- حكاية إنسانية تتداخل فيها الأسئلة الطبية والنفسية
أعاد إعلان الكاتب الكويتى طالب الرفاعى صدور الترجمة الفرنسية لروايته «حابى» تسليط الضوء على أحد أبرز أعماله الروائية، الذى يواصل رحلته إلى قراء جدد خارج العالم العربى. وفى هذه المناسبة، نقدم قراءة فى الرواية التى تستند إلى واقعة حقيقية، وتطرح عبر مسار بطلها أسئلة شائكة حول الهوية والجسد والاعتراف، فى نص يجمع بين الحس الإنسانى والطرح المعرفى، ويترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل أكثر من البحث عن إجابات جاهزة.
وتُعد رواية «حابى» واحدة من أكثر مؤلفات الكاتب الكويتى طالب الرفاعى جرأة، إذ تقتحم منطقة شائكة فى المجتمع العربى، هى قضية اضطراب الهوية الجنسية والتصحيح الجنسى الطبى، ليس من باب الإثارة، وإنما عبر حكاية إنسانية تتداخل فيها الأسئلة الطبية والنفسية والدينية والاجتماعية.
والرواية مستوحاة من قصة حقيقية كان الرفاعى شاهدًا عليها، حول شخصية «ريان» التى تتحول لاحقًا إلى «حابى»، فى رحلة طويلة للبحث عن الذات والاعتراف.
تفتتح الرواية بمشهد بالغ الدلالة؛ حيث ترقد البطلة فى مستشفى ببانكوك قبل إجراء عملية التصحيح الجنسى، بينما تطاردها أصوات الأسرة، خصوصًا صوت أختها نورة: «لا تصيرى ولدًا»، فى إشارة إلى أن الصراع الحقيقى لن يكون مع الجسد فحسب، بل مع المجتمع والأسرة أيضًا.
اختار طالب الرفاعى تقنية السرد بضمير المتكلم، فجاءت الرواية أقرب إلى الاعترافات أو اليوميات، وهى التقنية التى منحت القارئ فرصة العيش داخل وعى الشخصية، ومشاركة مخاوفها وتساؤلاتها، فمنذ الصفحات الأولى، تدرك الشخصية أنها مختلفة؛ تتأخر الدورة الشهرية، وتكره الملابس النسائية، وتنجذب إلى عالم الأولاد، لكنها لا تمتلك تفسيرًا لذلك.
غير أن الرواية لا تكتفى بطرح أزمة الهوية، بل تجعل الأسرة طرفًا رئيسيًا فى الصراع. وفى القلب من هذا الصراع، تأتى الأم، كونها الشخصية الأكثر تعقيدًا؛ فهى الأم المثقفة المحبة، التى تتألم من أجل ابنتها، لكنها تجد نفسها فى مواجهة حقيقة تفوق قدرتها على الاحتمال، ما يتجلى ذلك فى عبارتها المؤلمة: «حسبت حساب كل شىء إلا التحول»، وهى جملة تلخص مأساة أم ترى عالمها ينهار أمامها.
فى المقابل، تمثل الأخت نورة الصوت المحافظ المتشدد، الذى يحاول فرض رؤيته على الجميع، سواء فى قضية الحجاب أو فى قضية ريان نفسها، فيما يظل الأب بعيدًا عن تفاصيل الأسرة، وهو غياب يضاعف من عزلة البطل/البطلة، ويزيد العبء الواقع على الأم، وبذلك، تتحول الأسرة إلى نموذج مصغر للمجتمع، بكل تناقضاته وتياراته المختلفة.
ومن الشخصيات المركزية أيضًا «جوى»، صديقة الطفولة، التى تشكل ملاذًا نفسيًا للبطل؛ فهى أول من يتقبل تحوله، بل تمنحه اسمًا جديدًا: «حابى»، المستوحى من إله النيل المصرى القديم، الذى يجمع فى هيئته بين السمات الذكورية والأنثوية ـ وتقول له: «أنت حابى»، فى لحظة رمزية تؤكد أن الهوية الجديدة ليست مجرد تحول جسدى، بل ولادة جديدة لشخصية تبحث عن ذاتها.
وهكذا توظف الرواية الرموز بذكاء، فالاسم هنا ليس مجرد لقب، بل مفتاح لفهم العمل بأسره؛ فهو يرمز إلى حالة تجمع بين عنصرين متناقضين، وإلى إمكانية وجود هوية أكثر تعقيدًا من التصنيفات الجاهزة.
ويحسب للرواية اعتمادها على خلفية علمية واضحة، فالكاتب لا يترك الشخصية أسيرة الانطباعات، بل يدخلها إلى عيادات الأطباء والفحوصات والتحاليل، لتكشف نتائج هرمون التستوستيرون عن مستويات مرتفعة جدًا مقارنة بالمعدل الطبيعى للإناث، ما يلقى بأثره على تفاصيل رحلة التشخيص والعلاج.
