- مراجعة في تاريخ العلاقات الدولية من الحرب الباردة إلى إبادة غزة
- الكتاب يؤكد أن العالم الذي كشفته غزة «لم يسده قط القانون ولا قواعد العدالة»
ينتقل المؤلف في النصف الثاني من «عالم بلا قانون.. سياسة بلا مبادئ» إلى المرحلة التي اكتملت فيها ملامح العالم الذي يحاكمه؛ حرب باردة قسمت الدول إلى معسكرات، وقوى ناشئة حاولت البحث عن طريق خارج الاستقطاب، وحروب بالوكالة أعادت توزيع النفوذ، ثم لحظة أمريكية انفرد فيها قطب واحد بمساحة غير مسبوقة من القوة.
من برلين وكوبا وفيتنام إلى أفغانستان والعراق وفلسطين، يتابع الكاتب المسافة بين القاعدة التي تعلنها المؤسسات الدولية والأخرى التي تفرضها موازين القوة عند لحظة الاختبار.
صدر الكتاب عن دار الشروق في يوليو 2026، وتأتي هذه الحلقة جزءًا من مراجعتنا استكمالًا للحلقة الأولى التي توقفت عند تشكّل النظام الدولي الحديث بعد حربين عالميتين، وقيام الأمم المتحدة، وبروز مفارقة سترافق الكتاب حتى صفحته الأخيرة: عالم يضع القواعد باسم الجميع، ثم يترك تطبيقها رهينًا بالقوة والمصلحة.
تتبعت الحلقة الأولى الطريق من توازن القوى الأوروبي والحرب العالمية الأولى وتسوياتها، إلى الكساد والفاشية والحرب العالمية الثانية وميلاد المؤسسات الجديدة، وانتهت عند سؤال عما إذا كانت تلك المؤسسات قادرة على ضبط القوة أم تمنحها لغة قانونية جديدة. ومن ثم تبدأ الحلقة الثانية عند اللحظة التي انقسم فيها المنتصرون أنفسهم، وتمتد حتى غزة، حيث يجد السؤال النظري صورته الأكثر وضوحًا.
يواصل الكتاب طريقته في مزج التاريخ بالتحليل السياسي؛ الوقائع تأتي في ترتيبها الزمني، ثم تتسع حولها دوائر التفسير لتكشف ما صنعته في بنية النظام الدولي؛ ولذلك تكتسب رحلة العقود التالية معناها من اتصال حلقاتها؛ فعلى سبيل المثال والحصر: الحرب الباردة تفسر كثيرًا من تحالفات الشرق الأوسط، ثم نهاية الثنائية القطبية تفتح الباب أمام التدخلات الأمريكية الواسعة، أما تعثر التسوية الفلسطينية فيتراكم حتى لحظة الانفجار.
هذه الطريقة تمنح القارئ فرصة لرؤية العلاقات الدولية كسلسلة من القرارات التي تورث آثارها إلى الأجيال التالية، وتمنح عنوان الكتاب نفسه مضمونًا يتطور صفحة بعد أخرى؛ ومن ثم يصبح القارئ شريكًا في اختبار الفرضية أمام كل أزمة جديدة يعرضها الكتاب وصولًا إلى خاتمته الأخيرة.
الحرب الباردة.. عالم المعسكرات ومحاولة العثور على طريق ثالث
يصف المؤلف هذا الجزء بأنه أحد أطول أجزاء الكتاب، بحكم اتساع وقائعه وتداخل مساراته، فقد أصبح العالم موزعًا بين «ثلاثة معسكرات كبرى»: معسكر غربي تقوده الولايات المتحدة، وآخر شرقي يقوده الاتحاد السوفيتي، ودول حاولت تأسيس مساحة مستقلة خارج استقطاب القوتين. وتمنح هذه الخريطة السرد إطارًا واضحًا لفهم النصف الثاني من القرن العشرين، حيث باتت أزمة محلية في دولة صغيرة قادرة على التحول سريعًا إلى حلقة في صراع عالمي.
