السلطة القضائية أمام لجنة الخمسين - كريم الشاذلى - بوابة الشروق
الأحد 24 أكتوبر 2021 8:01 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

السلطة القضائية أمام لجنة الخمسين

نشر فى : الإثنين 2 ديسمبر 2013 - 7:30 ص | آخر تحديث : الإثنين 2 ديسمبر 2013 - 7:30 ص

إن نصوص السلطة القضائية فى مشروع الدستور سيئة. نصوص مشروع الدستور أشبه بإعلان استقلال الهيئات القضائية عن الدولة المصرية. فمبدأ استقلال السلطة القضائية يعنى بالأساس عدم تدخل أى شخص أو سلطة فى القضايا المنظورة وعدم إمكانية عزل القضاة أو التأثير عليهم ولكنه لا يمنع بحال من الأحوال من اشتراك باقى سلطات الدولة ــ بما لها من شرعية ديمقراطية ــ فى تشكيل بعض المحاكم خصوصا تلك التى لها دور سياسى.

يمنح مشروع الدستور اختصاصا مطلقا للمحكمة الدستورية العليا فى اختيار أعضائها دون أى رقابة وقد صور هذا الأمر على أنه من مقتضيات استقلال السلطة القضائية وهذا غير صحيح إلا لو كان المقصود استقلالها عن الدولة المصرية. فأنا لا أعلم محكمة دستورية واحدة فى العالم تنفرد باختيار أعضائها. دائما تشارك باقى السلطات (التشريعية والتنفيذية) فى تشكيل المحكمة الدستورية التى لها ــ بطبيعة عملها ــ دور سياسى. هذا هو الحال مثلا مع المحكمة الدستورية فى ألمانيا والمحكمة العليا فى أمريكا والمجلس الدستورى فى فرنسا. فهل المحاكم الدستورية فى كل هذه الدول غير مستقلة؟ فهل أخطأ العالم كله فى فهم مبدأ استقلال القضاء ونجح فى ذلك فقط بعض القضاة المصريين؟ كل الدول تحاول تحقيق توازن بين السلطات ولم تقبل أن تكون سلطة من سلطاتها دولة مستقلة داخلها. قبل ثورة يناير، لم تكن هنالك للسلطتين التنفيذية والتشريعية أى شرعية فكان مفهوما أن نطلب إبعاد هاتين السلطتين إبعادا مطلقا عن السلطة القضائية ولكن هذا الوضع تغير بعد وجود انتخابات على قدر من النزاهة.

لذلك، لم تكن هناك حاجة لتحديد طريقة تشكيل المحكمة الدستورية فى الدستور وكان يجب تنظيمها فى القانون بعد دراسة المسألة دراسة علمية، ونفس الملاحظات تنطبق إلى حد ما بخصوص اختيار النائب العام وبخصوص تشكيل مجلس القضاء الأعلى.

 

الاستبداد ليس حكرا على السلطة التنفيذية. فسبب الاستبداد ليس كلمة «تنفيذية» ولكن كلمة «سلطة». فالسلطة المطلقة ــ أى سلطة ــ مفسدة مطلقة. ومشروع الدستور يعطى سلطات مطلقة للهيئات القضائية دون وجود أى نوع من الرقابة أو إمكانية للمحاسبة. ففى وسط عشرات المواد التى تضمن حقوق وامتيازات للقضاة، ليست هناك مادة واحدة تتناول أخطر مشاكل القضاء المصرى وهى غياب أى معايير لاختيار القضاة. فالدول المتقدمة وغير المتقدمة تنظم «مسابقة» لاختيار القضاة. نحتاج مادة واحدة فى الدستور تقول إنه لابد من اجتياز مسابقة للالتحاق بالنيابة والقضاء وأن تقوم بتنظيم هذه المسابقة هيئة محايدة مكونة من قضاة ومن باقى رجال القانون. المسألة بسيطة وستكفينا احتجاجات ممن لم يتم اختيارهم (وهم على حق فى عدم فهمهم سبب استبعادهم لأنه ليست هناك معايير للاختيار) وسترفع من كفاءة الهيئات القضائية بالإضافة إلى الحد من الحساسيات بين القضاة والمحامين. ومن اللافت للنظر أنه بينما اختلف القضاة فى ما بينهم بخصوص «اختصاصاتهم»، فإنهم اتفقوا على عدم إثارة مسألة اختيار القضاة لأسباب تعلمونها.

 

إذا أراد القضاء حصانات فيجب أن يكون لها مقابل. أقل شىء هو أن يلزم الدستور مختلف الهيئات القضائية بتقديم تقرير سنوى للبرلمان وللرأى العام عن أعمالها وعدد القضايا المفصول فيها والمشاكل التى تواجهها حتى نتبين ما هو المقابل لامتيازات القضاة. القضاة فى معظم دول العالم يفصلون فى القضايا فى مدة زمنية معقولة ويفصلون فى النزاعات العسكرية الخالصة (ولا يجرؤ أحد على اتهامهم بأنهم غير صالحين لمحاكمة المدنيين المتهمين بالإضرار بمصالح الجيش كما يحدث فى مصر) ولا يتحدثون فى السياسة ومع ذلك لا يطالبون بالاستقلال عن دولهم. بالطبع، لا أحمل القضاة المصريين مشاكل القضاء المصرى لأنهم ضحايا النظم الحالية والسابقة والأسبق ومختلف القوى السياسية الذين يعاملون القضاة كصديق أو عدو وليس كمؤسسة تحتاج إصلاحا جذريا. لا أحمل القضاة المسئولية ولكننى أحملها لكم يا أعضاء لجنة الخمسين يا من «تدسترون» قواعد شاذة ووضعا فاسدا.

لا يعطى مشروع الدستور أى ضمانة لتحسين خدمة العدالة فى مصر أو حتى إمكانية إصلاحها ذلك أنكم تنصون على عدم جواز تعديل قوانين الهيئات القضائية إلا بأغلبية ثلثى أعضاء البرلمان. فبعد إغلاق باب الإصلاح فى الدستور، تغلقون باب الإصلاح عن طريق القانون!

لو أخطأ رئيس الجمهورية فلن ينتخبه الشعب مجددا أو سيثور عليه. ولكن ماذا نفعل عندما يخطئ القضاء؟ حتى مجرد النقد العلمى والموضوعى لم يعد سهلا فتهمة إهانة السلطة القضائية جاهزة لمن تسول له نفسه إبداء رأى مخالف فيما يخص الشأن القضائى.

 

فلسفة الدستور يجب ألا تكون حماية الدولة من المواطنين ولكن حماية المواطنين من بطش الدولة. أود أن أعبر عن اندهاشى من طريقة صياغة المواد. فآخر من يجب أن يصوغ مادة من مواد الدستور هو المخاطب بهذه المادة لأنه يكون غير محايد لكونه صاحب مصلحة فى هذه المواد. يجب بالطبع الاستماع للمخاطبين بالقاعدة القانونية ولكن لا يجوز لهؤلاء أن يستأثروا بصياغة المواد التى تخاطبهم. فلا يجوز أن تصوغ كل جهة النصوص المنظمة لها فى الدستور لأن النتيجة ــ كما نراها فى مشروع دستوركم ــ هى تقرير حقوق وامتيازات دون تقرير أى نوع من الالتزامات أو الضمانات للشعب وباقى المؤسسات. أتمنى أن تراجع لجنة الخمسين ما قامت بصياغته فمشروع الدستور بشكله الحالى يهدد الدولة المصرية وينذر بتقسيمها وتفككها.

كريم الشاذلى باحث دكتوراه بجامعة السوربون
التعليقات