الطريق إلى حيث لا ندرى - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 1:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

الطريق إلى حيث لا ندرى

نشر فى : السبت 5 مارس 2016 - 10:15 م | آخر تحديث : السبت 5 مارس 2016 - 10:15 م
من المنطقى، إذا كان لايزال فى حياتنا مجال للمنطق، أن تدل أسماء خطوط المواصلات والطرق ومحطات المترو على أماكن الوصول أو الجهة التى انطلقنا منها. أما فى مصر فهناك عبقرية ما تفتقت عن ضرورة تسمية خطوط ومحطات المترو وكذا المحاور المرورية الجديدة نسبة إلى قادة عسكريين أو رؤساء سابقين وشخصيات عامة. مثلا منذ أيام قليلة أعلن رئيس الإدارة المركزية للتخطيط بالهيئة القومية للأنفاق تغيير اسم محطة مترو «النزهة 2» بالمرحلة الرابعة وإطلاق اسم النائب العام السابق عليها. وورد فى الخبر نفسه أن محطة «موقف العاشر» تسمى «المحطة التبادلية عدلى منصور».

للرجلين كامل الاحترام والتقدير، ولا مانع أن يخلد اسميهما بصورة أو بأخرى، لكن ألا يحق لمن يستقل المترو أو يكتشف المدينة أن يعرف بوضوح إلى أين يتجه دون أن يحفظ عن ظهر قلب المعادل الموضوعى لهذه الأسماء؟ هل يجب أن يستذكر من يستقل المترو ترجمة أسماء هذه الشخصيات العامة إلى أحياء ومواقع على الخريطة؟ هل من المفترض أن يتجول المواطن على شبكة الطرقات الجديدة، حاملا كتاب الدليل الذكى لمعرفة أين سيقودنا محور المشير طنطاوى أو محور الفريق الجمسى أو محور الفريق الشاذلى؟

طرق واسعة، بعضها مرصوف بعناية، تسلكها ليلا فإذا بعربات النقل العملاقة تحيط بك من كل جانب، لا مجال لأن تتوقف قليلا للاستفسار، فكل المركبات مسرعة، واللافتات، مع انطفاء الأنوار فى كثير من الأحيان، لا يسمح وضعها ولا حجمها بقراءة ما عليها بوضوح. ثم عندما تتمكن أحيانا من القراءة، تجد أن المكتوب هو: محور فلان الفلانى! وبالتالى إذا ما كنت من غير المترددين كثيرا على هذا المكان أو ذاك عليك استنتاج علاقة ما تربط هذه الشخصية العامة بالجهة التى سيقود إليها. أما إذا كنت أجنبيا لا قدر الله، فالحظ لا يحالفك بالمرة وقد تحتاج إلى مرشد سياحى يصحبك فى الشوارع، بعكس كل بلاد الدنيا التى نتجول على شبكات الطرق فيها من خلال متابعة اللافتات المحدد عليها اتجاه الأماكن تبعا لأسماء المدن أو الأحياء، دون تنجيم أو ألغاز. كذلك عندما تستخدم محطات المترو فى باريس أو لندن أو أثينا أو استانبول، قد لا تفهم لغة البلد، لكن تلجأ للخريطة لترى أى الخطوط تسلك كى تصل إلى الحى المحدد لديك فى العنوان. لا تحتاج أن تكون خبيرا أو أن تذاكر جيدا قبل الصعود إلى المترو، لأن المحطة غالبا تحمل اسم الحى الذى تبتغيه، باستثناء حالات قليلة، فهناك منطق متبع، يعكس طريقة تفكير وأسلوب تعامل مع الحياة عموما.


***
إذا ما تركت عالم المترو والأنفاق والمحاور السريعة، ووصلت بسلام إلى بعض الشوارع الرئيسية للقاهرة قد تكون المفاجآت أيضا فى انتظارك: كمين أو موكب أو أى شىء آخر كفيل بأن يشل حركة المرور، وتظل واقفا فى مكانك تستمتع بأزيز الهليكوبتر فوق رأسك، لتشعر بالأمان. جميعها تمثل هيبة الدولة، والمواكب تحديدا تجمع بين الفخامة والقوة.

عربات مصفحة ومضادة للقنابل وسيارة تشويش أو قطع للإشارات وموتسيكلات وإسعاف، إلى ما غير ذلك، بخلاف أفراد الأمن الذين يتم زرعهم فى الحدائق وعلى جانبى الطريق وفوق الجسور وتحتها. تحملق فيهم وينظرون فى اتجاهك دون أن يروك، وكأنك سراب أو هَبة تراب عابرة.

تتذكر الخديو إسماعيل الذى أنشأ أول «مصلحة للركائب الخديوية» فى العام 1863 لتنظيم المواكب الخاصة به، كانت تحيطه عربات الخيول ونحو 78 مركبة أغلبها مهداة من ملوك ورؤساء العالم. أسطول السيارات وأفراد التشريفة يجعل المشهد مهيبا، ويجعل أيضا المارة رابضين فى أماكنهم، متذمرين من عصر إلى عصر. الأيام ثقيلة، لا تمر. والخوف من الموت المفاجئ للحاكم، يظل هاجس المصريين، فالفراعنة كانوا يعتقدون أن بموته يتوقف الزمن. يختل توازن العالم، وتعم الفوضى. ولكى يتمكنوا من تفادى مثل هذه القطيعة المباغتة، لجأوا إلى عملية التحنيط التى تستمر أياما، يحفظون للفرعون سرمدية وجوده ولمن يأتى من بعده فترة انتقالية للخلافة. يأتى آخر ليسير فى موكب جديد، تحيط به الجلالة نفسها. ويظل الخوف فى الصدور، وتظل عادة تخليد بعض الأسماء على جدران المعابد أو محطات المترو، وتظل هذه الأسماء تأخذنا إلى حيث لا ندرى بالضبط.

***
تلك هموم صغيرة تلاحقنا على الطريق. وهو غالبا مزدحم، ملىء بالندوب أو غارق فى الوحل. الأرض لم تعد قادرة على البقاء هكذا، بدأت تتململ، ثم تهذى، ونحن أيضا، فالوضع لا يحتمل المزيد من الألغاز والفذلكة والارتجال.
التعليقات