كشفت دراسة تحليلية أجريت مؤخرا أن الصراع بين الانسان وأشكال الحياة البرية بالمناطق الريفية في زيمبابوي قد تصاعد في الآونة الأخيرة لدرجة أنه أصبح يشكل أزمة تتعلق بالسلامة العامة للبشر، وليس مجرد أحد تحديات البيئة. فخلال الفترة ما بين عامي 2016 و2022، لقي 322 شخصا حتفهم خلال مواجهات بين أشخاص وحيوانات برية، وارتفعت حصيلة الوفيات جراء هذه الهجمات من 17 إلى 67 حالة وفاة سنوياً، بزيادة 4 أمثال خلال 7 سنوات فحسب. وتركزت تلك الهجمات في المجتمعات السكانية التي تقطن بالقرب من المحميات الطبيعية والمسطحات المائية، حيث يتنافس الانسان والحيوان على المساحة المكانية وفرص البقاء.
ويقول الباحث بلسينج كيفو المتخصص في مجال حماية البيئة والحفاظ على الأنواع الحية بجامعة كاليفورنيا سانتا كروز الأمريكية، إن هذه الدراسة تثبت أن التداخل بين الانشطة البشرية وحركة الأنواع الحية يزيد احتمالات حدوث مثل هذه المواجهات الدموية، فقد كانت الدراسات السابقة عن الصراع بين الإنسان والحيوانات البرية في جنوب القارة الأفريقية تتركز في الماضي على الخسائر الاقتصادية التي تنجم عن اتلاف المحاصيل أو التهام رؤوس الماشية أو تدمير البنية التحتية، وكانت الهجمات المميتة التي تستهدف البشر تعتبر حوادث نادرة أو عرضية. ولكن الدراسة الأخيرة أحدثت تغييراً في النظرة لهذه المشكلة، باعتبار أن سقوط البشر قتلى في مثل هذه الهجمات لم يعد حوادث منفصلة، بل أصبح نمطا متزايدا وقابل للقياس لدرجة تتطلب اهتماما عاجلاً من الجهات المختصة.
وفي إطار الدراسة التي نشرها الموقع الإلكتروني The Conversation المتخصص في الأبحاث العلمية، قام الباحثون بتحليل سجلات الهجمات التي استهدفت البشر لدى إدارات المتنزهات الطبيعية وسلطات إدارة الحياة البرية، وتركز السؤال حول عدد البشر الذي لقوا حتفهم خلال هذه الهجمات وأماكن وقوعها وأسبابها والأنواع البرية المسئولة عن هذه الحوادث.
وتبين من الدراسة أن الهجمات تركزت، من الناحية الجغرافية، في المناطق الشمالية والغربية من زيمبابوي، وكانت المفاجأة أن أكثر من 80% من حوادث القتل المسجلة ناجمة عن هجمات الأفيال والتماسيح، وليس الأسود مثلا كما قد يعتقد الكثيرون. فالتماسيح كانت هي الجناة في أكثر من نصف حوادث القتل، وأن معظم هذه الحوادث وقعت أثناء أنشطة لا يمكن تلافيها مثل الصيد أو الاستحمام أو غسل الثياب في الأنهار والبحيرات، واتضح أيضا أن هذه المواجهات حدثت بشكل مفاجئ وكان من شبه المستحيل توقعها لاسيما في الأماكن التي يقل فيها مستوى الرؤية أو تتراجع فرص الوصول إلى مصادر المياه بشكل آمن.
وكشفت الاحصاءات أن الأفيال كانت مسئولة عن نحو ثلث حوادث القتل، وأن غالبية هذه الحوادث كانت تقع في مواسم جني المحاصيل عندما يطارد المزارعون تلك الحيوانات بعيدا عن حقولهم ومزارعهم، وكذلك أثناء سير البشر في طريقهم إلى مدارسهم أو أماكن العمل. وكانت معظم تلك المواجهات تحدث ليلاً عندما يعم الظلام أو في ساعات النهار الأولى عندما تضعف الرؤية. وتبين أن الأسود والضباع وأفراس النهر وحيوانات الجاموس البري مسؤولة عن 17% فقط من الهجمات التي أفضت إلى الموت خلال فترة الدراسة.
ويقول الباحث كيفو، إن تزايد وتيرة هجمات الحيوانات البرية يبدو أنه ناجم عن عدة عوامل متداخلة، فزيمبابوي تضم ثاني أكبر عدد من الأفيال في أفريقيا بعد بوتسوانا، حيث يعيش بها أكثر من 80 ألف فيل. وفي سنوات الجفاف، تقطع الأفيال مسافات طويلة بحثا عن الماء والمرعى، مما يزيد فرص وصولها إلى المجتمعات السكانية. ونظرا لتضاءل مساحات المواطن الطبيعية للحيوان، مع الزيادة السكانية وتوسع أماكن معيشة الانسان وتقاطعها مع الممرات البرية، وكذلك في ظل التغير المناخي لاسيما موجات الجفاف، يتزايد التنافس بين الانسان والحيوان على الماء والمساحة. ويضيف الباحث أن استعراض مواقع هذه الحوادث من الناحية الجغرافية يكشف عن نمط واضح، فمعظم الحوادث وقعت في مناطق كاريبا وبينجا وهوانجي، وكلها تقع قرب الحدود الشمالية والغربية في زيمبابوي ويقطنها نحو 343 ألف شخص، وتتميز هذه المناطق بمسطحات مائية ضخمة تسكنها أعداد كبيرة من التماسيح، كما أنها تقع بالقرب من محميات تعيش فيها أعداد ضخمة من الأفيال. ويعتمد البشر في هذه المناطق على أنشطة الزراعة وصيد الاسماك واستغلال الموارد الطبيعية.
وأثبتت تجارب سابقة في دول أفريقية أخرى أن الحلول المستهدفة التي تستند إلى انخراط المجتمعات السكنية وتقليل المخاطر هي الوسيلة الرئيسية للحد من مثل هذه الصراعات، ففي شمال كينيا، يعتمد السكان على أنظمة الإنذار المبكر التي تحذر أهالي القرى من اقتراب الأفيال، فضلا عن بناء الأسوار والحواجز المصنوعة من نباتات الفلفل الحار لحماية المحاصيل دون الإضرار بأشكال الحياة البرية. وفي منطقة مورشيسون فولز في أوغندا، أظهرت الدراسات أن السكان قاموا بإعادة توطين التماسيح في مناطق أخرى كوسيلة لتقليل هذه الحوادث، وفي دولة جنوب السودان، أقامت بعض المجتمعات السكانية مزارع للتماسيح بغرض الحد من خطر مواجهة هذه الزواحف المميتة. وتعتبر الحياة البرية في زيمبابوي مصدر فخر وطني وحجر زاوية لنشاط السياحة في البلاد، ولكن جهود حماية الأشكال الحية لا يمكن أن تكلل بالنجاح إذا كان البشر الذين يعيشون بالقرب من الحيوانات البرية لا يشعرون بالحماية أو الاهتمام الواجب بهم، حيث إن بناء مستقبل يتعايش فيه البشر والحيوان يتوقف على الاعتراف بأن سلامة الانسان هي جزء لا ينفصل عن سلام النظام البيئي الذي يعيش فيه.