العالم العربي فى عين العاصفة: صعود دور المجتمع المدني - فيس بوك - بوابة الشروق
الأربعاء 22 يناير 2020 1:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

العالم العربي فى عين العاصفة: صعود دور المجتمع المدني

نشر فى : الجمعة 6 ديسمبر 2019 - 8:05 م | آخر تحديث : الجمعة 6 ديسمبر 2019 - 8:05 م

نشر الكاتب الأردنى «لبيب قمحاوى» مقالا على صفحته على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك».. ونعرض منه ما يلى:

الإقليم العربى يتحرك متململا حينا وغاضبا أحيانا ولكنه على الأقل بدأ يتحرك. والأهم من كل هذا وذاك، أن الإقليم بدأ يتصرف باعتباره إقليما يعانى من المشكلات والأمراض نفسها ويسعى إلى الحلول ذاتها تقريبا من خلال المناداة بالمطالب نفسها، علما بأن الحراكات الشعبية المختلفة على الرغم من تفاوت درجاتها، تُجَابَه بالتعنت نفسه من الحكام وإن بدرجات متفاوتة، إما من العنف واللامبالاة أو الاستجابة المحدودة وإما خليط من هذا وذاك. والعرب الذين أثبتوا أنهم غير قادرين على صنع البدايات نحو التطور والتحديث يبدو أنهم أصبحوا قادرين على صنع النهايات حتى ولو أدت تلك النهايات إلى العنف أو الدمار بحكم تعنت الحكام وغضب الشعوب. فالنضال بالأغانى والأشعار والروايات العنترية هو جزء من الثقافة العربية والموروث الحضارى الذى تعانيه الأجيال الجديدة من العرب فى سعيها إلى التغيير نحو الأفضل. وهذه الأجيال تنطلق فى مسعاها من خلفية سلبية من الفشل والتخاذل والأوهام التى عاشتها الأجيال السابقة وأوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن.

التعامل مع الإقليم العربى ليس بالأمر السهل. فالإقليم موَحَّد فى مشاكله ممزَّق فى كل شىء آخر تقريبا، وعوامل الفرقة كانت تاريخيا هى السائدة على عوامل الوحدة وما زالت. وثوابت الإقليم ومصالحه المشتركة كانت خاضعة بشكل متواصل لأمزجة ومصالح حكام مستبدين فرضوا إرادتهم على شعوبهم وعلى الدول التى يحكمون. وهذا جعل من مستقبل الإقليم كمًّا مجهولا لا يمكن التعامل معه بأسلوب علمى وضمن منظور المصالح المشتركة.
***
مسار الأمور كان يوحى بتوجه عام لتجزئة وتقسيم بعض دول الإقليم، ولكن هنالك ما يوحى أخيرا بتطور هذا المسار إلى توجه عام لإعادة تشكيل الإقليم الشرق أوسطى ودوله بشكل عام. إن إعادة التشكيل هى ظاهرة سلبية كونها لا تعكس نوايا التغيير نحو الأفضل بقدر ما تعكس الرغبة فى إعادة تشكيل الإقليم ودوله بما يتناسب ورغبات ومصالح الدول الكبرى المؤثرة على مجرى الأحداث فى الإقليم.

الاستبداد والفساد الذى دفع بالعديد من الأنظمة الحاكمة فى الإقليم إلى العمل على إضعاف مؤسسات الدولة الدستورية والرقابية قد أضعف مع مرور الوقت دول الإقليم نفسها، وجعلها عرضة للتداول من قبل القوى الأكبر فى العالم دون أى فرصة حقيقية للتصدى لذلك العدوان أو القدرة على وقفه. وهكذا، فإن مَنْ جَهَّزَ الأرضية وجعل من إعادة تشكيل دول الإقليم أمرا ممكنا جاء من رحم تلك الدول، ولا مجال هنا أمام العرب مثلا للوم الآخرين على ما هم فيه من انهيار متواصل قد يؤدى بالنتيجة إلى اضمحلالهم أو زوالهم سواء باعتبارهم كيانات سياسية أو حتى باعتبارهم أمة فاعلة.

إن اندثار العرب كأمة لا يعنى موتها بقدر ما يعنى عودتها إلى الأصول القبلية بحيث تتحول الأمة إلى مجموعات قبلية وعشائرية وعرقية ودينية ومذهبية تعتز بما قد يفرقها وتتجاهل أو تخشى ما يجمعها، وهو ما قد يدفع الأمور باتجاه إضعاف مفهوم الأمة انطلاقا من تضاؤل الحاجة إليها وتَوَلُّد شعور لدى الشعوب بأن مفهوم الأمة لم يعد منسجما مع مصالحهم.

مفهوم الأمة يعكس فى أصوله قبولا عاما لمجموعة من الشعوب بالقواسم المشتركة التى تجمعهم وقناعتهم بأن تلك القواسم سوف تخدم مصالحهم العامة التى تربطهم ــ بوصفهم شعوبا ــ ضمن مفهوم الأمة. ومحاولة تفسير تلك المعادلة البسيطة بلغة عقائدية لن يضيف شيئا مهما بقدر ما قد يساهم فى تعقيد مفاهيم بسيطة ضمن رؤية عامة أساسها تولد قناعات جديدة لدى الشعوب نتيجة للانهيار المتواصل فى أوضاعها السياسية والاقتصادية والمالية والحياتية، وفشل مفهوم الأمة فى أن يكون منصة النجاة لتلك الشعوب فى محنتها المتفاقمة.

***
الأمة هى خيار وليست مصيرا، والهوية الوطنية هى مصير أكثر من كونها خيارا. فالمصرى مثلا يستطيع أن يكون عربيا مصريا أو مصريا فقط إذا شاء، ولكنه لا يستطيع أن يكون قبطيا فقط أو مسلما فقط بدون هويته الوطنية المصرية لأن كينونته التى يُعْرَف بها نفسه أمام شعوب أخرى هى هويته الوطنية باعتباره مصريا، أو بالمقياس نفسه باعتباره عراقيا أو أردنيا أو لبنانيا... إلخ، إلا إذا كانت تلك الهوية مفروضة بالقوة القهرية أو الاحتلال المباشر كما حصل للفلسطينيين فى فلسطين المحتلة عام 1948.

ما نحن بصدده الآن هو عدوان عام مستمر على كلا المفهومين: الأمة والهوية الوطنية لصالح هُويات أخرى أضعف بهدف شرذمة الإقليم إلى كانتونات ودويلات بل وتجمعات بلا هوية وطنية أو مرجعية عربية.

الانهيار المتوقع للإقليم لن يكون وليد الصدفة أو نتيجة لقرار أو إجراء معين، بل سيكون النتيجة الطبيعية لمسار طويل من السقوط على كل الجبهات السياسية والأمنية والاقتصادية والأخلاقية، بالإضافة إلى انهيار المنظومة الحامية لقيم المجتمع وقدرته على التماسك فى وجه المتغيرات السلبية والصعوبات التى قد تعصف به.

إن كل حديث يتعلق بالإقليم يستحضر فى العادة نظرية المؤامرة والشك بما يجرى باعتباره أمرا تقف وراء حدوثه أمريكا أو إسرائيل أو كليهما. قليلون هم الذين يؤمنون بأن شعوب المنطقة قادرة على التحرك بشكل مستقل دون إيعاز من أى جهة أجنبية سوى المصلحة الوطنية أو المطالب الحياتية. ولعل فى ذلك الادعاء ما قد يفسر رغبة الأنظمة الحاكمة ونهجها فى ربط أى محاولة للتغيير بجهات أجنبية كوسيلة للتشكيك فى مصداقية تلك الحراكات والانتفاضات وكمبرر لقمعها باعتبارها امتدادا لنفوذ جهات أجنبية. إن الوقوع فى فخ التخوين سياسيا هو مرادف للوقوع فى فخ التكفير دينيا، وكلاهما يسعيان إلى الحفاظ على الأمر الواقع ومنع نهج التكفير والتغيير والتطوير وهو ما يفسح المجال بالنتيجة للتطرف وللمزيد منه.

***
الموقف التقليدى المتمثل فى وضع الشعوب أمام خيار واحد لا ثانى له وهو إما القبول بالأمر الواقع وإما الدمار، قد تم كسره وتجاوزه إلى حد ما فى تونس والسودان. أما أكبر مثال فهو ما يجرى الآن فى لبنان والعراق وإلى حد ما فى الجزائر وذلك بإعطاء المجتمع المدنى الدور الأكبر فى النضال من أجل التغيير بوسائل سلمية مدنية تتميز بالمثابرة والتصميم مع الابتعاد عن العنف ما أمكن. وقد نجح المجتمع المدنى فى لبنان حتى الآن فى تحييد المؤسسة العسكرية والميليشيات من خلال الإصرار على الوسائل السلمية.

إن عبقرية التقدم مثلا ببديل «العرض المدنى» عوضا عن «العرض العسكرى» احتفالا بعيد استقلال لبنان مثال حى على عبقرية النهج الثورى والسلمى لانتفاضة المجتمع المدنى اللبنانى على الطبقة الحاكمة الفاسدة واستعماله لوسائل مبتكرة فى التعبير عن تصميمه على التغيير بالوسائل السلمية ومن خلال المجتمع المدنى. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن دموية الحراك الشعبى فى العراق لم تأتِ من المجتمع المدنى العراقى الذى كان ضحية لذلك العنف، بل جاءت من قوى الأمر الواقع الحاكمة وإصرارها على قمع الانتفاضة الشعبية بقسوة ودموية منذ البداية، على أمل أن يشكل ذلك العنف الدموى رادعا أمام استمرار الانتفاضة أو استفحالها. وهذا الأمر قد يعود فى أصوله إلى قوى إقليمية تهدف إلى المحافظة على الأمر الواقع وميزان القوى داخل العراق وبالشكل الذى تراه مناسبا لمصالحها. وهكذا فإن مصدر العنف قد يكون من خارج العراق بالرغم من كون بعض أو معظم أدواته التنفيذية عراقية.

القضية قضية وقت حيث أن نهوض المجتمع المدنى أصبح حقيقة واقعة بغض النظر عن بطئ أو سرعة هذا التحول الاستراتيجى..

وهذا الأمر لم يعد ترفا يمكن الاستغناء عنه، بقدر ما أصبح شرطا أساسيا لعبور الصعاب الاقتصادية والحياتية والسياسية التى تجابهها معظم دول العالم النامى (العالم الثالث) والتى تتطلب تكاتف الجهود الوطنية من خلال المجتمع المدنى فى البلد المعنى. وهذا التطور لا يقتصر على دول العالم العربى بل سوف يمتد ليشمل دول الإقليم بشكل عام. ومع أن حرية الشعوب قد تبدو مرضا معديا فى نظر الأنظمة الحاكمة، إلا أنها تبقى فى نهاية الأمر حقيقة تحتم على الجميع احترامها والقبول بها سواء من خلال الاستجابة الطوعية أو الاستسلام القهرى لإرادة الشعوب لما هو محتوم فى نهاية المطاف.

التعليقات