أيضًا يشير النص إلى احتمالات وجود الاضطراب الوراثى، وعلاقته بزواج الأقارب، فى محاولة لتقديم تفسير طبى للحالة، بعيدًا عن الأحكام الأخلاقية أو الاجتماعية.
إحدى أهم القضايا التى تطرحها الرواية هى العلاقة بين الجسد والهوية، فحتى بعد العمليات الجراحية، لا يشعر البطل بأن رحلته اكتملت، إذ يظل معلقًا بين الماضى والحاضر، بين «ريان» و«حابى». فبعد العملية الأولى، ينظر إلى جسده فى المرآة ويتساءل: «فتاة بصدر ولد! ولد بجسد فتاة!»، وهو سؤال يعكس اغتراب البطلة، ويكشف أن الجراحة وحدها لا تستطيع إنهاء الأزمة النفسية والاجتماعية.
أيضًا تناقش الرواية فكرة الاعتراف القانونى والاجتماعى، فالتصحيح الطبى لا يعنى بالضرورة انتهاء المشكلة، لأن الوثائق الرسمية والمجتمع والأسرة لا يتغيرون بالسرعة نفسها، ولهذا تطرح الرواية سؤالًا جوهريًا: هل يكفى أن يقتنع الإنسان بنفسه، أم أنه يحتاج أيضًا إلى اعتراف الآخرين؟
على المستوى الفنى، تمتلك الرواية لغة سهلة وسلسة، مشبعة بالشاعرية، كما يحضر الأدب والثقافة بصورة لافتة؛ فالبطل قارئ نهم، يرافقه دوستويفسكى وشكسبير وجبران وغيرهم، ما يشى بأن القراءة بالنسبة إليه وسيلة لفهم الذات والعالم.
تكمن القوة الأساسية فى الرواية فى جمعها بين الصدق الفنى والصدق الإنسانى؛ فهى لا تقدم بطلاً خارقًا، وإنما إنسانًا مأزومًا، يسائل نفسه باستمرار: من أنا؟ ولماذا أنا؟ وهى أسئلة وجودية تتجاوز مسألة التصحيح الجنسى لتتقاطع مع أزمة الهوية الإنسانية بشكلٍ عام.
لقد نجح طالب الرفاعى فى تقديم عملٍ يتجاوز فكرة التحول الجنسى إلى معضلة الاغتراب الوجودى؛ إنها رواية عن الإنسان فى مواجهة جسده ومجتمعه وقدره، رواية تستعرض فكرتها عبر إثارة الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات، لكنها لا تخطئ هدفها فى التحفيز على التفكير فى معنى الهوية، وحدود الجسد، وثمن الاختلاف، والتأكيد على أن الاعتراف بالإنسان هو الخطوة الأولى لفهم معاناته.
وهى فى ذلك تستند إلى بناء متماسك، وشخصيات حية من لحمٍ ودمٍ، وخلفية معلوماتية محسوبة المقادير، لم تطغ على البناء الفنى أو تخدش صدقه.
فى «حابى» لا تنفصل أزمة البطل عن البيئة الاجتماعية التى تتمسرح خلالها الأحداث، إذ ينجح مؤلفها طالب الرفاعى فى تقديم صورة للمجتمع الكويتى عبر حشد تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الأسرية والمؤسسات الرسمية، دون أن يحول الرواية إلى بيان اجتماعى أو سياسى مباشر.
فالمجتمع يظهر بوصفه سلطة رقابية تحكمها اعتبارات «الستر» و«رهاب الفضيحة»، وهو ما يتجلى فى حديث زوج الأخت عن «عادات وتقاليد المجتمع الكويتى التى تحرص على الستر، وعلى مداراة البلوى والفضيحة»، واقتراحه اللجوء إلى أحد الشيوخ لعلاج ريان باعتبار حالته مسًا أو ابتلاءً.
الأمر نفسه بالنسبة للمؤسسات الطبية والقانونية، حيث تشير الرواية إلى تعقيدات إجراء عمليات تصحيح الجنس داخل الكويت، وإلى اضطرار البطل للسفر إلى الخارج. غير أن الرفاعى الذى طالما كانت الكويت مسرحًا لأعماله الأدبية القصصية والروائية، بل وحتى مشاريعه الثقافية المعنية بالكتابة والإبداع، لا يقدم فى روايته هذه المجتمع الكويتى فى صورة أحادية أو يدينه بالكامل؛ فإلى جانب الأصوات المحافظة، يمنح مساحة لشخصيات أكثر تفهمًا، مثل الأم والصديقة جوى وبعض الأطباء، ليبدو المجتمع ذاته ساحةً درامية يتصاعد فيها الصراع بين الموروث الاجتماعى والمعرفة العلمية والاحتياجات الإنسانية. ومن ثم، فإن «حابى» لا تكتفى بسرد رحلة فرد يبحث عن هويته، بل تطرح أيضًا تساؤلات حول قدرة المجتمع الكويتى المعاصر على استيعاب الاختلاف والتعامل معه بعيدًا عن الوصم والإقصاء.