إصلاح النظم العربية.. مصالح ومخاوف ومحاور - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 1:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

إصلاح النظم العربية.. مصالح ومخاوف ومحاور

نشر فى : السبت 2 نوفمبر 2019 - 9:15 م | آخر تحديث : السبت 2 نوفمبر 2019 - 9:15 م

فى مقال الأسبوع الماضى تساءلت عن سبب تأخر ومقاومة الإصلاح من قبل معظم الأنظمة الحاكمة فى المنطقة العربية. وافترضت أن إما أن هذه الأنظمة ترى أن الإصلاح متعارض مع مصالحها، أو أن لديهم مخاوف محددة إذا ما أقدموا على تقديم تنازلات سياسية، أو أن بعض هذه الأنظمة قد لا يعرف من أين يبدأ!
قطعا هذه كلها افتراضات نظرية، وقد تكون هناك أسباب أخرى، مثل أن بعض الأنظمة لا تفهم معنى الإصلاح أصلا، أو لا ترى الشعب من الأساس! ولكن وبافتراض أن البعض يرى ولكن لديه أسباب أخرى، فسأناقش هذه الأسباب.
أولا وفيما يتعلق بتعارض مصالح الإصلاح السياسى مع بعض الأنظمة السياسية، ففى الواقع هذا سببه الأساسى طريقة النظر إلى السياسة باعتبارها معادلة صفرية. لابد وحتى أفوز بكل شيء أن يخسر خصمى كل شيء أيضا! والحقيقة أن مصلحة كل الأنظمة الحاكمة هى أن تشارك أوسع قطاعات ممكنة من النخب فى عملية صنع القرار والوصول إلى الموارد، لأن مشاركة بعض المكاسب حاليا أفضل من خسارتها جميعا حال وجود انفجار شعبي!
قطعا تغيير الإدراك السياسى للحكام ليس بالأمر الهين، وللأسف ففى حين أن دول مثل البرازيل أو تشيلى حدث بها تغير وعى وإدراك الحكام بشكل طوعى وبلا عنف، إلا أن الخبرة العربية تقول إن معظم الحكام العرب لا تتغير قناعتهم ولا إدراكهم بسهولة وعادة لا يحدث ذلك إلا بالإجبار أو الضغوط الخارجية، فهل يعى الحكام العرب أن عين مصالحهم هى فى المبادرة بالإصلاح والسماح بالمشاركة فى صنع القرار بدلا من المقامرة بالوطن؟!
ثانيا، هناك قطعا مخاوف لدى بعض الحكام العرب من الإصلاح، وتتلخص هذه المخاوف من خبرات تاريخية مشابهة فى الخوف أن يكون الإصلاح هو بداية لتقديم سلسلة تنازلات أكبر قد لا يرغب النظام فى تقديمها، أو الخوف من الاضطرار إلى مشاركة الحكم مع قوى سياسية تمثل أيديولوجيات أو أفكار أو طوائف بعينها، وأحيانا يكون الخوف هو من فقدان المناصب ذاتها وما قد ينتج عنه ذلك من محاسبات أو محاكمات... إلخ.
والحقيقة أن المخاوف مشروعة ومبررة ولكن هذه هى ضريبة السلطوية وسنوات عدم المحاسبة ولا المراقبة، ولكن هذا لا يجب أن يعيق الإصلاح، لأن الإصلاح أولا يكون عادة به مخارج آمنة أو ضمانات أو اتفاقات متبادلة للحماية القضائية جزئيا أو كليا، وثانيا لأن المزيد من السلطوية وتأجيل الإصلاح لن يعنى فى الحقيقة سوى زيادة المخاطرة وتقليل فرص اتفاق الضمانات أو التفاوض حولها.
أما الخوف من اضطرار التعامل مع بعض الخصوم الفكريين أو التاريخيين كنتيجة لهذا الإصلاح فيمكن هنا إعادة التذكير بالمذكور أعلاه وهو أنه كلما بدأت الإصلاح مبكرا بلا تأخير كلما تمكنت من وضع شروط التفاوض والمشاركة والعكس صحيح، كلما كان التأخر كلما قلت فرص التحكم فى مسار أى تفاوض إصلاحى ولعل الخبرة اللبنانية الآن هى أكبر دليل على ما أقول! كذلك فالإصلاح فى النهاية هو عملية توافقية، ولا إصلاح دون القبول ابتداء بحق الجميع فى المشاركة السياسية دون انتقائية، يمكن وضع كل القيود القانونية والعقوبات المقررة على من يستخدم العنف والإرهاب أو من يخالف القانون والدستور بأى شكل من الأشكال ولكن لا يمكن أبدا استبعاد أو التمييز ضد فئات بعينها بحجة الخصومة التاريخية أو الفكرية طالما التزمت بالقانون والدستور.
ثالثا: فيما يتعلق بتفاصيل الإصلاح، فقطعا قيمة الكلام النظرى تقل لأنه ليس مطروحا أمامنا رؤية للتغيير أو الإصلاح، مجرد همسات غامضة من هنا وهناك، ورغم ذلك يمكن طرح ما يمثل الحد الأدنى الذى يمكن الحديث معه عن إصلاح.
***
هدف أى إصلاح هو قناعة ذاتية أن التغيير حتمى وأن طريقة الحكم الحالية لا تحقق مصلحة من يحكم. هذه القناعة لا تنتج عادة من قيم أخلاقية، لأن التاريخ يقول إنه حتى أعتى الأنظمة تسلطا تمكنت من تطوير «كود أخلاقى» خاص بها، ولكن القناعة تكون نتيجة لتغير فى الوعى، بمعنى بمبادرة من الحاكم لقناعته أن فى التغير مكسبا، إلى حد ما يمكن هنا الحديث عن تجربة البرازيل أو كوريا الجنوبية. أو تكون هذه القناعة ناتجة من اضطرار لتغير الظروف السياسية داخليا أو إقليميا ودوليا. وأيا كان النموذج الذى ستتبعه الدول العربية حال توافر قناعة الإصلاح فلا يجب التعامل مع الأخير إلا عن كونه «مصلحة» برجماتية يحتاجها الجميع، حاكما ومحكوما وهو ما أدعيه فى الحالة العربية حيث المصلحة تقتضى الإصلاح.
هنا الإصلاح لابد وأن يشمل ثلاثة محاور رئيسية، المحور الأول هو محور الاتصال السياسى، المحور الثانى هو محور الإجراءات، والمحور الثالث هو محور السياسات. وللتبسيط يمكن طرح ما يلى:

محور الاتصال السياسى ويشمل هذا المحور قدرة المعارضة أو المستقلين بشكل عام عن التعبير عن آرائهم فى وسائل الإعلام، كما يشمل طريقة حديث الحاكم إلى المحكوم والذى يجب أن يكون اتصالا فى اتجاهين، أن يتحدث الحاكم إلى المحكوم وأن يتحدث المحكوم إلى الحاكم، وهو ما يمكن تخيله مثلا فى الحوارات الوطنية حول قضايا التنمية أو الشباب أو غيرها، بحيث لا تكون هذه الحوارات فى اتجاه واحد أو بمعنى أبوي/تربوى كما تفعل معظم الأنظمة العربية.

أما محور الإجراءات، فيتعلق بأربعة أبعاد فرعية، البعد الأول هو ببساطة يتعلق بإعادة النظر فى المحبوسين على ذمة قضايا تتعلق بالآراء أو المواقف السياسية، ولا تتعلق باتهامات العنف والإرهاب. صحيح أن بيت القصيد ليس فى مجرد الإفراج عن هؤلاء، ولكنه إجراء بناء ثقة وإبداء حسن النية، كذلك فهو إجراء تسويقى أمام الرأى العام داخليا وإقليميا ودوليا. أما البعد الثانى فيتمثل فى إتاحة الفرصة للأحزاب أن تمارس أنشطتها السياسية بحرية ودون تقيد أو قمع! فلا مجال للحديث عن عدم وجود بديل أو عن فشل الأحزاب لطالما لا توجد عملية سياسية تتيح للأحزاب القيام بأدوارها الطبيعية! أما البعد الثالث المتعلق بالإجراءات فهو بعض القوانين والقواعد المنظمة للانتخابات، فلا يتخيل ألا يكون هناك فرصة للأحزاب السياسية المشاركة فى عملية تمثيل المواطنين والمشاركة فى التشريع حتى لو لم تحصد الأغلبية ثم يكون التوقع أن تقدم بديلا! لابد أن يكون هناك قوانين جديدة تعطى فرص أكبر للأحزاب للمنافسة الحرة وعدم التقيد بالرؤى الأمنية أو بالتوازنات الطائفية أو الطبقية أو غيرها لأن هذه القيود فى معظم الدول العربية لم تؤد سوى إلى تعطيل الحياة السياسية برمتها. ثم يأتى البعد الرابع والأخير والمتمثل فى إعادة مناقشة مساحات المشاركة السياسية والاقتصادية بين المكون المدنى والمكون الأمني/العسكرى فى الأنظمة العربية.

ثم يأتى محور السياسات، ويشمل بدوره ثلاثة أبعاد فرعية، البعد الأول متعلق بطريقة اتخاد القرار فى السياسات العامة، فلا يكون القرار معبرا عن رؤية شخصية للقائد ولكن يكون قرارا مؤسسيا يشارك فيه أكبر عدد ممكن من القوى السياسية، وهذا قطعا مرتبط بمحور الإجراءات، لأن وجود برلمان تشاركى يمكن من توسيع قاعدة صنع القرار، أما البعد الثانى وهو متعلق بالرقابة والمراجعة والمحاسبة ومن ثم إعادة تقييم هذه السياسات وجدواها، وأخيرا بعد الشفافية، فالسياسات العامة من صحة وتعليم وتنمية لا يجب التعامل مع تفاصيلها باعتبارها من الأسرار الحربية لأنها تتعلق بأدق تفاصيل حياة المواطنين!
هذه رؤية شخصية، ولكنى لا أرى غيرها لتجنب مصير مظلم للدول العربية ما لم يستجب حكامها لمطالب الإصلاح، ويلحقوا بالركب التاريخى للتقدم والتحضر.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر