الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 12:46 ص القاهرة القاهرة 19.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

بلفور.. لا سبب للاحتفال هنا.. كما لا منطق للهرولة

نشر فى : الأحد 5 نوفمبر 2017 - 6:50 ص | آخر تحديث : الأحد 5 نوفمبر 2017 - 10:21 ص

قبل مائة عام كاملة، أرسل وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد يونيل وولتر دي روتشيلد برسالته الشهيرة التي تعلن تأييد حكومة الإمبراطورية (التي لم تكن تغرب عنها الشمس) إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين «التاريخية». البريطانيون والإسرائيليون تداعوا للاحتفال. فيما ينشغل بعضنا «بصفقة» أن ننسى .. ونغلق الصفحة.

---------

حقا «لا سبب للاحتفال هنا» كما يقول الكاتب الإسرائيلي. كما لا سبب لأن ينسى البعض (هنا) حقائق التاريخ، أو حقائق المشروع الصهيوني المعلن

لم أستغرب أن تقف تيريزا ماي تحت العلم الإسرائيلي لتقول بكل صلافة وحماقة (والوصف لكاتب بريطاني في صحيفة بريطانية): نحن «فخورون» بدورنا في إنشاء دولة إسرائيل «proud of our pioneering role in the creation of the state of Israel»، فمواقف السياسة تصنعها حسابات المصالح، ومعادلات القوى. وليس أقوى اليوم من إسرائيل، كما ليس أكثر وهنا من عرب مزقتهم أطماع سلطة، وأحقاد قبلية، وصراعات طائفية وجدت من ينفخ فيها. 

نسيت السيدة البريطانية، أن تعداد اليهود (العرب بالمناسبة) في فلسطين يومها لم يكن يتجاوز ١٠٪ من تعداد السكان، وأن العرب (مسلمين ومسيحيين) كانوا أكثرية ساحقة. 

ونسيت السيدة البريطانية، التي تطمع في وراثة لقب «المرأة الحديدية» أن الوعد «التاريخي» الذي احتفلت بمئويته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي المتشدد كان يقول نصًا بأن الـ national home for the Jewish people سيكون في «فلسطين»، وكأنها أرض مهجورة بلا شعب.

ونسيت السيدة البريطانية العجوز، أن الإمبراطورية «العجوز» أيامها، لم تكن لتتبنى هذا الوعد إلا مناكفة «استعمارية» لغريمتها «الاستعمارية» القديمة؛ الإمبراطورية الفرنسية. وأن الوعد لم يكن إلا الفصل الثاني لاتفاق سايكس بيكو. وأن الوعد والاتفاق، كليهما ينتمي إلى قيم وثقافة «استعمارية» لا تنتمي لقيم هذا العصر وحضارته.

ونسيت السيدة التي ترأس حكومة دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن أن الدولة «الصنيع» التي وقفت «تفتخر» بإنشائها انتهكت قرارات الأمم المتحدة ٣٢ مرة. (الإحصاء حتى عام ٢٠٠٢)

ونسيت السيدة التي تجلس على مقعد ونستون تشرشل، والتي لم تتردد في الخلط بين المقاومة «المشروعة» للمحتل، والإرهاب أن مواطنيها خاضوا لسنوات حرب مقاومة ضد النازي في الحرب الثانية. 

ونسيت السيدة التي وقفت في القاعة الفخمة تحتفل بضيفها «الإسرائيلي»، وتفتخر بالمناسبة المئوية، أن هذه المنطقة المتوسطة في خرائط العالم لم تشهد استقرارًا منذ صار «الصراع العربي الإسرائيلي» عنوانا. وأن «اللا عدل» القائم على فرض الأمر الواقع، لم يكن ليضمن أبدا سلاما لا يكفله إلا إحساس حقيقي بالإنصاف والعدل.

………..

يبقى على الهامش أن ليس لنا ربما أن نعتب على السيدة «البريطانية» كثيرًا، فبين ظهرانينا من نسوا، أو بالأحرى من يريدون لنا أن ننسى.

***

نسيت السيدة البريطانية، أن تعداد اليهود في فلسطين يومها لم يكن يتجاوز ١٠٪ من تعداد السكان، وأن العرب (مسلمين ومسيحيين) كانوا أكثرية ساحقة

في محاولة «دبلوماسية» ماهرة للتخفيف من احتقان اللحظة (الاحتفالية عند جانب، والمأساوية عند جانب آخر) بادر بوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني بكتابة مقال مطول في «التليجراف»، يحاول فيه، كدبلوماسي مخضرم الدفاع عن ما فعله سلفه قبل مائة عام «تحت هذا السقف المطلي بماء الذهب» كما يقول في بداية مقاله المهم الذي حرصت الخارجية على نشر ترجمته العربية كاملة، وذلك بالتأكيد على أن الوعد بالوطن اليهودي كان مشروطًا «بعدم الإتيان بأي عمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية الموجودة أصلا في فلسطين». 

وبغض النظر عن الإجحاف المتبدي في صياغة بلفور فيما يبدو إشارة إلى «الأغيار»، بحديث عن «الطوائف غير اليهودية» وكأن الأصل هو وطن يهودي (لاحظ التمييز الديني) تعيش فيه «طوائف» غير يهودية، يتضح ما في الدفاع «الدبلوماسي» من تهافت عندما نتذكر حقيقة أن بلفور صاغ عبارته (التي جرى تنقيحها أكثر من مرة) في وقت كان تعداد العرب (من المسلمين والمسيحيين) في فلسطين تحت الانتداب يتجاوز وقتها الـ ٩٠٪ من عدد السكان

أتفهم ما تمليه اعتبارات المنصب على وزير الخارجية البريطاني. كما ربما أتفهم مقارنته «المنطقية» بين ليبرالية إسرائيل، ومحيطها الذي «قاسى فيه كثيرون من الاستبداد وسوء الحكم». ولكني أتمنى عليه أن ينظر إلى ما وراء ذلك. ففي المشهد تفاصيل أخرى.

كما أتفهم الترحيب «الروتيني» المتوقع من «موظفي» الدبلوماسية العربية بحديث الوزير البريطاني المفصل، والمتفائل عن «حل الدولتين»، والذي حاول فيه التكفير عن ذنب بلفور، بالإشارة إلى بريطانية Lord Peel وتقرير اللجنة الملكية لفلسطين ١٩٣٧ والقائم «على رؤية قيام دولتين لشعبين»، كما بريطانية Lord Caradon الذي صاغ قرار مجلس الأمن الشهير ٢٤٢ المؤسس لمبدأ الأرض مقابل السلام. ولكني أتمنى عليهم أن لا يكتفوا بالترحيب والتفاؤل. فالشيطان يكمن في التفاصيل. 

لا يبدو الوزير البريطاني، ولا مقالته المصاغة بمهارة دبلوماسية ملحوظة، بأقل تفاؤلا من صاحبه الأمريكي «جون كيري» الذي لم يترك منصبه نهاية العام الماضي قبل أن يطرح «نقاطه الست» للحل الدائم. بل ولعل المتابع عن كثب «لقضية المائة عام» يكتشف ببساطة أن لا جديد، غير التفاؤل في «خارطة الطريق» البريطانية (هل تذكرون التعبير) عن كل المبادرات والبيانات «وخرائط الطريق» التي تاه فيها الفلسطينيون على مدى ستة عقود. هل تذكرون توصيات ميتشيل (أبريل ٢٠٠١) وتفاهمات تينيت (يونيو ٢٠٠١) واتفاقات شرم الشيخ (سبتمبر ١٩٩٩ وأكتوبر ٢٠٠٠) والقاهرة (مايو ١٩٩٤) وواي ريفر (أكتوبر ١٩٩٨). وهل تذكرون مسارات مدريد ولجانه متعددة الأطراف. وهل تذكرون أن اتفاقات أوسلو ١٩٩٣ كانت تنص على مرحلة انتقالية لمدة خمس سنوات (تنتهي في ١٩٩٩) تمهد لتسوية دائمة تقوم على أساس قراري مجلس الأمن ٢٤٢و ٣٣٨ وذلك بافتراض أن المفاوضات حول الوضع النهائي تكون قد بدأت وانتهت أثناء فترة السنوات الخمس الانتقالية (!) 

ربما على الوزير البريطاني «المتفائل» أن  يلتفت إلى الاستحالة الواقعية لقيام دولة «حقيقية» تمزقها كل هذه المستوطنات / المستعمرات الخاضعة واقعيا لدولة أخرى

لا جديد في تفاؤل الوزير البريطاني غير أنه ربما نسى ما يقوله مسئولون إسرائيليون كل يوم «لا صهيونية بلا استيطان»، وأنه ربما لم يلتفت إلى حقيقة الاستحالة الواقعية لقيام دولة فلسطينية «حقيقية» تمزقها كل هذه المستوطنات / المستعمرات الخاضعة واقعيا لدولة أخرى.

لا جديد في تفاؤل الوزير البريطاني، في مقالته المهمة، غير أنه ربما لم يستمع إلى محاضرة موشيه يعلون وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، قبل نحو العام (١٥ سبتمبر ٢٠١٦) في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عن «استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي»، التي لم تتغير أبدا، والتي كرر فيها ثوابت إسحاق رابين (رجل السلام!!) القديمة، والتي أصبحت الآن واقعا، «لا مجرد هدفا نسعى إليه» كما قال يعلون يومها. لمن نسى. أو يريد لنا أن ننسى، تكفل الرجل يومها بتذكيرنا بتلك «الثوابت» في نقاط:

١ـ «الكيان» الفلسطيني سيكون أقل من دولة.

٢ـ وادي الأردن سيظل تحت السيادة الإسرائيلية.

٣ـ القدس ستظل موحدة، وستظل عاصمة لإسرائيل.

٤ـ بناء «المستوطنات» حق لإسرائيل. Jews have the right to live everywhere in land of Israel

لا جديد في «الثوابت الإسرائيلية الأربعة» ربما غير تذكير وزير حربها السابق لنا بأن واقع الشرق الأوسط اليوم يقدم «فرصة غير مسبوقة لإقرارها».

ربما لا يكون الوزير البريطاني مسئولا عن «ثوابت الإسرائيليين»، وهو فعلا كذلك. وربما لا يكون وزير «بريطانيا اليوم» مسئولا عن ما فعله وزير «بريطانيا العظمى» قبل مائة عام. ولكن عندما تدعو رئيسة حكومته؛ السيدة ماي للاحتفال بما فعلته بريطانيا العظمى، يصبح للأمر شأن آخر.

***

أتفهم ما تمليه اعتبارات المنصب على الدبلوماسي البريطاني. ولكني أدعوه، كما أدعو «من نسى من العرب» إلى قراءة الكاتب الإسرائيلي الشهير «جدعون ليفي» في Haaretz قبل أيام ليعرف كيف ينظر إسرائيليون منصفون لما فعله «بلفور» بنا وبهم. وكيف كان الوعد البريطاني في حقيقته الخطوة الأولى نحو صراع / لا سلام ليس له أبدا أن ينتهي.

يعتبر ليفي في مقاله أن أمرا كهذا لم يحدث قط. «إمبراطورية تعد بإعطاء أرض لا تسيطر عليها إلى شعب لا يسكن فيها، من دون أن تسأل سكان هذه الأرض. ليست هناك طريقة أخرى لوصف الوقاحة الاستعمارية التي لا تصدق والصارخة في كل حرف من حروف وعد بلفور الذي لا تخجل رئيسة الحكومة البريطانية، ورئيس الوزراء الإسرائيلي من الاحتفال بمائة عام على صدوره.. في الوقت الذي كان من المفروض فيه بدلا من ذلك أن يحاسبا نفسيهما، لأن ذلك جاء على حساب شعب آخر وشكل نكبته التي لا تنتهى».

ثم يصف ليفي الاحتفال المئوي بأنه في حقيقته ليس أكثر من «احتفال بمرور مائة عام على استعمار، كان في البداية بريطانيا ثم صار إسرائيليا» مذكرا وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، الذي اضطر ربما للدفاع في مقالته عن الاحتفال الذي دعت له رئيسة حكومته بأن وعد بلفور «كان قادرا على أن يكون وثيقة عادلة لو ضمن المساواة بين الحالمين بأرض (إسرائيل) والساكنين فيها. لكن بريطانيا فضلت الحالمين الذين هم تقريبا لم يسكنوا في البلد (شكل اليهود أقل من عشر السكان) على السكان الذين عاشوا فيها مئات السنوات وكانوا الأغلبية المطلقة فيها ولم تمنحهم أى حقوق وطنية … لقد زرعت بريطانيا بهذه الطريقة بذور الكارثة التي يذوق الشعبان ثمارها السامة حتى اليوم. لا سبب للاحتفال هنا».

حقا «لا سبب للاحتفال هنا» كما يقول الكاتب الإسرائيلي. كما لا سبب لأن ينسى البعض (هنا) حقائق التاريخ، أو حقائق اللحظة الراهنة، أو حقائق المشروع الصهيوني المعلن. إذ يظل الإقدام على غلق ملف الصراع، بهرولة تطبيع بادية، أو تغيير لعقيدة الجيوش، أو تبديل لبوصلة الصراعات لتصبح «طائفية»، استباقا «لصفقة» غير محددة الملامح ضربا من القفز في المجهول يتجاوز حدود الواقع، فضلا عن التاريخ. 

***

ثمانية وستون كلمة، قبل مائة عام كاملة فتحت الباب لهذا الصراع الذي لا يريد أن ينتهي؛ «مشكلة الشرق الأوسط» التعبير الذي أخذ مكانه إلى قواميسنا الشفوية للتعبير عن «المشكلات التي لا تنتهي»، أو «قضية العرب الأولى»، كما كان ساستنا يقولون (فقط يقولون) لستة عقود كاملة. 

رسالة آرثر جيمس بلفور، وزير الخارجية البريطاني ما بعد الحرب، وما بعد سايكس بيكو إلى اللورد روتشيلد في الثاني من نوفمبر ١٩١٧، اعتبرها الإسرائيليون أساسا قانونيا لقيام دولتهم، واعتبرها العرب (أو كانوا) وعدا ممن لا يملك لمن لا يستحق.

ثم كان أن ذهب قائل العبارة .. وأخشى أنها ذهبت معه.

***

السلام «العادل» وحده، لا صفقات «تطبيع الأمر الواقع» هو الكفيل بأمن حقيقي، واستقرار حقيقي، لا تختفي فيه النيران تحت الرماد

وبعد …

فيبقى أنه إذا كانت الصهيونية، تعريفا هي أن تعتقد أن للإسرائيليين وحدهم الحق في هذه الأرض، فبيننا كثير جدا من الصهاينة. ليس فقط من أولئك العامة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بين المسئولين «المهرولين»؛ سرا أو جهرا ليس نحو سلام لا يقوم على العدل، بل نحو «استسلام» لأمر واقع. 

أكرر ما قلناه مائة مرة، أن ليس معنى هذا بحال أننا نبحث عن حرب. ثيقولكننا نريد فقط من أولئك الواهمين «المهرولين» أن لا يغفلوا عن حقيقة:

١ــ أن لا سلام بلا عدل، (بالضبط كما لا استقرار لوطن بلا عدل) 

٢ــ أن لا استقرار مع شيوع الإحساس بالظلم والغبن وضياع الحقوق.

٣ــ أن لا سلام مع عنصرية دينية تجسدها «دولة يهودية نقية» كما يقول المشروع الصهيوني المعلن، حتى ولو كان لدينا من استدرج؛ مفتونا أو مخدرا إلى هذا الفخ «المعلن» بتكريس هويات طائفية تكون أساسا لصراعات المستقبل.

٤ـ أن لا سلام، كما لا مجال لتفاؤل الوزير البريطاني «الطيب» مع ما هو معروف لنا جميعا من فرض إسرائيلي لحقائق الواقع الاحتلالية على الأرض؛ تهويدا للقدس، ومزيدا من المستعمرات / المستوطنات وآلاف الأفدنة من الأراضي المصادرة، وأشجار الزيتون المحترقة، وجدار مكهرب. ومزيد من الشهداء، وبالطبع مزيد من مشاعر الإحباط والكراهية والدماء (هنا وهناك). ومزيدًا من الدموع والهتافات وطوابير الجنازة.

………

ثم لعلي بعد ذلك كله أخشى أن بعد مائة عام من «بلفور»، لم تعد فلسطين هي «قضية العرب الأولى» (أتحدث عن الحكومات). بل ربما صار ما جرى من ارتباك في «بوصلة العرب» هو قضية الفلسطينيين الأولى.. أو بالأحرى وجعهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

بلفور .. الفصل الأخير

فى الدفاع عن «القضية»

فيما نحن «منكفئون»٠

لم يعد هناك ما نخسره!

حقائق الواقع الاحتلالية (تقرير مركز مدار الفلسطيني لعام ٢٠١٦)

كتاب: «اختراع الشعب اليهودي» النسخة الكاملة

 

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات