أعادت مبادرة "تخضير القاهرة" التي دعا إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحديث عن أهمية الأشجار والمساحات الخضراء في المدن، وانعكس ذلك على تحركات ملحوظة من مسئولي الأحياء والأجهزة المحلية لزراعة الأشجار في الشوارع والميادين، مع تصاعد الاهتمام بقضايا البيئة والمناخ.
وفي هذا السياق، تبرز دراسة أكاديمية نشرتها دورية لتابعة لمركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بعنوان "المعالجة البصرية لقضايا التغيرات المناخية على مواقع التواصل الاجتماعي وسمات تفاعل المستخدمين معها"، للكتاب الصحفي والباحث سمير محمد محمود.
-ماهو هدف الدراسة ؟
سعت الدراسة إلى التعرف على طرق المعالجة البصرية لقضايا التغيرات المناخية على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال تحليل الصور والمواد البصرية المصاحبة للمحتوى المنشور، بما شمل الصور الثابتة والمتحركة، ومقاطع الفيديو، والخرائط الجغرافية والرسوم ثلاثية الأبعاد وغيرها من أشكال التعبير البصري. كما هدفت إلى رصد الآليات التي استخدمتها الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي في تقديم قضايا التغيرات المناخية بصريًا، ومستوى تفاعل الجمهور مع هذا المحتوى.
وحللت الدراسة سمات تعليقات المستخدمين على الحسابات الاجتماعية التي تناولت قضايا التغيرات المناخية، بهدف التعرف على طبيعة النقاشات التي أثارها المحتوى البصري والقضايا التي حظيت باهتمام الجمهور.
كما كشفت عن أكثر طرق المعالجة البصرية استخدامًا، وركزت على الصور الواقعية والميدانية، ومقاطع الفيديو، والبث الحي، والرسوم التوضيحية. وسعت الدراسة في النهاية إلى فهم دور المحتوى البصري في زيادة التفاعل والوعي بالقضايا المناخية والبيئية، وفتح المجال أمام النقاش وطرح الآراء والمقترحات والحلول.
وأكدت الدراسة أن قضية المناخ أصبحت من القضايا الحيوية التي حظيت باهتمام متزايد، نظرًا لتأثير التغيرات المناخية في مختلف المجتمعات، وما تسببه من ظواهر جوية حادة وكوارث محتملة. وأوضحت أن هذا الاهتمام لم يقتصر على المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام، بل امتد إلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي وفرت مجالًا للتفاعل والنقاش وتبادل الآراء حول قضايا المناخ وطرح المقترحات والحلول.
- الصور الواقعية تجذب الجمهور لقضايا المناخ
أظهرت الدراسة أن الصور أدت دورًا مهمًا في معالجة قضايا التغيرات المناخية على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في جذب انتباه المستخدمين والتفاعل مع المحتوى. وتبين أن الصور الواقعية والميدانية كانت أكثر جذبًا للانتباه من الرسوم التعبيرية، كما حظيت الصور الجديدة والمتحركة باهتمام أكبر من الصور الأرشيفية الثابتة. وارتبطت طبيعة الصورة بدرجة استجابة الجمهور، إذ أشارت الدراسة إلى أن الصور الإيجابية التي تناولت حلولًا لمشكلات المناخ جذبت الانتباه بشكل أكبر، بينما أدت الصور السلبية، مثل صور التلوث الصناعي والكوارث الطبيعية، إلى إبطاء زمن تفاعل المستخدمين وتجاوبهم، وصولًا إلى تجميد الاستجابة تمامًا.
كما تناولت الدراسة أهمية الصور القريبة من الواقع والمجتمعات المتأثرة بالتغيرات المناخية، ودورها في نقل المعلومات وإدراك الواقع وبناء الخيال لدى الجمهور.
امتدت العينة الزمنية للدراسة من بداية أكتوبر 2021 حتى نهاية يونيو 2022، والتي شهدت اهتمامًا ملحوظًا بقضايا التغيرات المناخية، خاصة مع انعقاد قمة الأطراف المتحدة للمناخ COP26 في جلاسكو، وإعلان استضافة مصر لقمة COP27 بشرم الشيخ، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية المصرية للتغيرات المناخية 2050، لذا يؤكد الباحث أن هذه الأحداث أضفت زخمًا موضوعيًا بشأن قضايا المناخ، ما يجعل الفترة الزمنية أكثر ملاءمة لهذه الدراسة التي نشرت قبل أشهر من انعقاد قمة شرم الشيخ.
-كيف اختلف محتوى وزارة البيئة عن الأمم المتحدة على منصات التواصل الاجتماعي؟
وكشفت الدراسة أن غالبية الصور التي استخدمها حساب وزارة البيئة المصرية، تميل للطابع الرسمي، برصد جولات وتحركات وزيرة البيئة المصرية، والاتفاقيات الموقعة بين الوزارة وجهات أخرى، مع قلة من الصور تمس قضايا المناخ، وعدم توظيف البث الحي، والبودكاست، وندرة استخدام الفيديو بجميع أنواعه، مقارنة بالحسابات الأخرى، في وقت كشف التحليل الثراء والتنوع في المحتوى البصري لدى الحساب الرسمي للرئاسة البريطانية لمؤتمر الأطراف المتعددة للمناخ COP26 قمة جلاسجو على تويتر، وحساب أمانة الأمم المتحدة لتغير المناخ على إنستجرام خلال فترة الدراسة، حيث وظف الحسابان الصور والإنفوجرافيك بأشكاله المختلفة، ومقاطع الفيديو والفيديوجرافيك وكذلك البث الحي.
ويُرجع الباحث فقر الصور والمواد المصورة في حساب وزارة البيئة المصرية على موقع إكس، إلى فقر مصادر الصور التي تنحصر غالبًا في المصور الحكومي بالوزارة، في الوقت الذي استعان فيه حساب COP26 على إكس، والحساب الرسمي لأمانة الأمم المتحدة لتغير المناخ على إنستجرام، بوكالات ومواقع محترفة للتصوير ومصورين متخصصين في القضايا المناخية، ووظف الحسابان تقنيات وبرمجيات متقدمة في إنتاج المحتوى البصري العابر للوسائط Cross Media Production اعتمادًا على موقع عالمي متخصص في تصوير قضايا تغير المناخ هو Climate Visuals, A Project of Climate Outreach، والربط مع موقع فليكر للصور، وكذلك اليوتيوب والسناب شات والإنستجرام معًا، وتوسع موقع قمة المناخ COP26 بإكس في إعادة التغريد لمواد مصورة مستمدة من الحكومة البريطانية، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والمواقع الرسمية لمنظمات الأمم المتحدة المعنية بالمناخ بإكس، وهو ما أثرى المحتوى البصري بدرجة ملحوظة.
وكشفت نتائج التحليل أن حساب وزارة البيئة المصرية على إكس جاء معنيًا بقضايا التوعية البيئية، وخفض التلوث، والاهتمام بالغطاء النباتي الأخضر، وذلك ضمن الترويج لمبادرة "اتحضر للأخضر" والترويج للاستراتيجية الوطنية المصرية لتغير المناخ 2050 التي جرى إطلاقها في 19 مايو 2022، ولم يتطرق الحساب إلى صور تعكس التحديات والمخاطر التي تهدد مصر وسواحلها جراء التغيرات المناخية.
-الجمهور متشكك في الجهات الرسمية بشأن قضايا المناخ: القمم والمؤتمرات مجرد كلام
ورغم الانتقاد الدراسة الاستراتيجية التي تتبعها وزارة البيئة المصرية في تناول قضايا المناخ على منصات التواصل الاجتماعي إلا أن النتائج أثبتت أن الجهات التي تتبع أسلوبا أكثر احترافية لم تتغير كثيرا، حيث لا يزال الجمهور في مختلف الثقافات بحاجة إلى تعزيز ثقته في تلك القضايا وتعاطي الجهات والهيئات الرسمية معها.
وتقول الدراسة إن مستخدمي حسابات التواصل الاجتماعي اتفقوا في الغالب على موقف معارض للقضايا المناخية وما تثيره من مخاطر وتهديدات وتحديات، وهو اتجاه ظهر لدى الجمهور المصري والبريطاني والعالمي، رغم اختلاف خلفياتهم الثقافية والاجتماعية وسياقاتهم اللغوية. وبلغت نسبة التعليقات المعارضة 41.1% على حساب وزارة البيئة المصرية على تويتر، و42.3% على حساب قمة المناخ COP26 على تويتر، و41.5% على حساب أمانة الأمم المتحدة لتغير المناخ على إنستجرام. وفي المقابل، بلغت نسبة التعليقات المؤيدة 38.3% على حساب وزارة البيئة المصرية، و21.5% على حساب COP26، و26.5% على حساب أمانة الأمم المتحدة. كما بلغت نسبة التعليقات المحايدة 15.6% و36% و20.4% على التوالي. وفسرت الدراسة التعليقات المعارضة بأنها شككت في جدية مواجهة التغيرات المناخية، واعتبرت أن المؤتمرات والقمم والوعود السابقة لم تتحول بالقدر الكافي إلى أفعال على أرض الواقع.