يرفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التدخل في الحرب الراهنة مع إيران، خشية أن يؤثر هذا بشكل سلبي على فرص حزبه في الانتخابات المقبلة، وذلك حسبما يرى المحلل السياسي سنان جيدي الباحث البارز في الشؤون التركية بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن.
وقال جيدي في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية إنه بعد مرور ثلاثة أسابيع على بدء الحرب مع إيران، رصد القادة الأتراك صاروخين إيرانيين دخلا مجالهم الجوي قبل أن تعترضهما الدفاعات الجوية لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وبينما يبدو أن النظام الإيراني عازم على مواصلة استهداف مواقع الناتو الرئيسية في تركيا، فإن الوضع يمثل معضلة خطيرة قد تؤثر على مستقبل تركيا السياسي داخليا ومصداقيتها في الخارج.
وقد أسقطت قوات الناتو صاروخا باليستيا إيرانيا دخل المجال الجوي التركي فوق مدينة غازي عنتاب، جنوب شرق البلاد، في 9 مارس. وكان الحرس الثوري الإيراني قد أطلق في وقت سابق صاروخا باليستيا باتجاه جنوب تركيا يوم 4 مارس، الأمر الذي أثار غضب الناتو.
واعتبر جيدي أن الردود التركية الرسمية على محاولات إيران شن ضربات تشير إلى أنه رغم أن أنقرة لا ترغب في التورط في الحرب، فإن صبرها تجاه إيران بدأ ينفد. وأعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مؤتمر صحفي عن عزم تركيا البقاء خارج الصراع، محذرا إيران في الوقت نفسه من "الإصرار والعناد في الخطأ". كما حث وزير الخارجية هاكان فيدان، الذي قاد الجهود التركية لتأمين طاولة مفاوضات لطهران، الجمهورية الإسلامية في الـ7 من مارس على "توخي الحذر" وتجنب شن المزيد من الهجمات على تركيا.
ويمتلك الجيش التركي قدرات واسعة للرد على الهجمات الإيرانية، لكن خياراته تعتمد على مدى تقبل جمهور الناخبين الأتراك للتدخل. ومع اقتراب موعد أول انتخابات رئاسية في البلاد خلال عامين أو أقل، فإن مصدر القلق الرئيسي لدى الرئيس هو ضمان استمرار حركته السياسية. وإذا ما صعدت طهران الضغط على أنقرة، سيواجه أردوغان تحدي إعادة بناء الردع ضد إيران مع تجنب التصعيد السياسي الخطير.
لماذا تستهدف إيران تركيا؟
من المرجح أن يكون هدف الهجومين الإيرانيين الفاشلين هو قاعدة إنجرليك الجوية، وهي منشأة عسكرية رئيسية في جنوب تركيا، خارج مدينة أضنة مباشرة. ونتيجة لذلك، أمرت وزارة الخارجية الأمريكية جميع الموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم بإخلاء القنصلية في أضنة. وعلى المستوى الظاهري، تعد إنجرليك هدفا عسكريا مهما، وإذا نجح هجوم إيراني في استهداف القاعدة فسيحدث صدمة في صفوف القوات الأمريكية وقوات حلف الناتو.
وتعتبر إنجرليك قاعدة استراتيجية حيوية لتركيا وحلف الناتو ككل لعدة أسباب. إنها أهم قاعدة عسكرية تركية، وتعد مركزا لوجستيا لقوات الناتو في الشرق الأوسط، وتستضيف نحو 1800 جندي ومدني أمريكي إلى جانب جنود أتراك وجنود آخرين من حلف الناتو. وبفضل موقعها الجغرافي، تعد إنجرليك قاعدة حيوية للاستطلاع والعمليات الجوية ضد التهديدات في العراق وسوريا، وخاصة من تنظيم "داعش". كما أن إنجرليك تعد موقعا لتخزين الأسلحة النووية الأمريكية، حيث تضم ما بين 20 و50 قنبلة ذرية من طراز "بي-61". كل هذه العوامل تجعل قاعدة إنجرليك تبدو هدفا جذابا، قد تضربه إيران لتوجيه ضربة قوية لمعنويات الولايات المتحدة وحلف الناتو.
ويرى جيدي أنه من غير الحكمة أن يصر النظام الإيراني على محاولة ضرب إنجرليك أو غيرها من الأصول العسكرية على الأراضي التركية، حتى لو كان هدفه إضعاف عزيمة الولايات المتحدة من خلال توسيع نطاق الحرب وزيادة التكاليف على الدول الأخرى. وعلى عكس دول الخليج التي تتعرض لقصف إيراني مكثف بالطائرات المسيرة والصواريخ، تمتلك تركيا جيشا تقليديا كبيرا وفعالا، إلى جانب صناعة دفاعية محلية قوية.
نقاط اشتعال محتملة لعمل عسكري تركي
وقال جيدي إن هناك عدة سيناريوهات قد تشعل ردا عسكريا تركيا وتدخلا إلى حد ما في الحرب مع إيران.
أولا: وقوع هجوم صاروخي ناجح للحرس الثوري الإيراني على الأراضي التركية. سواء أصاب الصاروخ هدفه المحدد- ربما إحدى القواعد الجوية أو محطات الرادار الرئيسية في تركيا - أو أخطأ الهدف وأصاب منطقة مأهولة بالسكان المدنيين، فقد تضطر حكومة أردوغان إلى تحديد وضرب الوحدات أو المواقع المسؤولة عن الهجوم.
ثانيا: تزايد الضغوط من حلفاء تركيا وشركائها للانضمام إلى الحرب، في ظل الهجمات المتكررة من طهران ووكلائها. وحتى بعيدا عن مخاوف الناتو، هاجمت إيران ووكيلها، حزب الله اللبناني، أصدقاء أنقرة ومصالحها الاستراتيجية: أذربيجان وقبرص. وبادعاءات حماية المنطقة ذات الأغلبية التركية في شمال قبرص، أرسلت تركيا بالفعل ست طائرات مقاتلة من طراز "إف-16" إلى الجزيرة، رغم أن الحكومة القبرصية لا ترغب في أي حشد عسكري تركي. إن دوي صفارات الإنذار فوق الشركاء الرئيسيين، والطلبات المحتملة من حلف الناتو للمساعدة اللوجستية، يمكن أن يؤدي إلى تدخل تركي.
ثالثا: وبشكل منفصل إلى حد ما، القضية الكردية. فقد أفادت وسائل إعلام عالمية بوجود شائعات عن عمليات استخباراتية أمريكية إسرائيلية لتسليح وتجهيز المتمردين الأكراد الإيرانيين لشن تمرد ضد النظام في 3 مارس. هؤلاء المتمردون، ومن بينهم حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) – وهو جناح إيراني لحزب العمال الكردستاني- الذي تكرهه أنقرة - يخوضون معركة طويلة من أجل الحكم الذاتي الكردي على طول الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا. ونظرا لسجل أنقرة في التعامل مع القوات الكردية في سوريا، فإن تمرد حزب الحياة الحرة الكردستاني من المرجح أن يتسبب في قيام تركيا بشن هجمات جوية أو برية أو كليهما عبر الحدود.
لماذا يتبع أردوغان سياسة التحوط؟
تراقب تركيا الحرب في إيران بقلق بالغ، ولكن ليس بالضرورة للأسباب التي يفترضها الكثيرون في واشنطن. إن الرئيس رجب طيب أردوغان يدعو علنا إلى ضبط النفس ويحذر من أن الصراع قد يجتاح المنطقة بأسرها. لكن وراء هذا الخطاب تكمن استراتيجية محسوبة.
ويقول جيدي إنه بالنسبة لأردوغان، كان بقاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية يخدم غرضا جيوسياسيا. فشبكة الجماعات الوكيلة الإيرانية، من حزب الله إلى حماس، تبقي الضغط على إسرائيل وتفتت ميزان القوى الإقليمية. هذا التفتت يوفر لتركيا مساحة استراتيجية لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط والقوقاز وأفريقيا. لكن خطر تحول تركيا إلى ساحة حرب غير مقصودة يقوض وضعها كوسيط ويحد من مناورات أنقرة طويلة الأمد.
ويرى جيدي أن هذه هي المعضلة التي تواجه أنقرة، حيث تريد تركيا إضعاف إيران، لكن ليس استبدالها بحكومة ديمقراطية موالية للغرب يمكن أن تصبح منافسا إقليميا قويا وحليفا لإسرائيل. إن نظاما إيرانيا متداعيا، لا يزال قادرا على ممارسة ضغوط بالوكالة على إسرائيل، يسهم في الحد من الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية، وهو ما يعتبره أردوغان ضروريا لطموحات تركيا. من وجهة نظر أنقرة، تبدو النتيجة المثالية لهذه الحرب متناقضة، وهي أن تصبح إيران ضعيفة وأن تظل إسرائيل تحت الضغط في حين تصبح تركيا في وضع يسمح لها بالظهور كقوة مركزية في المنطقة.
وبغض النظر عن الارتباط المزدوج الاستراتيجي، من المرجح أن يؤدي الشعور الداخلي المناهض للحرب إلى الحد من نطاق الخيارات العسكرية التي قد ينظر فيها أردوغان، بدلا من تغيير الخطوط الحمراء لتركيا أو رفع مستوى تسامح أنقرة مع التهديدات الإيرانية. على مدى العقد الماضي، أظهر الرئيس التركي استعداده لإصدار أوامر بعمليات عسكرية داخل تركيا وخارجها، من العراق وسوريا إلى ليبيا والصومال.
وإذا تجاوزت إيران خطا أحمر بإطلاق صواريخ على قاعدة عسكرية تركية أو منطقة مأهولة بالسكان المدنيين، فقد يؤيد العديد من الأتراك ردا محدودا. ومع ذلك، بدأ حزب الشعب الجمهوري المعارض بالفعل في حشد الناخبين ضد أردوغان وسياسته تجاه إيران، زاعما أنه منفتح للغاية على العمل العسكري.
ويعد رضا الشعب أمرا مهما للغاية لأن أردوغان يستعد لإكمال ولايته الرئاسية، بما يمهد الطريق أمام انتخابات هي الأكثر أهمية في البلاد منذ أكثر من عقدين. ومنذ الانتخابات التركية الأخيرة عام 2023، تراجعت شعبية حكومة أردوغان بسبب تآكل الديمقراطية، وخاصة بسبب اعتقال مرشح حزب الشعب الجمهوري للرئاسة، أكرم إمام أوغلو، في مارس 2025 .
واختتم جيدي تحليله بالقول إن هذا، بالإضافة إلى خطة أردوغان الواضحة لدعم نجله بلال كزعيم جديد لحزب العدالة والتنمية ومرشحٍ رئاسي، قد تسبب في نفور الكثير من الأتراك خارج نطاق الناخبين الأكثر ولاء للرئيس. وإذا رأى أردوغان أن الرد العسكري على الضربات الإيرانية أو المتمردين الأكراد ضروري، فسوف يواجه ضغوطا شديدة لتحديد هدف واضح ووضع حدود وإعداد مخرج من هذه الخطوة.