اجتمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نظيره الصيني شي جين بينج يومي 14و15مايو الجاري لمناقشة ملفات التجارة وإيران ومستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. ولكن كان لدى شي في ذهنه قضية واحدة تأتي على رأس كل القضايا الأخرى ألا وهى تايوان.ويرى المحلل السياسي جيسون هسو أنه لا ينبغي أن يكون ذلك بمثابة مفاجأة لأي شخص.
وقال هسو، وهو زميل بارز في معهد هدسون، حيث يركز على التعاون التكنولوجي للولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، إنه بالنسية لبكين ، لا تعد تايوان قضية هامشية في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، بل أنها تصبح محور الاستقرار بين واشنطن وبكين.
وقدم شي بشكل ضمني عرضا للرئيس ترامب خلال اجتماعهما: إذا كانت أمريكا تريد علاقة أكثر هدوءا مع الصين ، فإن بكين تتوقع من واشنطن أن تقلص دعمها لتايوان.
ويقول هسو إنه يتعين على الرئيس ترامب أن يرفض تلك المقايضة.
وليس هدف شي على المدى القريب بالضرورة غزوا فوريا لتايوان. وسوف تفضل بكين أن تنتصر بدون أطلاق رصاصة واحدة. وتتمثل الاستراتيجية في تقليص حجم الفضاء الاستراتيجي لتايوان وإبطاء تحديثها العسكري وعزلها دبلوماسيا وجعل كل إجراء أمريكي بشأن تأيوان خاضعا لموافقتها.
وعلى هذا الأساس ، لا تعد تايوان مجرد نقطة توتر عسكري، إنما تعد حالة اختبار بشأن ما إذا كان يمكن للصين الضغط على أمريكا لحملها على قبول توازن جديد للقوى في آسيا.
وأضاف هسو أن الاختبار الأكثر إلحاحا يتمثل في صفقة الأسلحة التي تبلغ قيمتها 14 مليار دولار لتايوان والتي تم إيقافها لعدة أشهر. وترددت تقارير مفادها أن الصفقة تتضمن نظما تحتاج إليها تايوان بشكل ملح : قدرات التصدي للطائرات المسيرة وصواريخ ومعدات القيادة والسيطرة في ميدان القتال.
وناشدت مجموعة تضم أعضاء من مجلس الشيوخ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي الرئيس ترامب بالمضي قدما في الصفقة، مشيرين إلى أن الكونجرس قد وافق مسبقا بالفعل على البيع وأن الهيئة التشريعية في تايوان قد مررت ميزانية دفاع مهمة. ومنذ الاجتماع قال ترامب إنه يعتبر صفقة الأسلحة "ورقة تفاوضية جيدة جدا" مع الصين.
وفي الحادي والعشرين من مايو الجاري ، أعلنت الإدارة الأمريكية أنها أوقفت بيع الأسلحة ، من المفترض لضمان امتلاك أسلحة كافية لحرب إيران. وبصرف النظر عن السبب، تتعامل بكين مع هذا بوصفه انتصارا مهما.
وسوف يظهر هذا أن مبيعات الأسلحة لتايوان لم تعد مسألة قانون أمريكي ، أو احتياجات دفاعية لتايوان أو دعم من الكونجرس. وإذا ترسخت هذه السابقة ، سوف تحاول الصين أن تستخدم حق النقض (الفيتو) ضد كل بيع أسلحة في المستقبل من خلال التهديد بعدم الاستقرار.
وعلى مدار أكثر من 40عاما ، حافظت الولايات المتحدة على توازن دقيق : حيث أنها لا تدعم استقلال تايوان ،ولكنها تعارض أي تغييرات أحادية الجانب للوضع الراهن من خلال استخدام القوة أو الإكراه. وحافظ هذا الغموض على السلام في شرق آسيا.
ويريد شي الآن أن يغير لغة الخطاب والتوازن.وترغب بكين أن يقول ترامب إن الولايات المتحدة تعارض استقلال تايوان – هذه صياغة سوف تدفع واشنطن للتحرك لتكون أكثر قربا من موقف الصين وتقليص الوضع الدولي لتايوان.
وحتى الآن، يبدو أن ترامب تجنب الإعراب عن مثل هذا الالتزام العلني.وذلك أمر مهم. ولا يعد الغموض الاستراتيجي ضعفا، بل أنه نفوذ وقوة، تمنع بكين من افتراض أن أمريكا سوف تتنحى جانبا بينما تمنع أيضا أي طرف من الاعتقاد بأن لديه الحرية الكاملة والسلطة المطلقة لعمل ما يريد.
ولا تعد تايوان مجرد جزيرة تبعد 100 ميل عن ساحل الصين ، بل أنها نقطة مركزية للاقتصاد العالمي وللمستقبل التكنولوجي لأمريكا.
وتصنع تايوان اكثر من 90% من الرقائق الأكثر تقدما، وتعتمد شركات أمريكية مثل آبل وإنفيديا بشكل كبير للغاية على قدراتها المتقدمة في تصنيع أشباه الموصلات . وتوفر تلك الرقائق الامكانيات لقطاع الذكاء الاصطناعي الأمريكي ومراكز البيانات والهواتف الذكية والسيارات والحوسبة السحابية ونظم الأسلحة والمستشفيات والأسواق المالية.
وأضاف هسو أنه إذا سيطرت الصين على تايوان ، فإن هذا لن يكون ببساطة أزمة إقليمية فحسب . فسوف يتسبب ذلك في هز وول ستريت المركز المالي للولايات المتحدة والعالم. وسوف تتعرض سلسلة امدادات التكنولوجيا العالمية لأضطراب .وسوف يتم وضع طموحات أمريكا بشان الذكاء الأصطناعي تحت رحمة بكين . وسوف يتوصل حلفاء الولايات المتحدة في عموم آسيا إلى استنتاج بأن الالتزامات الأمريكية تكون قابلة للتفاوض تحت الضغط.
وهذا هو سبب لماذا لا يمكن معاملة تايوان مثل ورقة مساومة . وكلما أصبح لا يمكن الاستغناء عن تايوان التي تزداد أهمية من الناحية الاستراتيجية ، كلما أصبح مقايضتها أمرا أكثر صعوبة.
ويتعين على ترامب أن يفهم أن الرئيس شي يتفاوض من وضع ثقة . وتسيطر الصين على سلاسل امداد المعادن المهمة وعناصر الأرض النادرة التي تحتاج إليها الصناعة الدفاعية الأمريكية ، وأنها تحرز تقدما في نشر الذكاء الاصطناعي.
وتعرض الصين التعاون في قضايا مثل الفينتانيل وإيران بينما تطالب بتقييد التحرك بشأن تايوان في المقابل . وتلك بالضبط الكيفية التي تحول بها بكين "الاستقرار" إلى قوة ونفوذ.
والإشارات التحذيرية واضحة . إذا استخدم ترامب كلمة "يعارض" بدلا من "لا يساند" فيما يتعلق باستقلال تايوان ، سوف تدعي بكين تحقيق نصر دبلوماسي .وإذا استمر تأخير صفقة الأسلحة بقيمة 14مليار دولار ، سوف يدعى شي تحقيق نصر استراتيجي. وإذا سمحت واشنطن بأن تصبح السياسة الخاصة بتايوان جزءا من إطار عمل أوسع نطاقا لتحقيق الاستقرار بين الولايات المتحدة الصين ، سوف تطالب بكين بحق إدارة علاقة أمريكا مع تايوان.
ويعد إقامة علاقة مستقرة بين الولايات المتحدة والصين هدفا يستحق السعي لتحقيقه. ولكن أي استقرار يتم شراؤه بإضعاف تايوان ليس استقرارا، ولكن يعد استرضاء باسم آخر. وسوف يؤدي ذلك إلى ممارسة المزيد من الضغط وليس أقل. وسوف يكون هذا بمثابة إشارة لبكين بأن الإكراه يؤتي ثماره ، كما سوف يكون إشارة إلى الحلفاء بأن التزامات أمريكا تعتمد على الأجواء في القمة القادمة.
ويضيف هسو أنه لا يمكن تحقيق اتفاق جيد مع الصين على حساب مصداقية أمريكا وتوازن القوى في آسيا أو أمن الاقتصاد التكنولوجي العالمي. وإذا كان شي يريد الاستقرار ، فإن الطريقة بسيطة، وتتمثل في التوقف عن تهديد تايوان وعن التهديد العسكري وعن محاولة تحويل مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى حقوق صينية للمساومة .
واختتم هسو تقريره بالقول إن لا يجب أن تكون تايوان معروضة للبيع في مزاد . ويتعين على الرئيس ترامب أن يوضح أن دعم أمريكا لحق تايوان في الدفاع عن النفس ليس للبيع.