المخرجة التونسية كوثر بن هنية: نحن كائنات سياسية بطبعنا.. و«الرجل الذي باع ضهره» ليس فيلما محايدا - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 يناير 2021 11:54 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

المخرجة التونسية كوثر بن هنية: نحن كائنات سياسية بطبعنا.. و«الرجل الذي باع ضهره» ليس فيلما محايدا

حوار ــ أحمد فاروق:
نشر في: الأحد 29 نوفمبر 2020 - 7:04 م | آخر تحديث: الأحد 29 نوفمبر 2020 - 7:04 م

* قدمت الفيلم ردًا على تعامل الإعلام الغربى مع اللاجئين السوريين باعتبارهم مجرد «أرقام» وليسو بشرًا
* الحصول على موافقة مونيكا بيلوتشى كانت أسهل شيء فى مراحل صناعة الفيلم.. ولم تفرض شروطًا أو أجرًا كبيرًا
* لا أعرف «محمد حسين«.. ولكن قصته تشبه فيلم فرنسى كوميدى بعنوان «الموشوم«
* مشاركة الأفلام العربية بالمهرجانات الكبرى ليست سياسية.. وهذا الصعود سيفتح لنا أسواق جديدة فى العالم

 


«سام على» شاب سورى حساس وعفوىٌّ، فر إلى لبنان، هربًا من الحرب فى بلاده، دون إقامة رسمية، وعندما يتعثر فى الحصول على تأشيرة سفر لأوروبا، حيث تعيش حبيبته «عبير»، يتطفل على حفلات افتتاح المعارض الفنية ببيروت، حتى يقابل فنانا تشكيليا معاصرا، ويعقد معه اتفاقا بأن يستغل ظهره فى رسم لوحة فنية، مقابل تسهيل عملية حصوله على التأشيرة.. هذه هى قصة فيلم «الرجل الذى باع ضهره» الذى اختارته تونس ليمثلها فى سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبى، بعد عرضه لأول مرة عالميا فى الدورة 77 لمهرجان فينيسيا السينمائى، قبل أن تشهد الدورة الرابعة لمهرجان الجونة السينمائى عرضه الأول فى الشرق الأوسط، وفوزه بجائزة نجمة الجونة لأفضل فيلم عربى روائى طويل.

«الشروق» التقت مخرجة الفيلم التونسية كوثر بن هنية، لتسألها عن التجربة، وما الذى دفعها لتحويل لوحة شاهدتها فى معرض إلى فيلم، ولماذا اختارت قضية اللاجئين السوريين لتكون موضوع القصة.

* الفيلم مستوحى من لوحة على هيئة وشم للفنان البلجيكى ويم ديلفوى.. لماذا اخترت أن يكون البطل لاجئ سورى؟
ــ اللوحة التى شاهدتها فى معرض فن معاصر بمتحف اللوفر، كانت مصدر الإلهام، واخترت أن يكون بطل القصة لاجئ سورى، لأن فى فترة عملى على المشروع كان اللاجئون السوريون حديث الساعة فى أوروبا، وكان الإعلام يتعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام، وكأنهم ليسوا بشرا، فالجانب الإنسانى اختفى تماما فى تناول قضيتهم، وكان لدى أزمة فى ذلك، ومن هنا جاءتنى فكرة الربط بين اللوحة التى شاهدتها وأن يكون بطل القصة لاجئا سوريا، ليكون للمشاهد فرصة لفهم الآخر، والدخول فى نفسيته.

* عادة تناول مثل هذه الموضوعات يكون شائكا.. فهل الفيلم يخدم قضية اللاجئين السوريين أم يستغلها؟
ــ ليس من أهداف الفيلم خدمة قضية ولا استغلالها أيضا، فما يهمنى هو الإنسان، ورحلته الداخلية النفسية، وكذلك رحلته الخارجية من الشرق الأوسط لأوروبا، وبشكل عام فى السينما، يهمنى أمرين، روح الفيلم وقلبه النابض، بحيث كل إنسان يشاهد الفيلم من أى دولة فى العالم مهما كانت جنسيته يستوعبه ويفهمه ويشعر أنه يخاطبه، الأمر الثانى هو سياق الفيلم الجغرافى، وهو ما تحقق فى «الرجل الذى باع ضهره».

* لكن من المؤكد أنك فكرت فى الصورة التى سيظهر عليها اللاجئ السورى.. وهل هو يستحق مصيره أم أن النظام مسئول؟
ــ الفيلم هو معادلة فى نهاية الأمر، فأنا تعمدت تناول القضية من زوايا مختلفة، لأن كل إنسان فى حياتنا لديه وجهة نظره الخاصة، وهذه هى الحياة، فلا أحد على صواب 100%، وقناعتى أن السينما تكون أكثر ثراء عندما ترصد التعددية الموجودة فى الحياة بالنسبة لموضوع معين.

* هل هذا يعنى أنك كنت محايدة فى تناول القضية؟
ــ أكره كلمة الحياد لأنها غير موجودة، فأنا أطرح زوايا مختلفة لوجهات نظر مختلفة، والفيلم ليس محايدا، لأنه يتتبع حكاية «سام علي» ويتبنى وجهة نظره، ولذلك اخترت أن يكون هو الشخصية الرئيسية وليس المدافع عن حقوق الإنسان أو الدبلوماسى السورى أو الفنان الذى رسم اللوحة، فوجهة نظر الفيلم هى قصة اللاجئ السورى الذى تحول إلى لوحة فنية، لكن خلال رحلته هناك شخصيات تراه كلا حسب وجهة نظره.
وبشكل عام، لا يوجد فرق بين الإنسان والسياسة، فنحن كائنات سياسية بطبعنا، والسياسة موجودة فى أدق تفاصيل حياتنا، وبالتالى لا يمكن أن أقول إننى مع الفن فقط والسياسة لا تهمنى، وأعتبر هذه اللغة ليس لها معنى.

* فكرة تحول الإنسان لسلعة.. لماذا قررت تقييد حربة البطل من خلال استغلال الفن؟
ــ العملية أعقد من ذلك، فلم أقصد بهذه البساطة أن الفن مضاد للحرية، فالفنان الذى يرسم اللوحة على ضهر اللاجئ ضمن الأحداث يقول بطريقة ساخرة: «سنحول هذا الإنسان الذى لا يحق له السفر إلى سلعة، لأننا فى العالم الذى نعيش فيه السلعة أكثر حرية من الإنسان»، وبالتالى النظرة ليست مقيدة للحرية، وإنما هى نظرة ساخرة نقدية من العالم الذى نعيش فيه.
لكن هذا لا ينفى أن الفن المعاصر تحول إلى تجارة، والفنان الذى استوحينا منه قصة الفيلم كان يريد أن يقول ذلك، من خلال اللوحة التى رسمها على إنسان، كنوع من التحدى لسوق الفن المعاصر، الذى أصبح يدفع فى لوحاته مبالغ خيالية، فقرر أن يحول إنسانا إلى لوحة ليضع سوق الفن المعاصر فى أزمة، كما ظهر بالفيلم، فالفنان صاحب النفوذ، الذى حول إنسان إلى تحفة فنية، اصطدم بفكرة أن هذا الإنسان لديه اعتزاز بالنفس والكرامة، وعندما يقلب عليهم الطاولة، تتحول نظرة هذا الفنان الفوقية للاجئ الذى رسم على ضهره اللوحة، إلى نظرة شراكة بعد أن يعترف به كإنسان.

* الأفظع من استغلالك من النظام هو تجاهلك.. لمن هذه الرسالة؟
ــ هذه الرسالة سخرية سوداء، ليست فقط للاجئين السوريين، وإنما لكل الناس، فعندما يكون لديك طموح وتريد أن تنجح يمكن أن تخدم النظام أو يستغلك النظام، لكنك فى كل الأحوال ستشعر بوجودك لأنك شخص فاعل، ربما فى المقابل تجد شخصا يدعى الحرية يقول لك «أنت عبدالنظام»، ولذلك هو يرد عليه بالفيلم؛ «أسوأ من أن تكون عبدا للنظام أن يتجاهلك النظام». لأن فى تجاهله لك عدم اعتراف بوجودك.

* ظهور صاحب اللوحة الأصلية بالفيلم.. هل يعنى أنه كان معكم فى مراحل صناعة العمل المختلفة؟
ــ بعد أن شاهدت اللوحة وبدأت كتابة الفيلم، كان لابد أن أستشير صاحب اللوحة الأصلية الفنان البلجيكى ويم ديلفوى، لأن الفيلم مستوحى من شغله، فقابلته، وفرح بالفكرة، لكنه اختار فى البداية أن يكون على مسافة من الفيلم، واحترمنا رغبته.
لكن عندما انتهيت من السيناريو، وبدأت عملية اختيار الممثلين، طلب منى الممثل البلجيكى الذى يجسد فى الفيلم شخصية الفنان مقابلة الفنان الحقيقى صاحب اللوحة الأصلية، لتحضير دوره، فحددنا موعد مع «ويم ديلفوى»، خلالها عرف أن الفيلم ليس «تافها» أو سخيفا، فعاد التواصل بيننا، وأصبح لديه اهتمام بالفيلم، فاقترحت عليه تقديم شخصية «رجل التأمين»، فوافق على الظهور.
وبالتوازى مع ذلك كنا نبحث عن متحف كجزء من الديكور، فعرفنا أن لديه معرضا فى بلجيكا بأحد المتاحف الملكية، فطلبنا منهم التصوير وتمت الموافقة.

* اختيار مونيكا بيلوتشى لدور رابع بالفيلم.. هل ضرورة درامية أم هدف تسويقي؟
ــ الاختيار تم لأسباب مختلفة، فشخصية «سريا» عكس طبيعة مونيكا بيلوتشى، فهى ليست إنسانة باردة، ولديها مسافة من الناس، أو نظرة فوقية فى تعاملاتها، وهذا تأكد عندما اقترحنا عليها الدور وافقت على الفور، فلن يصدق الكثيرون أن أسهل شيء حدث فى هذا الفيلم هو الحصول على موافقة مونيكا بيلوتشى، فبعد أن قرأت السيناريو وشاهدت فيلمى السابق، على الفور قالت موافقة، بدون أى شروط.
وربما يكون ارتباط اسمها بالفيلم ساهم فى التسويق للفيلم، لكنها فى نفس الوقت لم تكن مفيدة بالتسويق بدرجة كبيرة، لأن دورها فى النهاية ثانوى، فلو كانت تقدم الشخصية الرئيسية لظهرت فى حوارات صحفية وتلفزيونية، لتتحدث عن الفيلم.

* ألم يكن أجرها عبئا على ميزانية الفيلم؟
ــ ليس لدينا ميزانية كبيرة تسمح لنا بأن ندفع أجرا كبيرا لنجم، كما أننى بشكل عام أرفض أن يحصل فنان فى فيلم على جزء كبير من الميزانية لمجرد ظهوره فى الأحداث، فكل شيء بما فى ذلك الممثلون يجب أن يكون لخدمة الفيلم، وليس لخدمة فرد.
ربما مصر لديها نظام تجارى، فيتم الاستعانة باسم كبير لكى يحقق الفيلم إيرادات، لكن فى تونس وكذلك أوروبا النظام ليس كذلك، فالممثل عموما يعمل بحب، عندما يجد أن السيناريو جيد يوافق بلا شروط مهما كانت نجوميته.
ومن المؤكد أن مونيكا بيلوتشى، عندما شاركت فى «ماتريكس» أو «جيمس بوند» حصلت على أجر كبير جدا، لكن عندما يعرض عليها مثل فيلمى تفهم بذكائها أنه لا يوجد ميزانية، فلم تطلب أجرا كبيرا من البداية.
وأنا قلت لها من البداية لا يوجد ميزانية لندفع لك أجرك العادى، والحقيقة أن مدير أعمالها لم يعجبه ذلك، ولكنها وافقت مباشرة، لأنها أحبت القصة.

* اعتبر الفيلم عودة هذا اللاجئ إلى مدينة «الرقة» فى سوريا نهاية سعيدة.. فهل كانت منطقية؟
ــ ضحكت قائلة: أنا كبرت مع السينما المصرية ونهايات أفلامها السعيدة.. ولا أرى مشكلة فى أن تكون النهاية سعيدة، فنحن نعيش فى عالم صعب به كثير من المشاكل وهناك نوع من فقدان الأمل، ورغم أننا لم نؤكد فى الفيلم أنه عاد إلى الرقة أو مدينة غيرها، ولكن نريد أن نقول فقط، إنه استطاع أن يمسك زمام الأمور فى حياته.

* هناك فيلم مصرى بعنوان «محمد حسين» تدور أحداثه حول نفس فكرة «الرجل الذى باع ضهره».. كيف ترين الربط بينهما؟
ــ لا أعرف فيلم «محمد حسين»، لكن فى كل الأحوال هناك فيلم فرنسى كوميدى قديم بعنوان «الموشوم» يشبه قصته، ربما يكون مأخوذا منه، ويحكى أيضا عن فنان مشهور رسم وشما على ظهر رجل.

* أخيرا.. يختصر البعض وصول السينما العربية للمهرجانات الدولية فى القضية التى تتناولها الأفلام وليس لجودتها.. هل هى نظرة ظالمة أم تحمل قدرا من الحقيقة؟
ــ الفيلم ليس معادلة رياضية، لكن فى نفس الوقت الصنعة لابد أن تكون موجودة، والذين يختارون الأفلام المشاركة فى المهرجانات الكبرى بشر مثلنا، مختلفون فى أذواقهم، بعضهم يحبون نوعية من الأفلام، وبعضهم يحب نوعية أخرى، لكن فى كل الأحوال طريقة الاختيار أعقد بكثير من النظرية البسيطة التى يصورها البعض بأن المهرجانات الكبرى تختار الفيلم العربى سياسة وليس فنا، فهم يشاهدون أفلاما من العالم كله، وعندما يجدون فيلما باهتا لن يختاروه، وعندما يجدون فيلما به طرح جديد ونظرة مختلفة يختارونه.
لكن فى عالمنا العربى نحب تبسيط الأشياء، ونظلم أنفسنا بأن نقول اختيار الفيلم من أجل القضية التى يتناولها، لأننا يجب أن نثق أكثر فى سينمائيين المنطقة الذين يذهبون بأفلامهم إلى مهرجانات العالم.
وأرى أنه لابد من استغلال هذا الصعود للسينما العربية، لتلفت الأنظار أكثر من ذلك كما حدث مع السينما الإيرانية والآسيوية، لأنها إذا أصبحت ملحوظة سيعود ذلك بالفائدة على جميع السينمائيين العرب، وستفتح أسواقا جديدة للفيلم العربى فى كل دول العالم.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك