تجارب الرؤساء فى مواجهة الانتفاضات الشعبية - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 يوليه 2020 7:46 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

تجارب الرؤساء فى مواجهة الانتفاضات الشعبية

نشر فى : الإثنين 4 فبراير 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 4 فبراير 2013 - 10:01 م

واجه كل رؤساء مصر فى العصر الجمهورى انتفاضات شعبية بدت لكل منهم تهديدا خطيرا لسلطتهم واستقرار حكمهم، ولكن تباينت أساليبهم فى مواجهة هذه الانتفاضات، وذلك وفقا لفهمهم لطبيعة الانتفاضة، وقدرتهم على أن يكون لهم تقديرهم الخاص لأسبابها حتى بالاختلاف عما يراه المستشارون المحيطون بهم، ويمكن القول إن رد فعل كل منهم حدد نوع السياسات التى اتبعها بعد انتهاء الانتفاضة، وذلك إذا ما قدر لحكمه أن يستمر متجاوزا هذا التحدى.

 

كان أول الرؤساء الذى واجه هذا التحدى هو جمال عبد الناصر ــ ثانى رؤساء الجمهورية فى مصر، وربما أكثرهم شعبية، حين نشبت انتفاضة العمال والطلبة فى فبراير 1968، بعد أن كان قد استقر على رأس الدولة المصرية أربع عشرة سنة، ولكن هزيمة القوات المسلحة المصرية فى حرب يونيو 1967 ألحقت ضربة قاصمة لشعبيته. ولما كان الاعتقاد السائد أن قادة سلاح الطيران كانوا المسئولين عن هذه الهزيمة النكراء، فإن الأحكام المخففة التى صدرت بحقهم فى 20 فبراير 1968 جاءت صدمة لكثير من المواطنين، وعبر عن هذه الصدمة عمال المصانع الحربية فى حلوان الذين خرجوا فى مظاهرات فى اليوم التالى لإعلان هذه الأحكام، وتجاوب معهم طلبة الجامعات المصرية فى القاهرة وعين شمس، والمنصورة والإسكندرية بعد ذلك والذين خرجوا بدورهم فى مظاهرات عارمة. فماذا كان رد فعل جمال عبد الناصر، وقد كانت تلك المظاهرات هى أول احتجاج شعبى واسع النطاق على حكمه منذ نجح فى إقصاء محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية فى مصر بعد صراع على السلطة فى فبراير ــ مارس 1954. بطبيعة الحال ألقى القبض على عشرات من الطلبة والعمال فترات قصيرة، ولكن لم يكن القمع وسلاح الأمن هما وسيلة عبد الناصر فى مواجهة هذه الانتفاضة، ولكن كانت هناك محاولة الفهم، ودارت مناقشات بعضها حاد بين قادة الطلبة وأنور السادات ألذى كان رئيسا لمجلس الأمة فى ذلك الوقت، وكذلك بين العديد من الطلبة وكتاب الأهرام، ومن بينهم الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام، والأستاذ توفيق الحكيم أديب مصرالرائد، وانتهى الأمر بقرار عبد الناصر إعادة محاكمة قادة الطيران بعد أربعة أيام من بداية هذه الانتفاضة، ليس ذلك فحسب، بل إنه أدرك من شعارات الطلبة ضرورة إصلاح نظامه السياسى، فقد أعاد تشكيل الوزارة بعدها بأيام، متخليا عن كثير من الوزراء ذوى الخلفيات العسكرية وعين مكانهم عددا من أبرز أساتذة الجامعات، وحمل خطابه فى 30 مارس 1968 معالم الإصلاح الذى ارتآه، بإعادة تشكيل الاتحاد الاشتراكى العربى، التنظيم السياسى الوحيد فى سنوات حكمه الأخيرة، وبإنشاء أربعة مجالس قومية متخصصة. لقد اعتبر عبد الناصر، وعلى العكس مما رآه بعض مستشاريه ووزرائه المتشددين، أن ما حدث كان مجرد سوء تفاهم بينه وبين الطلبة والعمال، وأنه لا يوجد تناقض بين ما طالبوا به، وما يريده هو، ومن ثم كانت الاستجابة لمطالبهم بإعادة المحاكمات والشروع فيما اعتبره إصلاحا سياسيا يتجاوب مع ما نادوا به.

 

•••

 

وواجه أنور السادات انتفاضة أوسع نطاقا وأخطر فى تهديدها لحكمه فى 18 و19 يناير 1977 بعد سبع سنوات من توليه رئاسة الجمهورية خلفا لجمال عبد الناصر، حظى خلالها بقدر من الشعبية خصوصا فى أعقاب حرب أكتوبر سنة 1973، وإن أخذت هذه الشعبية فى الانحسار منذ سنة 1975 بسبب الأزمة الاقتصادية التى تعمقت فى مصر، وكانت مناسبة هذه الانتفاضة هى الاحتجاج على قرارات الحكومة برفع أسعار عدد كبير من السلع الأساسية بنسبة كبيرة تأكيدا لعزم الحكومة على الوفاء بتعهداتها لصندوق النقد الدولى الذى كانت تأمل أن توقع اتفاقا معه يسهم فى تخفيف حدة هذه الأزمة الاقتصادية. لقد امتدت هذه المظاهرات من الإسكندرية شمالا إلى اسوان جنوبا، وشارك فيها الطلبة والعمال وفقراء المدن، واستمرت يومين تعرضت فى أثنائهما استراحات رئيس الجمهورية ونائبه حسنى مبارك للهجوم من المتظاهرين، وعلى عكس مظاهرات فبراير 1968 التى اعتمدت فيها الحكومة بداية على قوات الشرطة وحدها، لم يستتب الأمن إلا بعد نزول القوات المسلحة إلى شوارع العاصمة وفرض حظر التجول فيها.

 

لقد تراجع الرئيس السادات بدوره عن قرارات رفع الأسعار، وامتنعت الحكومة عن اتخاذ أى قرارات مماثلة حتى بداية التسعينات، ولكن بأسلوب متدرج تحت حكم حسنى مبارك، ولكن السادات أدرك خطورة الموقف الاقتصادى على استقرار حكمه، وربما يكون تفكيره فى زيارة إسرائيل فى نوفمبر 1977 مرتبطا ببحثه عن مخرج من الأزمة الاقتصادية التى كانت تعانى منها مصر، وباعتقاده أن معاهدة سلام معها وتحسن العلاقات مع الولايات المتحدة بعدها يمكن أن يعود على البلاد بالرخاء الذى وعد المواطنين أن يتحقق سريعا. ولكن السادات لم يعتبر أن المظاهرات فى يناير 1977 نتجت عن سوء فهم بينه وبين المواطنين، ولكنه نسب وحده وعلى عكس مستشاريه هذه المظاهرات لتدبير التنظيمات الشيوعية والتى ألقى قياداتها فى السجن بعد ذلك بشهور، وقيد كثيرا من حرية الإعلام ألذى اعتبره منفلتا، وأطلق على هذه المظاهرات تعبيره الشهير أنها كانت «انتفاضة حرامية».

 

•••

 

وعلى العكس من الرئيسين عبد الناصر والسادات اللذين مالا إلى التعامل السياسى مع الانتفاضات الشعبية، وإن كانا قد استخدما سلاح الأمن كرد فعل أولى، إلا إن الرئيسين اللذين خلفاهما رجحا سلاح الأمن كأسلوب وحيد فى مواجهة الانتفاضات الشعبية. كان هذا هو ما مال إليه حسنى مبارك فى بداية ثورة يناير 2011، بعد ثلاثين عام من حكم مصر هبطت خلالها شعبيته إلى أدنى حد فعبأ جهاز الشرطة لردع مظاهرات الخامس والعشرين من يناير، واكتفى فى خطابه الأول بإقالة حكومة أحمد نظيف ولكنه وضع عسكريا سابقا هو الفريق أحمد شفيق على رأس الحكومة الجديدة، واستجاب للدعوة بتعيين عمر سليمان نائبا له، وفوضه الدخول فى حوار سياسى مع قوى المعارضة، ثم تحرك ببطء نحو حل سياسى فى خطابه الثانى يوم أول فبراير باقتراح تعديلات دستورية وإعلان عزمه عن عدم الترشح فى الانتخابات التالية، ولكن كان أنصاره يعدون لحل أمنى على طريقتهم بحشد جيش من أعوانهم فى محاولة تصفية ميدان التحرير من الثوار فى اليوم التالى لخطابه، ولم يشأ أن يتخلى تماما عن السلطة فى خطابه الأخير الذى وعد فيه بنقل اختصاصاته إلى نائبه. ثم اضطر للتنحى فى 11 فبراير 2011 بعد أن تأكد أن حله الأمنى لن يجدى بعد أن أوضح قادة القوات المسلحة أنهم لن يقفوا إلى جانبه، وكان قد تصور أنهم سيعوضون أنهيار جهاز الشرطة فى مواجهة الثوار بعد ثلاثة أيام من بداية الثورة.

 

•••

 

ويواجه الدكتور محمد مرسى خامس رؤساء الجمهورية فى مصر انتفاضة شعبية تصاعدت فى الذكرى الثانية لثورة يناير، ولكنه لا يتأمل الدرس المهم من عبدالناصر والسادات، اللذين لم يترددا وكان لكل منهما قدر واسع من الشعبية، فى أن يتنازلا خضوعا لمطالب المواطنين، ولا يجد من الرؤساء السابقين من يهتدى بخطاه سوى حسنى مبارك، فيعول على الأمن الذى يتردد ضباطه وجنوده فى قمع الثوار، ويدعو نائبه المستقيل للإشراف على حوار وطنى ليس له جدول أعمال واضح ولا أى مصداقية، ويرى فى الانتفاضة الشعبية مؤامرة يدبرها قادة الثورة المضادة. لقد شيع ملايين من المصريين جنازة الرئيس الذى تنازل احتراما لمطالبها، واغتيل الرئيس الذى وصف انتفاضتها بأنها فعل لصوص، وأطاحوا بالرئيس الذى عول على سلاح الأمن؟ فلماذا لا يتعلم الرئيس مرسى من هذا الدرس؟.

 

 

أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومدير شركاء التنمية

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات