معركة الفساتين والسكاكين - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الإثنين 12 أبريل 2021 9:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

معركة الفساتين والسكاكين

نشر فى : الخميس 4 مارس 2021 - 8:10 م | آخر تحديث : الخميس 4 مارس 2021 - 8:10 م

شاهدتُ على منصة OSN الفيلم الجزائري "بابيشا"، وهو العمل الأول الذي أخرجته المخرجة الشابة مُنية مدور في عام ٢٠١٩، وثمرة إنتاج جزائري- فرنسي- بلچيكي مشترك. الفيلم الذي عُرض بمهرجان كان عام ٢٠١٩ في القسم الموازي المُخصص لأفلام المخرجين الجدد وحاز على جائزتين من جوائز سيزار عام ٢٠٢٠، هذا الفيلم مُنع من العرض في الجزائر، وذلك رغم أنه يحكي عن التزمت الفكري والجرائم الإرهابية التي عانت منها الجزائر على مدار العشرية السوداء (من ١٩٩٢ حتى عام ٢٠٠٢). أكثر من ذلك فعندما نشرت جريدة الشروق الجزائرية مقالاً لحسان مرابط عن الفيلم في فبراير ٢٠٢٠ بعنوان "بابيشا أفضل أول فيلم ولينا خودري أحسن ممثلة واعدة"، علّق عليه خمسة معلقين، ثلاثة منهم هاجموا الفيلم بعنف واستخدموا تعبيرات من نوع أن الفيلم "يدل على انحطاط أخلاقي.. شخصياً لا يشرفني أن يتم انتسابه للجزائر بلد الرجال الأبطال والنسوة الحرائر البطلات"، و"عندما تسب الأعراف والتقاليد والشرف والعفة يفرح بك الصهاينة وأعداء الإسلام"، و"فيلم يستحق مكان صغير في مزبلة"، وهكذا فإن أول سؤال يتبادر إلى الذهن بعد قراءة هذه التعليقات هو التالي: هل صحيح أن التزمت الفكري كان يمثل ظاهرة تسعينية ولم تلبث أن انحسرت بانتهاء العشرية السوداء؟
***
تدور أحداث الفيلم في مكان إقامة الطالبات الجامعيات داخل العاصمة الجزائر، ويتم تسليط الضوء على حياة خمس صديقات أجملهن وأقواهن شخصيةً هي نچمة أو ناچي كما كانت تُدلل، ومنها استُوحي اسم الفيلم "بابيشا" الذي يعني في اللهجة المحلية الجزائرية البنت الحلوة. لعبت دور البنت الحلوة باقتدار الممثلة الشابة لينا خودري، وقد نجحت هذه العفريتة المسكونة بملَكَة التقمص في أن تجعلنا نصدقها ونتوحد مع مشاعرها الصاعدة الهابطة، فلقد انتعشنا وهي ترش صديقاتها بمياه البحر وتغطس فيه، وغضبنا لغضبها وهي تصرخ بين فساتينها التي مزقتها عصابات أعداء الجمال، أما حين تجمَدَت أمام مشهد أختها ليندا فيما هي مسجاة والنسوة يغسلنها ويمسحن بالزيت جسدها المثقوب برصاصات الإرهاب الأسود فإننا تحسسنا عروقنا .
***
بقدر ما توجد مباشرَة في الفيلم من خلال المشاهد التي تعرض لنا العنف اللفظي والجسدي لجماعات الإرهاب وأذرعها النسائية، يوجد أيضاً نوع من الرمزية في رفض نچمة مغادرة الجزائر حتى وإن قرر حبيبها مهدي الهروب من محرقة التسعينيات، فها هي المرأة تبقى في الأرض وتصمد وتحاول التغيير مرة وثانية وثالثة أما الرجل فإنه يسافر إلى فرنسا خوفًا من رصاصات الإرهاب. تهكم مهدي على حبيبته نچمة لأنها ترفض الهجرة، جمع بعض تراب الأرض ووضعه على شفتيه سخريةً من تعلقها بتراب الجزائر، لكنها لم تتأثر ولم يتغير قرارها، ولعلها قالت سأبقى يعني سأبقى وأواصل معركة الوجود. ليس من الضروري أن تكون معركة الوجود معركة كبرى أو في ساحة من ساحات الاقتتال، فبعض معارك الوجود صغيرة لكنها تصنع فارقاً، ومعركة نچمة هي معركة صغيرة. كانت نچمة مولعة بتصميم الأزياء، ثم جاء قتل شقيقتها ليندا برصاص الإرهاب ليحوّل هذا الولع من مجرد ميل شخصي يخصها وحدها إلى معركة كل النساء في الجزائر. كانت شقيقتها تلف الحايك من حول جسدها حين اغتيلت وتخضّب الحايك بدمائها، والحايك هو قماش أبيض نصفه صوف ونصفه حرير اعتادت الجزائريات ارتداءه قبل أن يزحف عليهن الزي الأسود الصحراوي الدخيل. عند هذا الحد قررَت نچمة أن تُحوّل ثوب الجريمة إلى بارقة أمل، قامت بغسل الثوب لتزيل من عليه بقع الدماء الحمراء ولونته بأحمرها هي، وأحمرها هي مأخوذ من لون ثمرة البنجر، وفي ذلك رمزية أخرى، ففي مقابل دم الموت هناك لون الحياة. وكم كان جميلاً ذلك المشهد الذي حفرت فيه نچمة باطن الأرض بأظافرها بغّل ظاهر لتستخرج منه ثمرة البنجر وتغليها مع قماش الحايك فيتبدل حاله أو قل يتغير تاريخه من كونه رمز النهاية إلى كونه لحظة الميلاد .
***
أرادت نچمة أن تصنع من قماش الحايك عدداً من الفساتين تعرضها صديقاتها في بيت الطالبات خلال حفل خاص بسيط، لكن الإرهاب كان لها بالمرصاد. أرسل لها كتيبة من النساء تنذرنها بأن الله شديد العقاب فترد عليهن بأن الله غفور رحيم، وحين واصلت طريقها اقتحمن المكان ومزقن الفساتين وأطحن بماكينة الخياطة وأفسدن كل شيء. في لحظة ضعف نادرة كادت نچمة أن تتوقف عن مواصلة حرب الفساتين مع السكاكين، فما جدوى الاستمرار والإرهابيون يقفون هناك على الزاوية؟ لكنها تماسكت وصلبت طولها، وعادت من جديد تشتري اللؤلؤ وتطرز به الفساتين. نجحَت في تنظيم عرض الأزياء في مقر إقامة الطالبات، مضت العارضات تتمايلن بالحايك في موديلات أنيقة، فهذا موديل به ثنيات، وذاك منسدل، هذا مكشوف، وذاك مُغطى، وفي الأخير فستان الزفاف. حققت نچمة حلمها الذي اتحدت فيه ذاتها مع ذوات كل الجزائريات، وفي اللحظة التي خرجت فيها لتحية جمهورها وكله بنات في بنات اقتحمت كتيبة الإعدام النسائية المكان فأصابت من أصابت وأردت قتيلة من بين الصديقات الخمس .
***
مرة أخرى يخضّب الدم قماش الحايك وينازعه بياضه وتاريخه الجديد الذي حاولت نچمة أن تكتبه له، لكن البطلة لا تستسلم أيضًا في هذه المرة، تبدأ من جديد، في فمها جرح مدمم نراه من ليلة الهجوم على عرض الأزياء، وفي قلبها جرح أعمق لا نراه لكننا نشعر به، ومع ذلك تركض وتركض وتركض ومعها صديقاتها إلا واحدة (استشهدت)، تركضن جميعًا في انتظار تلك اللحظة العبقرية التي يُكتَب فيها الانتصار للفساتين على السكاكين وللحياة على الموت. إنه فيلم جميل، قيل إنه متحيز ضد الذكور لأن الرجال فيه بينهم المتحرش والمغتصب والمنغلق فكريًا والانتهازي والجبان والقاتل ولا يوجد نموذج إيجابي واحد، وهذا صحيح، لكن النساء في الفيلم أيضاً قتلن وضربن وحطمن وأغلظن القول، وعموماً فمخرجة الفيلم صاحبة قضية وقضيتها هي المرأة فلا بأس من بعض الانحياز لها. وأخيراً فإن اختيار اسم نچمة لبطلة الفيلم يريد أن يقول لنا إن في كل ظلام يوجد شيء يضيئ، فكم يا ترى نحتاج من نچمات ساطعات لنبدد طبقات الظلام من حولنا؟

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات