تمر اليوم ذكرى ميلاد الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، الذي ولد في 23 سبتمبر عام 1923، ورحل عن عالمنا في 17 فبراير عام 2016.
تبقى كتابات وتحليلات الجورنالجي المختلفة صالحة للعودة إليها وقراءتها، ومحاولة استشفاف الرؤية منها؛ هذا لأن حسنين هيكل لم يكن مجرد كاتب صحفي، وإنما مؤسسة صحفية مكتملة الأركان تمشي على قدمين.
ومع الأوضاع الخطيرة التي تعيشها منطقتنا العربية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، والوضع العربي المأزوم، نحاول العودة إلى رؤية هيكل لأزمة العرب ومشكلتهم ومستقبلهم في كتاب «أزمة العرب ومستقبلهم»، الصادر عن دار الشروق.
يحتوي الكتاب على نص المحاضرة التي ألقاها الأستاذ هيكل عام 1995 أمام جمهور كبير تجمع في قاعة المؤتمرات بمتحف «جيميه» في العاصمة الفرنسية باريس، وقد ضم اللقاء صفوة من المهتمين بالشأن العربي العام، جاءوا من أنحاء فرنسا ومن عواصم أوروبية متعددة.
ويتحدث الكتاب عن أزمة العرب ومستقبلهم، وعن الدور الذي لعبه تدخل العنصر الخارجي بوصفه طرفًا مباشرًا وصاحب مصالح، لكنه في الوقت نفسه يحاول البحث في العوامل الداخلية التي ساهمت في تعثر المشروعات العربية المختلفة.
ويبدأ الأستاذ هيكل بالعودة إلى التاريخ، محاولًا المقارنة بين الوضع العربي الراهن آنذاك، وبين وضع فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لباريس، وما فعله الجنرال شارل ديجول.
ثم يعود هيكل إلى تاريخ المنطقة العربية، متوقفًا أمام أربعة مشاهد رئيسية يرى أنها تختصر جانبًا من تاريخ محاولات بناء المشروع العربي الحديث.
المشهد الأول: مشروع محمد علي
يتوقف هيكل أمام مشروع محمد علي لإقامة دولة عصرية في مصر والشام، والذي تحالفت ضده القوى الأوروبية الكبرى، وانتهى بضربة عسكرية أوقفت تمدده.
لكن هيكل لا يكتفي بتحميل العامل الخارجي مسؤولية النهاية، بل يبحث عن مواطن الضعف داخل المشروع نفسه، فيقول إن مشروع محمد علي مشى بقدميه إلى الحافة الخطرة حين عجز عن التنبه إلى أن الدولة العصرية ليست مجرد جيش؛ فالدولة تستطيع أن تقيم جيشًا، ولكن الجيش لا يستطيع أن يقيم دولة عصرية.
ويرى أن الدولة العصرية والجيش العصري محصلة موارد وقدرات شعب، وشرعية حكم، واستنارة فكر، وتوازن طبقات، وإدراك عميق لفكرة أن المجتمعات تعيد صياغة مستقبلها جيلًا بعد جيل بوسيلتين أساسيتين هما: التعليم والتشريع.
المشهد الثاني: مشروع إسماعيل
ينتقل هيكل إلى مشروع الخديوي إسماعيل، الذي شهد بدايات مشروع للتحديث في مصر، قبل أن ينتهي الأمر بالغزو البريطاني.
ويرى هيكل أن إسماعيل مشى بقدميه إلى الحافة الخطرة حين غاب عنه أن الحضارة لا تجيء بالاستعارة، وأن التجديد لا يتأتى بالتقليد، وأن الرقي ليس مظهرًا يمكن استعارته، وإنما «دورة الرقي: تربة وبذرة وري».
ويضرب هيكل مثالًا لافتًا بالمقارنة بين باريس والقاهرة، مشيرًا إلى أن هوسمان، المهندس الفرنسي الشهير الذي خطط شارع ريفولي وما حوله في باريس، كان المهندس نفسه الذي بنى شارع محمد علي في القاهرة وعلى الطراز نفسه.
وفي حين بقي شارع ريفولي وما حوله واجهة حضارية مضيئة، فإن الأنوار انطفأت في شارع محمد علي، وألسنة النيران التهمت دار الأوبرا القريبة منه، وتحول موقعها لاحقًا إلى كتلة صماء من الأسمنت.
المشهد الثالث: التجربة الليبرالية
وينتقل هيكل إلى التجربة الليبرالية في مصر، متوقفًا عند ما جرى عقب ثورة 1919، ويرى أن ضرب هذه التجربة بدأ حين أحاطت كتيبة دبابات بريطانية بقصر عابدين وأرغمت الملك على تعيين رئيس وزراء لتشكيل الحكومة. ثم جاءت الهزيمة في حرب 1948 وإنشاء دولة إسرائيل لتشكل، في رؤيته، ضربة أخرى للمشروع.
لكن هيكل يرى أن الأزمة لم تكن في العامل الخارجي وحده، إذ يقول إن التجربة الليبرالية مشت بقدميها إلى الحافة الخطرة حين أصبح الاستقلال الوطني فراغًا والديمقراطية تجويفًا، ونسي الكل أن ضمانة الاستقلال هي الكفاءة في الإدارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن الديمقراطية تفاعل مع درجات النمو، وأن حمايتها الحقيقية ليست في دستور يجيء منحة من سلطان، كما أن العمل السياسي ليس جائزة إلى الغني.
المشهد الرابع: المشروع القومي لجمال عبد الناصر
أما المشروع القومي لجمال عبد الناصر بعد ثورة يوليو 1952، فيرى هيكل أنه تعرض للترصد في العدوان الثلاثي عام 1956، وفي دمشق عام 1961 مع انتهاء الوحدة المصرية السورية، ثم جاءت الضربة الأكبر في نكسة 1967.
ومرة أخرى، لا يتوقف هيكل عند القوة الخارجية وحدها، وإنما يبحث عن العوامل الداخلية التي ساهمت في تعثر المشروع، فيقول إن مشروع عبد الناصر مشى إلى الحافة الخطرة حين قاده الطموح إلى تصور أن مراحل التطور يمكن اختصارها والقفز فوقها، وهو ما أدى إلى زيادة سلطة الدولة في الداخل، وعروض القوة في الخارج.
وهنا تتضح الفكرة الأساسية التي تحكم قراءة هيكل للتاريخ: فالتدخل الخارجي كان، في نظره، عاملًا حاسمًا في إجهاض مشروعات عربية مختلفة، لكن هذا العامل لم يكن وحده المسؤول؛ إذ حملت تلك المشروعات نفسها نقاط ضعف جعلتها أكثر عرضة للتعثر والسقوط.
من أكتوبر إلى «انتحار المعنى»
يتحدث هيكل بعد ذلك عن حرب أكتوبر 1973، باعتبارها لحظة نتاج لهذا التاريخ الطويل الذي راكمته الأمة العربية من تجاربها السابقة. ورغم الجراح، استطاعت الأمة العربية أن تتجاوز الكثير من عثراتها وتقف أمام الخطر الذي هددها.
لكن هيكل يرى أن الانتصار العسكري الذي تحقق في أكتوبر لم يتم استثماره، وأن فرصة ميلاد مستقبل عربي أفضل قد أجهضت.
ومن هنا ينتقل إلى الواقع العربي، وما يسميه «انتحار المعنى»، مستعرضًا الحرب الأهلية اللبنانية، والحرب في أفغانستان، والحرب العراقية الإيرانية، ثم غزو الكويت وما ترتب عليه من تدمير للعراق، والذي يصفه بأنه كان في مضمونه تحالفًا بين العرب وإسرائيل.
ثم يعرج على مؤتمر مدريد ومشروع السلام في المنطقة، واتفاقيات أوسلو، التي يرى أنها حققت لإسرائيل شرعية الوجود، وجعلت الولايات المتحدة الأمريكية تنتقل من موقع الراعي لإسرائيل إلى موقع الراعي للعرب.
وهنا لا يعود هيكل أمام مجرد مجموعة من الأحداث المتتابعة، وإنما أمام مسار تاريخي كامل يرى فيه أزمة عربية تتكرر صورها، حتى بدا وكأن كل تجربة تفتح الباب للأخرى دون أن تنجح الأمة العربية في تحويل لحظات القوة والانتصار إلى مشروع مستدام للمستقبل.
العودة إلى الجذور
إن عرض هيكل في الكتاب يغلب عليه استعراض ما وقع، ومحاولة وضع يده على الداء الذي أصاب العرب، وقراءة مشكلتهم، أو بشكل أصح مشاكلهم؛ فهو لا يرى أن الحل سهل أو بسيط، ولذلك تصبح العودة إلى الجذور، بالنسبة إليه، أمرًا بالغ الأهمية.
وربما تكمن أهمية العودة إلى «أزمة العرب ومستقبلهم» اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود على المحاضرة، في أن هيكل لم يكن يبحث عن تفسير لأزمة عابرة بقدر ما كان يحاول تفكيك الأسباب التي جعلت المشروعات العربية تتعثر مرة بعد أخرى.
وفي عالم اليوم، الذي تغلب فيه قوة السلاح، وتتواصل فيه الصراعات على المنطقة، ومع غياب المشروع العربي الحقيقي، تبقى رؤية هيكل وأسئلته التي طرحها، وما استشرفه من مستقبل عربي مضطرب، شاهدة على أزمة عربية متجددة.