رؤية موجزة لتطوير قطاع الأعمال العام - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 16 فبراير 2026 9:06 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

رؤية موجزة لتطوير قطاع الأعمال العام

نشر فى : الإثنين 16 فبراير 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الإثنين 16 فبراير 2026 - 6:15 م

 لم تكن هذه المرة الأولى التى أتصدى فيها لموضوع هذا المقال؛ فقد قدمت مقالات سابقة وأوراق سياسات متخصصة إلى صانع القرار عبر مختلف الوسائط، وعلى مدار نحو عشر سنوات. قبل أكثر من عام، تلقيت دعوة كريمة من جامعة هارفارد ــ مبادرة الشرق الأوسط، للمشاركة فى ندوة تجمع أبرز الباحثين والمحللين فى الاقتصاد السياسى المصرى، لتقديم رؤى عملية حول التحديات الاقتصادية التى تواجه مصر، واقتراح حلول قابلة للتنفيذ من قبل الحكومة المصرية. وقد جاء فى الدعوة أن الهدف هو إنتاج مقالات قصيرة ومباشرة يمكن أن تُترجم إلى العربية وتُنشر على نطاق واسع، مع احتمال تنظيم فعالية عامة فى الجامعة لاحقًا.

 


استجابةً لتلك الدعوة، أعددت ورقة بعنوان، ترجمتها إلى العربية: «موازنة أدوار الدولة والقطاع الخاص: معالجة المزاحمة والخصخصة فى مصر». وتهدف الورقة إلى تسليط الضوء على أبرز التحديات المتعلقة بتدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى، واقتراح إجراءات عملية لتعزيز التوازن بين القطاعين العام والخاص، بما يحقق التنمية المستدامة ويحافظ على مصالح العمال والمستهلكين.
للمزاحمة التى يمارسها القطاعان العام والحكومى للقطاع الخاص آثار سلبية متعددة، منها تشويه آليات السوق التنافسية، وسوء تخصيص الموارد، وتعميق أزمة شح الدولار، وخسارة إيرادات الحكومة، وضياع فرص الاستثمار الأجنبى، فضلًا عن تفاقم أزمات الدين العام والتضخم. وفى ديسمبر ٢٠٢٢، أصدر مجلس الوزراء المصرى وثيقة سياسة ملكية الدولة، المنظمة لدور الدولة فى الأنشطة الاقتصادية، وذلك بعد أن تطور دورها عبر العقود من مجرد منظم ومشرف للسوق إلى شريك ومحتكر فى مختلف المجالات الاقتصادية منذ عهد التأميم. وتشير الوثيقة إلى نية الدولة الانسحاب من معظم الأنشطة الزراعية والصناعات التحويلية والتجارة بالتجزئة والتشييد والبناء، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية وحقوق العمال واحتمالات الصدمات غير المتوقعة. كما تؤكد أهمية دور الصندوق السيادى فى الإشراف على ملكية أصول الدولة والتنسيق لإشراك القطاع الخاص. غير أنه من الأهمية بمكان توضيح كيفية ضمان الدولة لانسحاب سلس، خاصة فى ظل تفاقم أزمة سيولة البورصة المصرية التى تمثل المخرج الرئيسى لهذا التخارج.
• • •
إن القطاع الخاص المسئول والمنظم، بدوافعه الربحية وآليات المنافسة الحرة، قادر على تحسين المنتجات والخدمات بما يعود على المستهلكين بمنتجات عالية الجودة ومنخفضة التكلفة. وقد استهدف القانون ١٥٩ لسنة ٢٠٢٣ خلق تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص، إلا أنه لم يكن حاسمًا فى مجالات حيوية مثل الحياد الضريبى، وتسوية المديونيات، ومنح التراخيص، وتخصيص الأراضى. كما أن الاستثناءات التى يمنحها رئيس الوزراء تقوض بيئة المنافسة العادلة بشكل كبير، مما يضعف قدرة القطاع الخاص على المنافسة ويحد من استقطاب الاستثمارات الجديدة.
تشهد معدلات استثمارات القطاع الخاص فى مصر تراجعًا مستمرًا منذ عام ٢٠٠٨، حيث بلغت فى المتوسط نحو ٦٫٣٪ فقط من الناتج المحلى الإجمالى على مدار العقد الماضى، وهى نسبة متدنية للغاية مقارنة بدول ناشئة كبرى مثل الصين (٣٧٪) والهند (٢٢٪). وبحلول سبتمبر ٢٠٢٤، كان فى مصر نحو ٧٠٩ شركات مملوكة للدولة، وواجهت خطة الحكومة (المتواضعة) لطرح ٣٥ شركة للقطاع الخاص عدة تحديات، أبرزها الاضطرابات الاقتصادية العالمية، واستمرار شح الدولار، وعجز الميزان الخارجى. ويعد تحسين كفاءة الإنتاج المحلى، والتحول من نموذج التمويل بالدين إلى نموذج استبدال الديون بحصص فى المشروعات، أمرًا بالغ الأهمية، ويتماشى ذلك مع توصيات صندوق النقد الدولى ووكالات التصنيف الائتمانى، لضمان أن يسهم هذا التحول فى تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية وتحقيق استدامة مالية طويلة الأمد.
تتحقق مصالح المستهلكين على النحو الأمثل بتعزيز المنافسة الكاملة فى الأسواق، تحت إشراف أجهزة رقابية مثل جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وجهاز حماية المستهلك. كما إن حقوق العمال محمية بموجب القانون، وتتضمن عقود البيع قيودًا ملزمة تمنع الاستغناء الجماعى عنهم. ويجب ألا يؤدى البيع إلى خلق احتكارات جديدة أو تركيز الاستثمارات فى يد مستثمر أو دولة بعينها. أما حصيلة بيع الأسهم فليست الهدف الأسمى، بل هى عائد إضافى ينبغى توظيفه بشكل جيد، بينما تكمن الأهداف الرئيسية فى تحسين أوضاع السوق، وتعزيز الشفافية والتنافسية، وتقوية القطاع الخاص، وخفض الدين العام، وتحسين الحوكمة وكفاءة الإدارة، وتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة للدولة. وقد أثبتت التجارب أن مجرد خصخصة الإدارة دون نقل الملكية لم تكن فعالة، خاصة مع ندرة المستثمرين القادرين على قبول عوائد الإدارة فقط.
• • •
لتحقيق الانسجام بين الدولة والقطاع الخاص، لا بد من وضع أهداف محددة وقابلة للقياس ضمن أطر زمنية واضحة. وفى هذا الإطار، تتطلب إعادة الهيكلة تحويل الشركات القابضة التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، والتى تستحوذ على ٤٣٫٦٪ من إجمالى الشركات المملوكة للدولة، إلى شركات متخصصة فى إدارة الأصول، مع إلغاء قانون قطاع الأعمال العام خلال عام واحد، بحيث تخضع هذه الشركات بالكامل لأحكام قانون الشركات رقم ١٥٩ لسنة ١٩٨١، مما يضمن توحيد الأطر التشريعية ويقضى على ازدواجية القوانين. ويجب أن تعمل شركات الأصول المملوكة للدولة باستقلالية تامة بعيدًا عن المركزية الحكومية، مع الالتزام بخطط أداء واضحة ومحددة زمنيًا، وأن تكون خاضعة لإشراف متخصصين فى إدارة الأصول. وفى هذا السياق، يُوصى بإلغاء وزارة قطاع الأعمال العام (وهو ما تم مؤخرًا فى التعديل الوزارى الأخير)، ونقل الإشراف الإدارى على هذه الشركات إلى الوزارات المعنية بقطاعاتها المختلفة، مع ضمان تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة عبر مجالس إدارة مستقلة وجمعيات عمومية فاعلة.
تعانى القوانين المنظمة للشركات فى مصر من معوقات تحد من جاذبية الاستثمار وتخلق نفورًا لدى المستثمرين. ولم تنجح التعديلات التى أُدخلت على القانون ٢٠٣ فى عام ٢٠٢٠ فى تحقيق أهدافها المرجوة، بل انحرفت عن الفلسفة الأصلية التى قام عليها القانون. ومن هنا تبرز ضرورة تطبيق فترة انتقالية للشركات الخاضعة لقانون قطاع الأعمال العام، تمهيدًا لإخضاعها بالكامل لقانون الشركات ١٥٩ لسنة ١٩٨١، مع إلغاء أى تشريعات متعارضة لضمان حيادية المنافسة. ولضمان انتقال سلس للشركات المملوكة للقوات المسلحة إلى هذا الإطار الجديد، يُقترح إصدار مرسوم بإخضاعها لقوانين الشركات النافذة وإلغاء الاستثناءات السابقة، على أن يتضمن هذا المرسوم آلية لنقل بعض الأصول التى يراها البرلمان ضرورية للأمن القومى تحت إشراف المؤسسة العسكرية، بما يحقق التوازن بين متطلبات المنافسة العادلة واعتبارات الأمن القومى.
يتطلب تعزيز القدرة التنافسية تمكين الشركات القابضة وشركاتها التابعة من إدارة شئونها المالية والإدارية والاستثمارية باستقلالية كاملة، مع إفساح المجال أمام القطاع الخاص لتولى مهام الإدارة والتشغيل وفقًا لسياسة ملكية الدولة المعدلة. كما ينبغى التركيز على قطاعات التحول الرقمى الحيوية، لما لذلك من أثر مباشر فى الحفاظ على الموارد العامة ومنع إهدارها. وفى إطار تبسيط الهيكل الإشرافى، يتعين حصر دور الإشراف الحكومى فى جهة واحدة تمثل المالك، وهى الجهاز المركزى للمحاسبات، لضمان وضوح المسئولية وفعالية الرقابة.
لا بد من تأمين مصادر تمويل متنوعة لعمليات التحديث وإعادة الهيكلة، بالاعتماد على أدوات مالية حديثة مثل الصكوك والسندات الخضراء واتفاقيات الشراء المسبق. كما ينبغى الاعتماد على الموارد الذاتية للشركات، واستغلال الأصول غير المستغلة، والمحافظ العقارية، وآليات مبادلة الديون بالأسهم كمصادر تمويل آمنة ومستدامة لا تثقل كاهل الموازنة العامة. ويهدف ذلك فى النهاية إلى جعل هذه الوحدات الاقتصادية قادرة على المساهمة بفاعلية فى زيادة الإنتاج وتحسين القيمة المضافة ورفع دخول العمال، بما يتماشى مع خطة الدولة للتنمية الاقتصادية ويحقق العدالة الاجتماعية.
يتطلب تحسين أداء شركات قطاع الأعمال العام تشجيع الشراكات الفاعلة مع القطاع الخاص، من خلال إنشاء منصة متكاملة لدخول المستثمرين وتعزيز الاستثمارات العامة. ويجب أن يستهدف هذا النهج معالجة القضايا الرئيسية مثل إدارة الديون، والحد من الهدر، وتحسين أوضاع العمال، وزيادة الإنتاجية، وتطوير المهارات الفنية. كما أن الاستفادة من التجربة الصينية الرائدة يمكن أن تقدم رؤى قيّمة فى مجالات الصناعات عالية التقنية والصناعات كثيفة العمالة، مما يضمن تعاونًا مثمرًا وفعّالًا. وتهدف هذه الجهود مجتمعة إلى خلق إطار متوازن ومستدام للإدارة الفعالة لقطاع الأعمال العام، يحقق أهداف الدولة ويعزز دور القطاع الخاص كشريك رئيسى فى التنمية.

 


كاتب ومحلل اقتصادى

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات