أصحاب الرصيف - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 8:28 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

أصحاب الرصيف

نشر فى : الأحد 5 مايو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 5 مايو 2013 - 8:00 ص

تنهيدة طويلة، مع عقد الحاجبين... مجرد وسيلة للتعايش مع أحوال الرصيف، بحفره ونقره وبائعيه الذين افترشوا الأرض بكل أنواع الملابس التى قد يتخيلها عقل... موسيقى المهرجانات الشعبية تنطلق من كل مكان، وتتداخل الأصوات من فَرشة لأخرى فى إعلان صريح عن مشكلات الشارع، فـ«المهرجان» يحكى قصة هؤلاء الشباب والمهمشين، وظروف حياة الطبقة الشعبية والعشوائيات... إيقاع حماسى متكرر، وصفارات حادة متقطعة، تصبح أغنيات راقصة باستخدام برامج التوزيع الموسيقى على الانترنت، وتجعلنا نشعر فعلا بمعنى الكلمات «أنا اللى عشتى حرام فى حرام»! المطاردون الأبديون الذين احتلوا الأرصفة والشوارع حاليا وصل عددهم إلى 5.5 مليون بائع جائل (يعولون ما يقرب من 20 مليون آخرين)، فالقطاع غير الرسمى يمثل 50% من حجم الاقتصاد، ويوفر حوالى 60% من فرص العمل بما يعادل القطاعين العام والخاص الرسميين، فى وقت وصلت فيه نسبة البطالة إلى حوالى 17%.

 

●●●

 

لم تعد الصورة الغنائية التى رسمها سيد مكاوى للبياعين المتجهين إلى الأسواق تتماشى مع هذه الأيام، النداءات اختلفت والأصوات اخشوشنت، فالصورة التى ألفها عبدالرحمن شوقى ولحنها سيد مكاوى كانت تستلهم أغنيات الباعة وأغلبيتهم يتاجرون فى السلع الغذائية الطازجة: «عجمية يا تين، طازة يا لبن حليب يا قشطة، التمر هندى تقول شربات، بصحيح مجنونة يا قوطة...». تغيرت السلع التى تباع وتشترى بهذه الطريقة نظرا لتطور فى أنماط التصنيع والتسويق والاستهلاك معا، أما فى السابق كان البائع نفسه فى الكثير من الأحيان هو الزارع أو الصانع: فلاحة تبيع الخضراوات أو «الجبن القريش»، شخص طويل عريض «يسن السكين ويسن المقص»... لم يتوقف المجتمع عند الحالة التى سجلها باحثو الفولكلور، فصار سوق الملابس الجاهزة (فَرشات وترابيزات وأكشاك وبوكسات وخلافه) بشارع 26 يوليو وحده يشكل حوالى 10% من حجم هذه التجارة فى مصر كلها، كما تبين بعض الإحصاءات التى نشرت منذ ثلاث سنوات، بل وصار «البلطجية» فى أعقاب الثورة هم من يحمون الباعة الجائلين مقابل إتاوات يومية، والباعة هم من يحمون بعض المنشآت المجاورة مقابل أن يتركوهم يستغلون الحوائط الخاصة بهم أو المدخل... أما شرطة المرافق فأصبحت تخشى الاثنين، ولا تسيطر على الوضع العام كما نعلم جميعا، فالناس فى أعقاب الثورات قرروا أن يسترجعوا ملكية الشارع وينتشروا فى الفضاء العام فى شكل من أشكال «التحرر الفردى»، وذلك بالخروج من المكان الذى كان مخصصا لهم فى السابق، فمثلا ذكر لى صديق كيف استحوذ الباعة قديما على شارع الموسكى وخرجوا عن المساحات المحددة لهم، وتكرر ذلك فى أماكن تجارية أخرى، بمجرد أن سمح لهم الظرف التاريخى بذلك، وكان امتدادهم بلا رجعة. لم أجد ما يؤكد تلك الرواية بالدليل القاطع، ولكن وجدت صورا قديمة لميدان رمسيس الذى امتلأ حاليا بالباعة وكيف تحول بعد إقامة محطة السكة الحديد... كان لابد وأن يحظى بعناية خاصة لأنه مدخل العاصمة فتم هدم بعض الأبنية فى أواخر القرن التاسع عشر ونقل سوق السمك الذى كان مجاورا لمبنى هندسة السكة الحديد وإزالة أماكن الباعة «المتسكعين» ليتسع الميدان، وبعد مرور قرنين من الزمان إذا بالباعة يعودون مجددا بكل ثقلهم لافتراش الميدان. 

 

●●●

 

وكما هو الحال فى العديد من مدن العالم ينشأ صراعا على المساحات التى نشغلها وكيفية تقسيم الفضاء العام بيننا، نجد مثلا أن جمهور الموسيقى المستقلة وبعض مثقفى وسط البلد الذين أبدوا ــ مع الثورة ــ اهتماما ملحوظا بموسيقى «المهرجانات الشعبية» يتململ من غزوها الأرصفة بواسطة البائعين، إذ طغى هؤلاء على المساحة المخصصة لهم، وأصبح المرور مستحيلا... لقد وجدوا فى المناطق الشعبية حلفاء أقوياء لهم يشاركوهم أهداف الثورة، لكن هم ليسوا على استعداد أن تضيع حصتهم من الفضاء العام، وأن تنقلب الشراكة إلى غزو... ومن هنا تأتى مبادرات المجتمع المدنى لتقنين وتنظيم عمل الباعة الجائلين بطريقة تحمى حق المواطن فى المدينة، دون تغليظ العقوبات، وهو ما تطالب به مثلا المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التى أطلقت حملة بعنوان «بياع رصيف بياكل عيش» للعمل على تعديل شامل لقانون الباعة الجائلين الذى مر على صدوره خمسة وخمسون عاما بما يسمح بتسجيلهم وتنظيمهم... كلام الباعة يرفض الأسوار الحديدية التى فرضت عليهم من قبل، فهم يجاهرون بأحقيتهم فى أماكن بعينها يرون أنها غير مستغلة بشكل جيد ومن الممكن أن تصبح أسواقا مفتوحة ومرخصة يزاولون من خلالها نشاطهم، ومحافظة القاهرة أعلنت عن توفير 34 موقعا لإقامة سوق اليوم الواحد، ولكن الأمور تسير ببطء وكأننا وحدنا من نعانى من هذه المشكلة، فى حين أن الوضع نفسه تقريبا تكرر فى دول عدة كالهند والمكسيك والبرازيل... قد يسمح وقت الوفد الرئاسى بالاطلاع على تجربة هذه الأخيرة خلال الزيارة المرتقبة، إذا صارت منطقة «الفافيلا» الفقيرة بمنازلها العشوائية وباعتها الجائلين من معالم مدينة ريو دى جنيرو، خاصة بعد إنشاء سوق شعبى بها لجذب الزائرين.

التعليقات