خرجت واشنطن وموسكو من الحرب العالمية الثانية قوتين منتصرتين تحمل كل منهما تصورًا مختلفًا للاقتصاد والسياسة والمجتمع. وسرعان ما تبنى الرئيس الأمريكي هاري ترومان سياسة تقوم على احتواء تمدد الشيوعية والنفوذ السوفيتي، وهي السياسة التي عُرفت بـ«مبدأ ترومان»، قبل أن يتشكل حلف شمال الأطلسي، بينما ثبّت الاتحاد السوفيتي نفوذه السياسي والأمني في أوروبا الشرقية.

الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان
وهنا يلفت الكتاب إلى التناقض بين الخطاب والممارسة؛ فقد دعم الغرب أنظمة سلطوية حين خدمت مواجهة الشيوعية، فيما واجه الاتحاد السوفيتي بالقوة محاولات الخروج من نطاق سيطرته، كما حدث في المجر ثم تشيكوسلوفاكيا.
وسط هذا الاستقطاب، عُقد مؤتمر باندونج في إندونيسيا عام 1955، وجمع دولًا آسيوية وإفريقية سعت إلى الابتعاد عن صراع المعسكرين الأمريكي والسوفيتي، ومهّد لاحقًا لتأسيس حركة عدم الانحياز رسميًا في بلجراد عام 1961، بقيادة شخصيات مثل جمال عبدالناصر وجوزيف تيتو وجواهر لال نهرو وأحمد سوكارنو وكوامي نكروما.
يمنح الكاتب هذه التجربة قيمة تتجاوز قدرتها الفعلية على تغيير موازين القوة؛ فقد عبّرت عن رغبة الدول الخارجة من الاستعمار في امتلاك قرارها، وحملت قضايا التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار والفصل العنصري، رغم اختلاف مصالح أعضائها وتفاوت صلات بعضهم بالمعسكر السوفيتي.
ثم تأتي أزمة السويس عام 1956 كواحدة من أكثر لحظات التحول دلالة؛ أدى تأميم القناة إلى العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر، قبل أن تقود الضغوط الدولية، وفي مقدمتها الموقفان الأمريكي والسوفيتي، إلى وقف العمليات والانسحاب.
خرجت مصر بمكانة سياسية أكبر، وترسخ حضور عبدالناصر في العالم العربي وحركات التحرر، وكشفت الأزمة عن تراجع القدرة الإمبراطورية لبريطانيا وفرنسا وصعود الولايات المتحدة إلى قيادة المعسكر الغربي. وفي ميزان الكتاب، يظل انتصار القاعدة مرتبطًا بامتلاكها قوة أو مصلحة كبرى تسندها؛ وهي فكرة ستعود في أزمات أكثر دموية.
من حافة الحرب النووية إلى حروب الآخرين
في برلين وكوبا، بلغ الصراع بين القطبين حدًا اقترب معه العالم من مواجهة نووية؛ من حصار برلين والجسر الجوي الغربي، إلى فشل عملية خليج الخنازير، وصولًا إلى اكتشاف صواريخ نووية سوفيتية نُشرت في كوبا عام 1962، على مسافة قريبة من الأراضي الأمريكية.
وانتهت أزمة الصواريخ بسحب موسكو صواريخها من كوبا، مقابل تعهد واشنطن بعدم غزو الجزيرة وسحب صواريخها من تركيا ضمن تفاهم لم تُعلن تفاصيله كاملة وقتها.
يستدعي المؤلف هذا المنطق عند مناقشة أوكرانيا، موضحًا حساسية القوى الكبرى تجاه وجود خصم مسلح قرب حدودها، وازدواج موقفها من المجال الأمني؛ فكل قوة توسّع هامش حركتها، وتنظر إلى تحركات منافسيها كتهديد.
قلل الردع النووي الصدام بين واشنطن وموسكو، فانتقلت المواجهة إلى ساحات أخرى؛ وظهر الخلاف الصيني السوفيتي، وسحقت القوات السوفيتية الإصلاح في تشيكوسلوفاكيا خلال «ربيع براج» عام 1968، بينما تحولت فيتنام إلى ساحة مع التدخل الأمريكي ضد الشمال الشيوعي.
ويصف الكتاب النتيجة بأنها «واحدة من أكثر فصول الفشل العسكري» في التاريخ الأمريكي؛ إذ كشفت الحرب حدود التفوق، وعمّقت الانقسام الأمريكي، وحمّلت الشعب الفيتنامي كلفة هائلة.
وتجسد حروب الوكالة هذا النظام؛ قوتان تتجنبان المواجهة المباشرة، ودول أصغر تتحول إلى ساحات للسلاح والنفوذ. ويقرأ السرد التاريخ الدولي من أثر القرار على الإنسان، بين قتلى ولاجئين ومدن مهدمة واقتصادات منهكة.
سقوط السوفييت.. من نهاية الحرب الباردة إلى لحظة القطب الواحد
ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية والعسكرية على الاتحاد السوفيتي ووصول ميخائيل جورباتشوف إلى السلطة عام 1985، بدأت مرحلة من الإصلاح الداخلي والانفتاح وتخفيف سباق التسلح. ويتوقف الكتاب أمام المفاوضات النووية باعتبارها مثالًا لقدرة الخصوم على الوصول إلى قواعد مشتركة عندما تصبح المواجهة خطرًا على الجميع.
وفي عام 1989 سقط جدار برلين، الذي كان يقسم المدينة منذ 1961 إلى شطر شرقي خاضع لألمانيا الشرقية الشيوعية وآخر غربي مرتبط بالمعسكر الغربي، وأصبح سقوطه رمزًا لانهيار الانقسام الذي صنعته الحرب الباردة. وبعده تسارعت نهاية الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، وصولًا إلى تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991.
وجد العالم نفسه أمام تفوق أمريكي واسع، وسرعان ما مثّل غزو العراق للكويت عام 1990 اختبارًا مبكرًا للنظام الدولي الجديد؛ إذ تشكل تحالف دولي واسع بقيادة الولايات المتحدة وتحت غطاء من الأمم المتحدة، انتهى بتحرير الكويت عام 1991.
ويضع الكتاب هنا سؤال الانتقائية في الواجهة؛ فقد طُبق مبدأ سيادة الدول ورفض الاستيلاء على أراضيها بالقوة بوضوح وحسم، بينما ظل تطبيق المبادئ نفسها متفاوتًا في أزمات أخرى.
ومن هذه الزاوية ينتقل المؤلف إلى القضية الفلسطينية؛ فبعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، دخل الفلسطينيون والإسرائيليون في مفاوضات سرية انتهت إلى اتفاق أوسلو عام 1993، الذي شهد اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل كل منهما بالأخرى، ونص على إقامة حكم ذاتي فلسطيني انتقالي في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، تمهيدًا لمفاوضات حول التسوية النهائية.

مؤتمر مدريد للسلام برعاية أمريكية سوفيتية – 1991
غير أن القضايا الأصعب، وفي مقدمتها القدس والحدود واللاجئون والمستوطنات، تم تأجيلها إلى مرحلة لاحقة، ومع استمرار الاستيطان واغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1995 وصعود اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو، تراجعت آمال التسوية تدريجيًا، وصولًا إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000.
تكتسب أوسلو أهميتها في أطروحة الكتاب من الفجوة بين الاتفاق وميزان القوة الذي يحكم تنفيذه؛ فقد غابت الضمانات القادرة على إلزام الطرف الأقوى، واستمر تغيير الواقع على الأرض، فتحولت عملية السلام تدريجيًا إلى إدارة للنزاع أكثر من كونها طريقًا إلى حله.

توقيع إعلان المبادئ في واشنطن بين ياسر عرفات وإسحاق رابين
وفي تلك المرحلة ظهرت محاولات فكرية لتفسير شكل العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي؛ فطرح المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، معتبرًا أن انتهاء الحرب الباردة وانهيار الشيوعية يشيران إلى انتصار الديمقراطية الليبرالية باعتبارها النموذج السياسي الأكثر قابلية للاستمرار.
وفي المقابل، قدم أستاذ العلوم السياسية الأمريكي صمويل هنتنجتون أطروحة «صدام الحضارات»، متوقعًا أن تصبح الاختلافات الثقافية والدينية بين الحضارات مصدرًا رئيسيًا للصراعات بعد تراجع الانقسام الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية. وكشفت العقود التالية عن عالم أكثر تعقيدًا من أن تفسره أطروحة واحدة.
الحرب على الإرهاب والشعبوية.. حين اتسعت الاستثناءات
جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتفتح مرحلة جديدة؛ غزت الولايات المتحدة أفغانستان لإسقاط طالبان وملاحقة تنظيم القاعدة، ثم دخلت العراق عام 2003 استنادًا إلى ادعاءات امتلاك أسلحة دمار شامل ثبت بطلانها. أعادت الحربان رسم المنطقة ووسعتا مفهوم التدخل الوقائي، كما دفعتا إلى الواجهة فاعلين من غير الدول قادرين على تغيير سياسات قوى كبرى.

هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 تفتح مرحلة جديدة
ومع الحرب على الإرهاب اتسع استخدام أدوات مثل السجون السرية والتعذيب والمراقبة والضربات بالطائرات المسيّرة، وأصبحت ضرورات الأمن مدخلًا لمنح الحكومات مساحة أكبر من الاستثناء.
وتقدم تجربة العراق نموذجًا استنتاجيًا لهذه المرحلة؛ تفككت مؤسسات الدولة، وتصاعد العنف الطائفي، ونمت تنظيمات أكثر تطرفًا، ودفع المدنيون أثمان القرار الذي سبق الدليل.
ثم ينتقل الكتاب من ساحات الحرب إلى الداخل السياسي، عندما أفرزت العولمة نموًا واتصالًا غير مسبوقين، وتركت في الوقت نفسه قطاعات تشعر بفقدان الأمان الاقتصادي والثقافي. ومع الهجرة واتساع الفجوة الاجتماعية وتراجع الثقة في المؤسسات، صعدت الشعبوية في تجارب مختلفة يمثلها دونالد ترامب وجايير بولسونارو وناريندرا مودي وفيكتور أوربان وجورجيا ميلوني ومارين لوبان.
تختلف البلدان والبرامج، وتتكرر مفردات السيادة والهوية والشك في النخب والمؤسسات.
غزة.. اللحظة التي عرّت النظام الدولي
يمنح المؤلف الفصل المتعلق بالسابع من أكتوبر عنوانًا دالًا: «السابع من أكتوبر.. نهاية العلاقات الدولية». يبدأ من هجوم حماس على إسرائيل وما خلّفه من قتلى مدنيين وعسكريين وأسرى، وانهيار صورة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية القادرة على توقع الخطر وإحباطه، ثم يضع الحدث ضمن تاريخ من الاحتلال والحصار وفشل التسوية وتوسع الاستيطان.
ومن هذه البداية ينتقل إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، بما شهدته من قتل واسع للمدنيين وتدمير للأحياء والمستشفيات والمدارس والبنية الأساسية، ونزوح متكرر داخل مساحة محاصرة. هنا تبلغ أطروحة الكتاب ذروتها؛ فمواثيق حماية المدنيين وقواعد الحرب حاضرة في الوثائق، بينما يظل تطبيقها محكومًا بموازين القوة والتحالفات والقدرة على تعطيل القرارات.
يصف الكاتب العالم الذي كشفته غزة بأنه عالم «لم يسده قط القانون ولا قواعد العدالة». وتأتي العبارة بعد رحلة عبر انقلابات واحتلالات وحروب، فتكتسب معناها من تراكم الوقائع؛ إذ تمثل غزة الخاتمة المنطقية لسؤال الكتاب: ماذا تساوي القاعدة حين يعجز النظام الذي صاغها عن حماية البشر تحت النار؟
ويحافظ السرد على مركزية الإنسان؛ فتطبيق القاعدة الإنسانية على الجميع يمنح القانون معناه، بينما يكشف تفاوت قيمة الضحية في الخطاب السياسي والإعلامي، بحسب جنسيتها وهوية قاتلها وموقع دولتها من التحالفات، عن أزمة أخلاقية تطول النظام كله.
ويعيد الكتاب مأساة غزة إلى سنوات من الفشل السياسي؛ تعثر التسوية، وتآكل أوسلو، واستمرار الاستيطان، وصعود اليمين الإسرائيلي، وضعف السلطة الفلسطينية، والانقسام الفلسطيني، وترسخ حصار القطاع. وتراكمت هذه العناصر تحت وهم إمكان إدارة الصراع طويلًا، حتى برهن السابع من أكتوبر وما تبعه أن القضايا المؤجلة تراكم أثمانها، وأن الأمن الذي يتجاهل الحقوق يظل هشًا.

تبدو غزة فى ختام الكتاب بمثابة مرآة يرى فيها النظام الدولى صورته بعد قرن تقريبا من المواثيق والمؤسسات والمحاكم
وتتضاعف دلالة غزة بسبب وقوع الحرب في عصر تصل فيه صور القصف والنزوح والجوع إلى ملايين البشر، بالتوازي مع التصريحات الرسمية والمواقف الدبلوماسية. وتنشأ فجوة حادة بين ما يراه الجمهور وبطء المؤسسات المكلفة بحماية القواعد الدولية؛ فالوثيقة القانونية تكتسب قيمتها حين توقف انتهاكًا، والقرار الدولي يثبت وزنه عندما يُنفذ. وهكذا تتحول غزة إلى اختبار لمصداقية النظام الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية على وعد حماية السلم ومنع تكرار الفظائع.
ويخصص المؤلف مساحة لتحرك جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وللمسار أمام المحكمة الجنائية الدولية، فاتحًا سؤال قدرة القضاء الدولي على تحويل القانون من نص إلى مساءلة. وتكشف هذه المسارات أن القانون يملك أدوات للتوثيق والمحاسبة، بينما تحدد الإرادة السياسية والقدرة على التنفيذ مدى فاعليتها.
وفي واحدة من أكثر عبارات الكتاب إنسانية، يكتب المؤلف أن «أرواح البشر هي الثمن الأرخص لقرارات السياسة الدولية ومغامراتها». وتختصر الجملة تاريخًا من قرارات يتخذها الأقوياء بعيدًا عن المدن التي تستقبل القنابل، والأسر التي تبحث عن أبنائها، واللاجئين الذين يتحولون في نشرات الأخبار إلى أرقام.
وأخيرًا.. حين يصبح العدل معيار القانون
يصل المؤلف في نهاية الرحلة إلى خلاصة مباشرة: «نحن نعيش في عالم به قوانين، لكن تطبيقها يكون انتقائيًا». تلخص العبارة المسافة بين النص وفاعليته؛ فالنظام الدولي يملك مواثيق لحماية السيادة والمدنيين والأسرى واللاجئين، ويملك مؤسسات ومحاكم، بينما يظل التنفيذ شديد التأثر بتوزيع القوة وحق النقض وشبكات التحالف والمصالح.
تكمن قيمة «عالم بلا قانون.. سياسة بلا مبادئ» في اتساع الرحلة ووضوح السؤال الذي ينظمها. يقدم الكتاب تاريخًا للعلاقات الدولية ويضع اللغة التي رُوي بها هذا التاريخ تحت المراجعة؛ الانتصارات العسكرية تُقاس بأثمانها، والتحالفات بنتائجها، والمؤسسات بقدرتها على حماية الإنسان ساعة الاختبار. وكثافة الوقائع تمنح السرد قوة تفسيرية، فيما يحافظ خيط القوة والقانون على تماسك الانتقال بين عصور وأزمات شديدة الاختلاف.
وفي صفحاته الأخيرة يحذر الكاتب من مستقبل يحمل احتمالات صدام أكبر، ويرى أن «فرص وقوع حرب عالمية ثالثة تظل ضعيفة في الأجل المنظور»، ويربط المدى الطويل بقدرة العالم على إصلاح منظومته وقوانينها. يحمل التحذير خلاصة عملية للكتاب كله؛ النظام الذي يراكم المظالم ويمنح القوة حصانة واسعة يصنع بنفسه شروط اضطرابه المقبل.
تنتهي هنا المراجعة التي بدأت في حلقتها الأولى من أوروبا القديمة والحربين العالميتين وميلاد الأمم المتحدة، ثم عبرت في حلقتها الثانية الحرب الباردة والعالم أحادي القطبية والحرب على الإرهاب وصولًا إلى غزة. تكشف الرحلة نظامًا صنعته القوة وحاول القانون أن يمنحه قواعد مشتركة، وحققت مؤسساته لحظات مهمة في حماية السلم، فيما ظلت العدالة الكاملة معلقة على المساواة في التطبيق.
لهذا تبدو غزة في ختام الكتاب بمثابة مرآة يرى فيها النظام الدولي صورته بعد قرن تقريبًا من المواثيق والمؤسسات والمحاكم؛ وراء كل نقاش عن الشرعية يقف إنسان يريد أن يعيش، ووراء كل تعطيل للقانون ضحية تدفع ثمنه. ومن هنا يبقى السؤال الذي يتركه الكتاب، وتغلق عليه هذه المراجعة حلقتيها: كم يحتاج العالم من المآسي قبل أن تصبح حياة الضعيف مساوية لحياة القوي في ميزان القانون؟
الشرق الأوسط.. أكتوبر والنفط والثورة والسلام البارد
جاءت حرب أكتوبر 1973 لتعيد فتح الجبهة المصرية السورية مع إسرائيل بعد هزيمة 1967؛ فكسرت المفاجأة العسكرية الجمود، ودخلت الحرب في حسابات الدعم الأمريكي لإسرائيل والمساندة السوفيتية للعرب ومحاولة منع اتساع الصدام. وظهر النفط أداة سياسية مع الحظر العربي وارتفاع الأسعار ودور السعودية بقيادة الملك فيصل، ثم أضافت الصدمة النفطية الثانية وزنًا للدول المنتجة ومنظمة أوبك.
ويتعامل الكتاب مع النفط باعتباره تحولًا في توزيع القوة؛ فقد أصبح أمن الطاقة جزءًا من الأمن العالمي، وتعزز موقع الشرق الأوسط في حسابات القوى الكبرى. ثم دخلت المنطقة مرحلة جديدة مع الثورة الإيرانية والحرب الأفغانية وصعود ما عُرف بالصحوة الإسلامية.
يعود الكاتب إلى إيران عام 1953، حين أُطيح برئيس الوزراء محمد مصدق، الذي قاد تأميم صناعة النفط، في انقلاب دعمته الولايات المتحدة وبريطانيا، لتتعزز بعدها سلطة الشاه محمد رضا بهلوي حتى أطاحت به الثورة الإسلامية عام 1979.

محمد مصدق رئيس وزراء إيران الأسبق
وفي أفغانستان، دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها المقاتلين الأفغان في مواجهة الاحتلال السوفيتي الذي بدأ عام 1979، وتحولت الحرب خلال الثمانينيات إلى ساحة رئيسية من ساحات الحرب الباردة، شهدت أيضًا تشكل شبكات من المقاتلين العرب والأجانب كان لبعضها أثر لاحق في صعود جماعات مسلحة عابرة للحدود.
وفي العام التالي، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية بعد اجتياح العراق أراضي إيرانية، وسط مخاوف إقليمية من امتداد الثورة الإيرانية وصراع على النفوذ والحدود، واستمرت الحرب ثماني سنوات دفع خلالها الشعبان كلفة بشرية واقتصادية هائلة.
وفي المسار العربي الإسرائيلي، جاءت اتفاقات كامب ديفيد عام 1978، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، لتفتحا مرحلة جديدة في المنطقة؛ استعادت مصر سيناء على مراحل اكتملت عام 1982، وانتهت حالة الحرب بينها وبين إسرائيل، فيما ظلت القضية الفلسطينية من دون تسوية نهائية.

اتفاقات كامب ديفيد عام 1978 ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979