-لا شرق أوسط جديد دون حل عادل للقضية الفلسطينية
-ندعو إلى شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي يشمل اسرائيل ويجب أن يكون لنا دور في صياغة مستقبل المنطقة بالاستناد إلى رصيد مصر التاريخي في القوة الناعم
-تحالف بين مصر والسعودية ضروري لبناء توزان إقليمي
قال عمرو موسى، وزير الخارجية والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، إن المنطقة تتعرض حاليا لعملية تغيير كبيرة، موضحا أن ما حدث مع إيران يؤكد أن مسار هذه التغييرات كان مرسوما على نحو مختلف عما انتهت إليه الأمور حتى الآن، مشيرا إلى أن هذه العملية لم تنته بعد، وإنما ما زالت تتكشف عبر محطات تتوال.
كما أكد أن النقاش الدائر في الصحافة العالمية والمتخصصة، وبين خبراء القانون الدولي والدبلوماسية، يتركز بدرجة كبيرة حول سؤال من كسب ومن خسر في تلك المواجهات، لكنه يرى أن هذه ليست القضية الأهم التي ينبغي التوقف عندها.
يأتي ذلك خلال الحلقة النقاشية التي نظمتها الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، مساء السبت، تحت عنوان "قراءة في الأوضاع الراهنة للمنطقة والتحديات المستقبلية"، بحضور الدكتور سعيد عبد الخالق، القائم بأعمال رئيس الجمعية، والدكتور رابح رتيب بسطا، نائب رئيس الجمعية، والدكتور فرج الخلفاوي، عضو مجلس الإدارة ورئيس لجنة المؤتمرات، والدكتور سمير رضوان، وزير المالية الأسبق، والسفير رؤوف سعد، مساعد وزير الخارجية الأسبق، والدكتور حسن الصادي، الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل بجامعة القاهرة.
ورأى موسى أن ما جرى أظهر قدرا من الصمود الإيراني في مواجهة هائلة، ورغم الأخطاء السياسية الكبيرة التي أقدمت عليها طهران بحق المنطقة العربية، ورغم الاختلاف في مقاربة العديد من القضايا الإقليمية، سواء القضية الفلسطينية أو العراق وغيرها من الملفات، وهو ما جعلنا نتحدث مع الإيرانيين باستمرار حول كيفية البدء من جديد، مضيفا أن مصر كانت لديها اتصالات مستمرة مع إيران منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، مرورا بكل ما تلاه، وتحدث معهم في أمور كان لابد من مناقشتها، وفي مقدمتها المقاربة الإيرانية للقضية الفلسطينية، موضحا أن الجانب العربي اتفق على مقاربة واضحة لهذه القضية جرى إقرارها في قمة بيروت عام 2002 وعُرفت بالمبادرة العربية للسلام.
وتابع أن هذه المبادرة لم يعترض عليها سوى إسرائيل، فيما لم تعترف بها إيران، وهو ما كان موضع نقاش كبير بيننا وبينهم، فضلا عن الخلافات المتعلقة بموقف إيران من الرئيس الراحل أنور السادات، لكن ذلك لم يمنع استمرار الاتصالات والحوار السياسي والدبلوماسي، مؤكدا أن التغيرات التي شهدتها المنطقة جرى عزلها عن هذه المآخذ والخلافات، واستمر النقاش حول مستقبل المنطقة سواء عبر المسئولين الرسميين مثل وزير الخاريجة أو من خلال اتصالات على المستوى الأهلي بين الساسة والدبلوماسيين السابقين.
وأوضح أن هذه الجوانب السلبية يجب أن تظل حاضرة في الحسابات، لأن التغيير المطلوب في المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون تغيير أوسع في المواقف والسياسات، مؤكداً ضرورة استعداد كل الأطراف للمصارحة والتوافق على مسار مستقبلي جديد يحقق الاستقرار.
وأضاف أن ما تم التوصل إليه حتى الآن ليس معاهدة بالمعنى الكامل، وإنما تفاهم يطرح حلولاً أولية تبدأ بوقف إطلاق النار وتمهد لمفاوضات مقبلة حول القضايا العالقة التي كانت سبباً فيما جرى، المتابعة الدقيقة لهذه التفاهمات تظل أمراً ضرورياً لمعرفة ما إذا كانت ستقود بالفعل إلى معالجة الملف النووي وإعادة ترتيب الأوضاع السياسية في المنطقة، أم أنها ستتعرض للخرق والتعثر، فإسرائيل تسعى لتخريب هذا الاتفاق من خلال استمرار عدوانها، على لبنان، وهو ما دفع إيران بإغلاق مضيق هرمز مجددا، ما قد يصل بالأمور للعودة للوراء.
وأوضح أن الأوضاع لا تزال مضطربة فيما يتعلق بمذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يدفع دول المنطقة إلى الترقب السلبي، بل إلى المبادرة للنقاش والتفاهم، قائلا: "يجب أن نتحدث مع إيران عن سياساتها، وعن مستقبل العلاقات معها، وعن آفاق التعاون الاقتصادي ومختلف المجالات التنموية بين دول المنطقة".
وأشار موسى، إلى أن من بين التطورات المهمة التي ينبغي متابعتها مسألة المجموعة رباعية التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، معتبراً أن هذا التوجه قد يفتح الباب أمام دور إقليمي أكثر فاعلية إذا أُحسن تنظيمه وإدارته بما يخدم مصالح المنطقة وشعوبها، بعيداً عن أي اعتبارات أو مصالح آتية من الخارج.
وأوضح أن توصيف هذا التكتل باعتباره تجمعاً سنياً ليس دقيقاً، لأن المطلوب هو إطار إقليمي يسعى إلى إرساء السلام واحترام القانون الدولي ورفض الاحتلال، وبناء موقف إقليمي مستقل تجاه قضايا المنطقة. وأضاف أن الأمر لا يقتصر بالضرورة على 4 دول، إذ يمكن أن تنضم إليه دول أخرى مستقبلاً، بما يعزز قدرته على القيام بمسئولياته ودوره في دعم الاستقرار الإقليمي.
واعتبر موسى أن مصطلح "الشرق الأوسط الجديد" ليس مرفوضاً في حد ذاته، باعتبار أن التغيير سمة ملازمة لحركة التاريخ، موضحا أن التحولات التي يشهدها العالم تفرض بالضرورة تصورات جديدة للمستقبل. لكنه تساءل: أي شرق أوسط جديد نريد؟ وعلى أي أسس سيتم بناؤه؟.
وأكد أن أي تصور جاد لمستقبل المنطقة يجب أن يبدأ بمعالجة القضايا الأساسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، من خلال التوصل إلى حل عادل وشامل يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إلى جانب التعامل مع مختلف القضايا الأمنية التي تؤثر في استقرار المنطقة.
وأضاف أن ذلك يتطلب دعوة القيادة الفلسطينية إلى اتخاذ قرار بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في أقرب وقت ممكن خلال العام الجاري، بالتوازي مع الانتخابات المقررة في إسرائيل، بغض النظر عن الموقف الإسرائيلي من هذه الانتخابات الفلسطينية. وأكد أن الموقف العربي سيكون داعماً لهذا الاستحقاق السياسي، إلى جانب عدد من القوى الدولية، وفي مقدمتها فرنسا، بما يسهم في إطلاق حراك سياسي فلسطيني جديد يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، ويؤكد مجدداً حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ويفتح الباب أمام استئناف عمل سياسي فلسطيني فاعل وبنّاء، يعيد طرح القضية الفلسطينية على أسس أكثر قوة ووضوحاً، ويؤكد مجدداً مركزية حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ويحول دون محاولات تهميش هذا الحق أو إسقاطه من حسابات المستقبل في المنطقة.
وأضاف أن الحديث عن تفكيك القدرات النووية الإيرانية يجب أن يقترن بالحديث عن القدرات النووية الإسرائيلية، إذا كان الهدف بالفعل هو تحقيق الأمن الإقليمي.
وشدد على أن المطلوب هو العمل من أجل شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي، تطبق فيه المعايير نفسها على جميع الأطراف دون استثناء، مشيراً إلى أن إسرائيل لوحت بقدراتها النووية بصورة علنية خلال حربها على غزة، الأمر الذي يفرض مقاربة أكثر شمولاً وعدالة لقضايا الأمن والاستقرار في المنطقة.
ودعا موسى إلى أن تتبع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران مذكرة أخرى بين دول المنطقة نفسها، تتضمن المبادئ الأساسية لرؤيتها المشتركة لمستقبل الشرق الأوسط، وتؤكد الالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول.
وانتقد موسى حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي عن قيادة إسرائيل للمنطقة وصناعة في الشرق أوسط جديد معتبراً أن هذه التصورات تعكس فهماً خاطئاً لطبيعة المنطقة وتعقيداتها. وأوضح أن القيادة الإقليمية لا تُفرض بالقوة العسكرية، مستشهداً بالولايات المتحدة التي لم تصل إلى مكانتها الدولية اعتماداً على قوتها العسكرية فقط، وإنما بما تمتلكه من جامعات كبرى ومؤسسات علمية وثقافية وفنية شكلت رصيدها الحقيقي من القوة الناعمة.
وأكد أن التحديات لا تزال قائمة، وهو ما يفرض أعلى درجات الوعي واليقظة والعمل على بناء البديل القادر على حماية مصالح المنطقة وصياغة مستقبلها.
وأضاف أن مصر تمتلك من المقومات ما يؤهلها للقيام بهذا الدور، من خلال استعادة قوتها الناعمة ومكانتها التاريخية التي أسهمت لعقود في تشكيل الفكر والضمير والوجدان والسياسة في العالم العربي والشرق الأوسط.
وواصل لقد قمنا بهذا الدور لعشرات السنين، وهفت إلينا عقول الملايين من أبناء الشرق الأوسط، وفيما وراء الشرق الأوسط أيضاً، لما مثلته مصر من مركز للإشعاع الثقافي والفكري والسياسي، وهذا الدور يمكن استعادته والبناء عليه في مواجهة التحديات الراهنة.
ودعا موسى إلى بناء تحالف مصري سعودي يشكل نواة لتوازن إقليمي جديد، على أن ينفتح لاحقاً أمام انضمام دول عربية وإقليمية أخرى تشترك في أهدافه ورؤيته.