الدكتور أحمد جمال الدين موسى يكتب «مشربية توماس» - بوابة الشروق
الإثنين 16 فبراير 2026 1:58 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

الدكتور أحمد جمال الدين موسى يكتب «مشربية توماس»


نشر في: الأحد 15 فبراير 2026 - 12:31 م | آخر تحديث: الأحد 15 فبراير 2026 - 12:31 م

كتب الدكتور أحمد جمال الدين موسى في مقال له على صفحات المصري اليوم، قراءة متأنية في كتاب «إنها مشربية حياتي: وأنا العاشق والمعشوق» للمفكر والمؤرخ توماس جورجيسيان، متوقفًا عند ما تحمله السيرة من صدق إنساني وثراء ثقافي وذاكرة شخصية ممتدة عبر الأمكنة والتجارب. ويأتي المقال بوصفه شهادة قارئ عاشق للسير الذاتية الصادقة، ومتابع قديم لتجربة جورجيسيان، يلتقط خيوطها منذ الثمانينيات حتى لحظة اللقاء الإنساني في معرض القاهرة الكتاب.

وإلى نص المقال:

تابعته قارئًا منذ ثمانينات القرن الماضى والتقيت به مصادفة فى معرض الكتاب الأخير، فأهدانى أحدث مؤلفاته «إنها مشربية حياتى وأنا العاشق والمعشوق» (دار الشروق ٢٠٢٥). سيرة ذاتية غنية وجذابة، فلم أقو على مفارقتها حتى أتممت قراءتها فى أيام معدودة.

دائمًا تشدنى قراءة كتب السيرة الذاتية متى تميزت بالصدق والحميمية والمباشرة. وهذا ما وجدته عند الكاتب والمفكر المصرى الأرمنى توماس جورجيسيان الذى يحكى بصدق عن الأشخاص الذين عرفهم، والأمكنة التى تنقل بينها فى مصر وأرمينيا وأمريكا وبلاد أخرى، والمشاعر التى عايشها فى مراحل حياته المختلفة، وذلك على مدار ١٨٦ صفحة ممتعة.

فى البداية شدنى الإهداء ببساطته ودفئه: «إلى أمى.. التى علمتنى كيف أعرف قيمة ومعنى كل ما عندى، وألا يشغلنى كثيرًا ما ليس عندى.. وأن أعرف كيف أحكى عن كل ما عندى بكل فخر واعتزاز.. وأحكى بأكثر من طريقة أو أكثر من أسلوب.. لأنها حكاياتى ولأنها حياتى! وإلى أبى.. الذى تعلمت منه أن الصمت لا يعنى أبدًا أن صاحبه ليس لديه ما يقوله.. بل إنه أحيانًا لا يعرف كيف يقوله، أو غالبًا لا يريد أن يقول ما يريد أن يقوله حتى لا تضيع كلمته وسط الصخب السائد!».

وعن القاهرة يكتب توماس معبرًا بصدق عن مشاعر الكثيرين منا: «ذاكرة القاهرة وحكاويها بالنسبة إليَّ هى قاهرتى التى عرفتها وعشقتها بكل تفاصيل حياتى – طفلًا وصبيًا وشابًا. عشت وعشقت ناسها وشوارعها ومواصلاتها ودكاكينها وأصوات أذانها وأجراس كنائسها، وأيضًا نداءات الباعة الجائلين وبياعى الروبابيكيا. وألعاب الحاوى وحواديت صندوق الدنيا ومزيكا البيانولا. كل ما أريد أن أتذكره وأذكره عن قاهرتى عشته وذقت طعمه.. وكان لذة! بالتأكيد تغيرت القاهرة التى عشتها وعشقتها. تغيرت وتبدلت، ويمكن القول إنها تبهدلت أيضًا ولم تعد كما كانت. وبالطبع لم أعد أنا أيضًا كما كنت. تغيرتُ أنا بالتأكيد وتغيرت نظرتى إلى الأشياء والأماكن والأفراد أو فلنقل تبدلت زوايا رؤيتى لها ومعايير تذوقى أو افتتانى بها».

أثناء دراستى فى جامعة القاهرة وإقامتى فى مدينتها الجامعية نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن العشرين، كان وسط القاهرة يجذبنى لاسيما فى عطلة نهاية الأسبوع، فأرتاد سينما مترو وراديو وريفولى، وأجلس على مقاهى وكافتيريات زينة والإكسلسيور وجروبى والأمريكين، وأتسكع طويلا بين مكتبات سور الأزبكية، لأنتقى كتبًا وروايات ومسرحيات تفوق قدرتى على القراءة، وأقضى بعض الأمسيات فى مسارح الجيب والجمهورية والقومى وفى قاعة الاستماع للموسيقى الكلاسيكية فى شارع قصر النيل، ولا تفوتنى فى مرات عديدة جلسة نجيب محفوظ فى مقهى ريش.

مر توماس بخبرة مشابهة، فيكتب: «تشكلت علاقتى الخاصة مع وسط البلد مكانًا وأجواءً ومشهدًا وعبقًا فى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى – وأنا من أبناء شبرا – لذلك فى الثمانينيات ترسخت لدى الرغبة والاستعداد لتلبية نداء ونداهة وسط البلد.. نعم أعمل فى أجزخانة فى عماد الدين وفى وسط البلد.
نعم كنت أعشق التسكع فى الشوارع والفرجة على الفتارين وعلى من يتفرجون على الفتارين، والمرور على فرشات بياعين الجرائد وفرشة مكتبة مدبولى، وشرب الشاى أو القهوة وأكل الجاتوه – غالبًا إكلير أو ميلفوى فى جروبى أو الأمريكان. هذا بالطبع مع التردد إلى مكتبة دار المعارف والمركز القومى للسينما، وقد لا يصدقنى البعض إن قلت لكم إن رائحة طبيخ البيوت التى كنت أشمها وأنا أمر أمام مدخل العمارات فى وسط البلد ساهمت فى إثراء ذاكرتى الشمية عمومًا».
الصيدلة هى تخصص توماس الأصلى، إلا أنه عشق الكتابة باللغتين العربية والأرمنية، ثم باللغة الإنجليزية، فيكتب عن ذلك العشق: «الكتابة منذ البداية كانت عملية باهرة بالنسبة إلىَّ. الكتابة فى حد ذاتها، حتى لو كانت مجرد خربشة بالقلم على الورقة.

ثم إنك عندما تكتب حروفًا، فكلمات وجملًا تشعر بعدها أنك تحقق إنجازًا كبيرًا يجب أن يحتفى بك من حولك، خاصة إذا جاءت هذه الكلمات المكتوبة لتعكس وتجسد ما تشعر به أو ما تفكر فيه. ثم يجتاحك شعور يلعب بخيالك بأنك ما دمت كتبت كلمات، فسوف يقرؤها الآخر، فيصل إليه ما كنت تود أن تنقله إليه من مشاعر وأحاسيس وأفكار ومواقف». والكتابة مرتبطة دائمًا بالقراءة، لذا يقول توماس: «منذ صغرى كنت قارئًا نهمًا، أقرأ السطور وألتهمها بعينى مرة وأكثر من مرة، وأعيد ترتيب سطور المكتوب وكلماته.. لا أكتفى بقراءة وفهم ما هو مكتوب، بل أقف طويلًا أمام ما أقرؤه وما صيغ وحُكى، ثم أفككه للإمساك بتفاصيل الصياغة والحكاية.. مثلما فعلت مع بعض لعبى عندما فككت أجزاء اللعبة التى تحيرنى بحركتها أو صوتها لمعرفة كيف تعمل!».

فى المشربية يحكى توماس عن علاقاته بقادة الفكر والصحافة، ومن أبرزهم توفيق الحكيم ويحيى حقى ونجيب محفوظ وحسين فوزى وإحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين ويوسف إدريس ولويس جريس وصلاح جاهين وبيكار وصاروخان.

كذلك يحكى عن جذوره الأرمنية، وعلاقته بواشنطن العاصمة التى يعيش حاليًا بجوارها. ويختم سيرته بالاعتراف: «عبر سنوات حياتى العديدة ومشاوير عمرى المختلفة، وأينما كنت، ظل همى الأكبر أن أبحث وأسأل عن الحكمة أو النصيحة أو خلاصة التجربة أو الوصفة عند الآخرين... الطريق كان دائمًا متعتى وبهجتى، حتى قبل أن أتعرف على الصوفية ونهجها وطرقها... لم أندم على أى لحظة من حياتى التى عشتها بالطول والعرض والعمق أيضًا. وربما عانيت بسببها أحيانًا...».



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك