد أهم الأسباب التي جعلت من أدب محفوظ أرض خصبة للخيال السينمائي فتحولت العديد من أعماله الروائية إلى أفلام سينمائية شهيرة.
كما أهتم الكاتب بتسليط الضوء على الحوار الداخلي للشخصيات، الذي رصده الكاتب خلال قرار العزلة الإرادية للملك خوفو لمراجعة أخطائه عاقدا العزم على تأليف كتاب يضم بين خلاصة تجربته في الحكم. هذا الحوار الداخلي للشخصية الروائية أصبح من أهم سمات الأبطال في أعمال «نجيب محفوظ» الأدبية، استطاع من خلالها أن يلغي الصورة الميلودرامية السطحية للأبطال فلا يوجد إنسان سلبي بشكل مطلق أو إيجابي بصورة مطلقة، وبتطبيق هذه النقطة على شخصية الملك فكل من يقرأ نص الرواية بالكامل لن يستطيع أن يكره الملك بالرغم من أخطائه، الأمر الذي حرر أبطال نجيب محفوظ من قبضة الخيال، فهم شخصيات طبيعية نلتقيهم على أرض الواقع.
لم يقتصر الفرق بين الرواية في نسختيها على تبسيط الأحداث، فقد تطرق في بداية الأمر إلى تغيير العنوان بمفردات تناسب لغة القارئ المبتدأ، فجاءت النسخة الميسرة بعنوان "عجائب الأقدار"، جدير بالذكر أن عنوان الرواية في نسختها الأصلية قد تعرض ثلاث مرات للتغيير حين تمت ترجمة الرواية لثلاث لغات مختلفة، عرفت في اللغة الألمانية بعنوان "رواية خوفو"، في الإيطالية "لعنة خوفو"، وفي اللغة الإنجليزية "حكمة خوفو".



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك