وقوع السيستم - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الأحد 24 أكتوبر 2021 8:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

وقوع السيستم

نشر فى : الجمعة 6 أغسطس 2021 - 9:25 م | آخر تحديث : الجمعة 6 أغسطس 2021 - 9:25 م
لم يدر بمُخيلتى وأنا أطلب الرقمَ لأطمئن على سير الأمور وأؤكد موعدًا ارتبطت به، أن مُحدثى على الطرفِ الآخر قد علق فى مُهمةٍ ثقيلة؛ طال به الوقت يحاول إنهاءَها دون أن يصيبَ توفيقًا. قال إنه آسفٌ إذ سيتخلَّف عن اللقاء، فالموقف مُتعسر وخارجٌ عن يده، لا يُمكنه الإسراعَ ولا حتى تحديد كَمْ من الساعاتِ يلزمه بعد؛ كى يُحققَ مراده ويتمكَّن من المَجيء.
•••
فى مصالحَ حكوميةٍ مُتنوعة، ظهرت جُملةٌ حديثةُ العهدِ مُكونة مِن مُبتدأ وخبر. احتلَّت الجُملةُ مكانةً مَرموقةً وصارت بمنزلةِ قاعدةٍ؛ لا يمُر يومٌ إلا وردَّدها الموظفون فى وجوه زائريهم من المواطنين؛ بعض المرات بنبرات الضيقِ والتأفُف، ومرات أخرى فى سعادةٍ وتشفٍ: «السيستم واقع«.
•••
لا يسلم مكانٌ من وقوع «السيستم« أو النظام الإلكترونيّ؛ الذى بات حاكمًا لزمرة مِن تفاصيل حيواتنا. يتعطَّل فى البنوك فيختلُّ العملُ وتتوقَّف المُعاملاتُ المالية، وتتعقد الأمور على مستوياتٍ قد لا يُمكن تداركُها أو إصلاح تبعاتِها، وبالمثل يتعطَّل فى مكاتبِ الشهرِ العقاريّ ويتنقل الناسُ بين الأفرعِ العديدة؛ فإذا بجميعها يُعانى مأساةَ السقوط. تتوقف عجلةُ التسجيل والتوثيقِ والتوكيلِ والإشهارِ عن الدوران، ويتكدَّس هؤلاءُ الذين توافدوا منذ الصباحِ الباكر تاركين أشغالَهم، آملين فى الحصولِ على دورٍ مُتقدم، فإذا هُم متأخرون عن مواعيدِهم، واضعون أياديهم على وجناتِهم، مُنتظرون عودةَ النظامِ لحاله.
•••
فى امتحاناتِ النقلِ وخلال أداءِ اختباراتِ إتمامِ المراحلِ الدراسيةِ المُختلفة؛ يقع النظامُ أيضًا، فتقع معه قلوبُ أولياءِ الأمور المُعلَّقة بدرجاتِ أبنائِهم وبناتهم. يتوسَّل الآباءُ نجاحًا يرفع الرئوسَ التى أحناها الكدُّ المتواصلُ، وتتمنى الأمهاتُ جبرًا لخواطر غضَّة مشحونةٍ بالأمنيات، يتصورون والعهدة على الخيالِ أن فى إحرازِ النسبةِ المئويةِ المُرتفعة ما يضمن لأولادِهم مستقبلًا أقلَّ تعاسة. ينهار الطلابُ مع اختلالِ المَنظومةِ المُتكرر وانهيار الشبكةِ العنكبوتية، ومِنهم مَن يفقد القدرةَ على التركيزِ والحلّ؛ يفشل رغم الجهد الفائق، والسهر بين المُذكرات والمُلخَّصات، والإعداد المُكثَّف على مدار شهور؛ فيما يبقى النظامُ مُتعطلًا مُخرِجًا لسانه للجميع، ساخرًا من الأحلامِ البلهاءِ والأعصابِ المُنهكَة، مُعلنًا أن الجدَّ والاجتهادَ والأموالَ الطائلةَ التى امتصتها الدروسُ والمُراجعات؛ قد ذهبت كلُّها هباءً.
•••
نتباهى بعصرِ الرقمنةِ وبإدخال البرمجيات المُتقدمة فى المُؤسساتِ التابعةِ للدولة، نصنع المَظهر بكل ما فيه من زينةٍ وبهاء، ويظلُّ الجَوهر مَعطوبًا أجوف فى احيان كثيرة. تبدو الأمكنةُ التى لم تدخلها الأنظمةُ الحديثةُ بعد أفضلَ حالًا؛ فالقائمون عليها يتعاملون مِن خلال المُستندات المكتوبةِ بخط اليد، تلك التى أثبتت بفضلِ الفشلِ الإلكترونيّ قيمتَها القصوى. الملفاتُ الضخمةُ المُكتظةُ بمحتوياتها، والأوراقُ التى تبرز مِن الجوانبِ أركانها، تصبح أسهلَ السبلِ لنوالِ المُراد؛ إذ تجعل للانتظار مَعنى، فالهدف مَقضيٌّ ما صبر المواطنُ وتماسَك أمامها، أما السيستم الذى لا يدرى أحد متى ينهض مِن سقطته فربما لا يُجدى معه صبر أو انتظار.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات