د. حسام بدراوي يكتب.. سقوط الحاكم لا يُسقِط السد - بوابة الشروق
الإثنين 28 سبتمبر 2026 12:00 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

د. حسام بدراوي يكتب.. سقوط الحاكم لا يُسقِط السد


نشر في: الأحد 27 سبتمبر 2026 - 10:58 م | آخر تحديث: الأحد 27 سبتمبر 2026 - 11:02 م

قرأت أمس في «المصري اليوم» مقال الدكتور عمرو هاشم ربيع بعنوان «نظام أبي أحمد يترنح فهل يُلقى له بطوق نجاة؟»، وهو باحث أحترم فكره وأقدّر قراءته لما يجري حولنا بعين مصرية يقظة. وأتفق معه في أن الحكم في أديس أبابا يمر بأصعب لحظاته منذ 2018؛ فسبع حركات مسلحة، كان بعضها بالأمس يقاتل بعضًا، اجتمعت في تحالف هدفه إزاحة رئيس الوزراء، واتفاق بريتوريا يوشك أن ينهار، ومطارات مقلي وشاير وأكسوم خرجت من يد الحكومة.

ويذكّرنا الكاتب بأن النظام كاد يسقط عام 2020 لولا أن «بعض الدول» أمدّته بالمسيّرات، ثم يدعو إلى منع إلقاء طوق نجاة جديد له، وإلى التنسيق مع إريتريا والصومال وجيبوتي والسودان، ودعم المعارضة بكل السبل، بل والتوفيق، ولو مؤقتًا، بين نظام أسياس أفورقي والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي.
غير أن ما دفعني إلى الكتابة ليس ما قاله المقال، بل ما قد يتمناه بعضنا في سرّه: أن سقوط أبي أحمد، المسنود بإسرائيل ودولة عربية ، قد يفتح بابًا لحل أزمة النيل وسد النهضة، ويرفع عن مصر والسودان كابوسًا طال أمده.

وأخشى أن تكون هذه أمنية أكثر منها قراءة.

السد أقدم من أبي أحمد وحجر الأساس لسد النهضة لم يكن هو من وضعه أبي أحمد، بل ميليس زيناوي في ربيع 2011، ومصر منشغلة بثورتها. وكان زيناوي يومها زعيم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، الجبهة نفسها التي تقف اليوم في قلب التحالف الساعي إلى إسقاط أبي أحمد. أي أن «أبا السد» الحقيقي يجلس الآن في صفوف المعارضة، لا في القصر.

وهنا المفارقة: المعارضة التي يدعونا فهم المقال إلى دعمها «بكل السبل» تتقدمها الجبهة التي وضعت حجر الأساس. فهل نساعد على إسقاط حاكم لنستقبل من بدأ المشروع أصلًا؟ وبأي ضمانة نفترض أن من يدخل أديس أبابا محمولًا على أكتاف القوميات سيكون أكثر استعدادًا للتفاهم معنا في شأن النهر؟
ويربط الكاتب، عن حق، بين عام إنقاذ النظام وعام الملء الأول. لكن: هل توقف الملء عامًا واحدًا حين كان النظام يترنح؟ مضى الملء الثاني والثالث والرابع والحرب في أوجها، لأن السد لم يكن معلّقًا بمصير رجل.
لقد صار السد في الوعي الإثيوبي رمزًا قوميًا؛ اشترى الفلاح والموظف والمغترب سنداته من جيبه، وصار حجرًا في جدار الهوية لبلد تتنازعه القوميات ولا يكاد يجمعه شيء سوى علمه ونهره. ولم يُعرف عن أيٍّ من قوى المعارضة أنها جعلت مراجعة موقف بلادها من النيل جزءًا من برنامجها. بل لعل العكس أقرب: فالحكم الذي يولد من رحم حرب أهلية يحتاج إلى ما يوحّد شعبه، وليس أيسر من «خصم خارجي» و«حق في المياه» لصناعة الإجماع.

الاضطراب لا يُضعف المشروع... بل يغذّيه..

عقد المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية في منتصف هذا الشهر ورشة ناقشت اثنتي عشرة ورقة بحثية حول «المشروع الإقليمي الإثيوبي»، وانتهت إلى خلاصة لافتة: أن الانقسام الداخلي في إثيوبيا لم يُضعف قدرتها ولا رغبتها في المضي بمشروعها في حوض النيل والبحر الأحمر، بل كان من أقوى دوافعه. الأزمة في الداخل تُصدَّر إلى الخارج، ويصبح الهروب إلى الأمام سياسة.
وفي أغسطس الماضي، قبل أن يشتعل القتال، كانت أديس أبابا تعلن أنها لا تحتاج إذنًا من أحد لتنمية مواردها المائية، وتتحدث عن ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق. وهذا خطاب دولة، لا خطاب رجل.
من قدرٍ إلى قدر

إن دعم معارضة لا نعرف ما الذي ستعطيه لنا حين تحكم ليس سياسة، بل مقامرة. وتحالف القوى السبع تحالف ضرورة؛ فقد قال رئيس إدارة تيجراي صراحة إن مصالح أطرافه ليست متطابقة، وإن ما يجمعهم شيء واحد: إزاحة أبي أحمد. فماذا بعد أن يتحقق هذا الشيء الواحد؟

وهل لدينا مراكز بحث مصرية درست هذا الاحتمال تحديدًا؟ بحثت، فوجدت اجتهادات جادة: ورشة المركز المصري، ودراسة لمركز «فاروس» رسمت ثلاثة مسارات للتحالف المعارض: أن ينجح في إسقاط الحكومة، أو يتفكك من داخله، أو تستمر حرب استنزاف بلا حسم. لكنني لم أجد، فيما هو منشور، دراسة تجيب عن السؤال الذي يعنينا: ماذا يعني كل مسار لمياه النيل؟ ومن سيدير السد في كل حالة؟ وماذا نفعل إن انزلقت الدولة الإثيوبية إلى الفوضى، وصار السد العملاق في يدٍ لا نعرفها، أو في يد لا أحد؟

أخشى إذن أننا ننتقل من قدرٍ لم يكن لنا فيه خيار، هو سدٌّ بُني رغمًا عنا، إلى قدرٍ آخر لا نملك فيه قرارًا ولا تأثيرًا، هو إثيوبيا ما بعد أبي أحمد، أيًّا كان شكلها. والفارق بين أمة تصنع قدرها وأمة تتلقاه، أن الأولى تُعدّ سيناريوهاتها قبل أن تقع الأحداث، والثانية تكتب تحليلاتها بعدها.

ماذا نفعل؟

لا أدّعي خبرة في شؤون القرن الأفريقي، لكنني طبيب تعلّم أن التشخيص يسبق العلاج، وأن الطبيب لا ينتظر انهيار الحالة ليقرأ ملفها. والحد الأدنى المطلوب في ظني:

أولًا: ألا نراهن على أشخاص؛ فالحكام يتغيرون والنهر باقٍ، والرهان الحقيقي على اتفاق قانوني ملزم للدولة الإثيوبية أيًّا كان حاكمها.

ثانيًا: أن نفتح قنوات فهم مع القوى الإثيوبية كافة، في الحكم والمعارضة، بمنطق أن مصر جار باقٍ، وأن من يحكم غدًا ينبغي أن يعرف أن القاهرة ليست خصمًا لشعبه.

ثالثًا: أن تُكلَّف جهة بحثية وطنية بإعداد سيناريوهات «اليوم التالي» في إثيوبيا من منظور المياه تحديدًا، وأن تُتاح خلاصاتها للرأي العام بالقدر الذي لا يمس الأمن؛ فالمجتمع الذي يفهم أقدر على أن يسند دولته.

رابعًا، وهو الأهم: أن نُحسن إدارة ما في أيدينا من ماء؛ فكل قطرة نوفرها في الري، وكل محطة معالجة أو تحلية نبنيها، ورقة قوة لا يملك أحد في أديس أبابا أن ينتزعها منا.

إن النيل لا يسأل عن اسم الحاكم في أديس أبابا. هو يجري من الهضبة إلى المصب كما جرى منذ آلاف السنين، والذي يتغير فقط هو قدرة من يعيشون على ضفتيه على الفهم والاستعداد.

أرجو أن أكون مخطئًا... وأرجو أكثر أن يثبت لي أحد مراكزنا البحثية أنني مخطئ، بدراسة منشورة تقول: لقد فكّرنا في هذا، ولدينا خطة.

 



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك