كانت ملحمة الثورة الفرنسية من تاريخ انطلاقها حتى استكمال إصلاح وإعادة بناء دولتها الجديدة، بمثابة النموذج الملهم لكثير من دول العالم، من ناحية بسبب نجاح الجماهير فى إسقاط دولة الحكم السلطوى «البوربون»، ومن ناحية أخرى بسبب منطلقها القيمى المتمثل فى إعادة بناء الدولة على قاعدة المواطنة وعلى مبادئ «الحرية والعدالة والمساواة».
بيد أن الطريق إلى صنع هذا النموذج (أو الانتقال من الثورة إلى إصلاح وبناء دولة جديدة) لم يكن ممهدا، فقد قضت فرنسا أكثر من عشر سنوات ــ (بعد سقوط دولة البوربون الملكية حتى استقرت الأوضاع) ــ مليئة بالتوتر والعنف السياسى والمجتمعى (بين الثوار أنفسهم وبينهم وبين الثورة المضادة) حتى إن دولة «البوربون» استطاعت استعادة سلطتها مرة أخرى لفترة زمنية محددة وهذا بالتعاون مع القوى الرجعية الأوروبية. ولقد ظلت الجمهورية الناشئة فى حالة من التقدم والارتداد لأكثر من قرنين من الزمان حتى بعد الحرب العالمية الثانية عندما تم استكمال بناء الدولة على أسس «قيم الثورة» من جهة، والقدرة على التطور المستمر وفق مقتضايات التقدم التقنى العالمى من جهة أخرى.
•••
إن مسار التاريخ، فيما يتعلق بإصلاح الدول والجمهوريات بعد الثورات التى اندلعت منذ القرن التاسع عشر حتى تاريخه فى إطار قيم ومعطيات عصور حضارية متعددة «الزراعة، الصناعة، المعلومات، والمعرفة»، يكاد يكون متشابها من حيث تسلسل الأحداث «الاضطراب والاستقرار»، ومختلفا وفق «منطلقات الثورة، معطيات العصر، مقومات المجتمع، والتحديات الخارجية». ومن الملاحظ أيضا أن الثورات التى قامت لتجسيد القيم السامية «الحرية والعدالة والمساواة» (كالثورتين الفرنسية والأمريكية) نجحت فى تدشين نظم سياسية مستقرة نسبيا وقادرة على التطور الإيجابى، مقارنة بتلك الثورات التى قامت على أيديولوجيات مغلقة كالثورة البلشفية والثورة الصينية والثورة الإيرانية.
•••
ستظل الملحمة الثورية التى انطلقت فى 25 يناير 2011 وموجاتها المتتالية حتى اليوم التاريخى فى 30/6/2013 إحدى النقلات النوعية فى الذاكرة المصرية وذلك بغض النظر عما قد يأتى لاحقا. والحقيقة الواقعة أن جماهير الشعب المصرى بالتوافق مع مؤسسته العسكرية قد أقصت ثم خلعت بسلاسة ودون عنف يذكر «رئيسين» أحدهما (منتسب للمنظومة العسكرية طليعة ثورة يوليو 1952) سلطوى «فاسد» حكم لمدة 30 سنة، والآخر (منتسب للإخوان المسلمين شركاء ثورة 25 يناير 2011) أيديولوجى «فاشل» فى تحقيق آمال الجماهير ــ التى اختارته بإرادتها الحرة عبر صندوق الانتخابات ــ خلال فترة حكم استمرت حوالى سنة.
ومازالت النواة الصلبة للملحمة الثورية المؤمنة بأهدافها السامية، تعمل حتى تاريخه ــ بأمل وبدون يأس على اقتلاع جذور النظام «السلطوى الفاسد»، وعلى التخلص من الآثار السلبية للنظام «الأيديولوجى الفاشل». ويبدو أن التوتر والعنف السياسى والمجتمعى ــ حتى الذى حدث لاحقا بعد 4/7/2013 ــ مقارنة بما حدث فى بعض بلدان الربيع العربى كشف أن التوجه السلمى للملحمة الثورية المصرية منذ اندلاعها لم تكن خيارا وإنما جزء أصيل من الثوابت والمتمثلة فى طبيعة الغالبية العظمى من الشعب المصرى والمتمثلة حكمته الجماعية فى تدينه الفطرى وقدرته على التعايش مع الآخر من جهة، والعلاقة التاريخية بين الشعب وجيشه من جهة أخرى.
•••
ومن الملاحظ أن الغالبية العظمى للشعب المصرى متمسكة بهذا التوجه السلمى حتى تاريخه بالرغم من «ارتفاع معدلات الأمية الأبجدية والثقافية، وزيادة حدة الفقر ومعدلات البطالة، والتمزقات فى اللحمة الوطنية، وانخفاض أداء الأفراد وكفاءة سلطات الدولة وخاصة مؤسسات العدالة والإدارة المحلية إلى درجة مخيفة فضلا على استشراء الفساد، وهشاشة منظمات المجتمع المدنى، عدم مهنية الإعلام الذى يشجع على الاستقطاب المجتمعى والتى كادت تؤدى إلى كارثة طائفية فى أحداث ماسبيرو، عمليات الثأر والإرهاب التى تقترف (بدعاوى متنوعة) من الأفراد أو الجماعات المتطرفة والمستوطنة منذ عقود فى بعض محافظات الجمهورية.
وهنا يكمن «تفرد» أو اختلاف النموذج الثورى المصرى عن غيره من النماذج الثورية التى حدثت فى شعوب عربية أخرى. ومن المؤكد أن تكثيف الدعاوى النشطة والحكيمة للتمسك بالتوجه السلمى وسيادة القانون فى الصراع السياسى، سيؤدى حتما إلى وضع حد للمجابهات العنيفة أو التى وصمت بعضها وبحق بالإرهابية، بين المناصرين للحكم «الفاشل» الذى تم خلعه، فضلا على شباب الثورة المعترضين على قانون التظاهر وانتهازية فلول نظام مبارك الفاسد من جهة، وبينهم وبين السلطة ومسانديها على اختلاف توجهاتهم من جهه أخرى.
•••
ولاشك أن الملحمة الثورية قد اصطدمت خلال السنوات الثلاث الماضية بتحديات ضخمة أمام تحقيق أهدافها، متمثلة فى ميراث طويل من خطايا حكم مبارك (أحمد النجار ــ الأهرام ــ 24/3/2013) الذى جرف وخرب فى طريقه الكثير من مقومات المجتمع والدولة ومن قدرات وكفاءة الأفراد والمؤسسات، وبسبب التداعيات السلبية لحكم المجلس العسكرى وحكم مرسى على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسلوكية، إلا أن الملحمة الثورية قد أحدثت بالفعل متغيرات إيجابية عميقة فى المجتمع المصرى ــ فى ظنى ــ ستمكنها من الاستمرار حتى يتم تحقيق جميع أهدافها.
الدور الجديد للشارع المصرى وبالأخص «الشباب والنساء» فى رسم أجندة السياسة الداخلية والخارجية لتحقيق حرية وكرامة المواطن والوطن والذى بدأ فى التصاعد منذ 2004 «كفاية ثم 6 أبريل وخالد سعيد و9 مارس...إلخ» حتى تاريخه. ومن المؤكد أن اندلاع الملحمة الثورية فى 25/1/2011 والخروج التاريخى للشعب فى 30/6/2013 قد عمق الإحساس لدى الجماهير بأهمية هذا الدور وخاصة بعد أن مكنهم من انتزاع حق استخدام صكوك ملكية الوطـن (الصوت الانتخابى والصوت الاحتجاجى)، وبعد أن هدم جدار خوفهم من الحكم السلطوى (بغير رجعة). ولقد أدى الشعور المتعاظم بالحرية والانتماء الوطنى مع انهيار هيبة السلطة الاستبدادية، إلى إدماج جزء كبير من الشعب المصرى فى عملية بناء النظام السياسى الجديد. ولا شك أن ما اضطلعت به تجمعات المثقفين والشباب فى منظمات المجتمع المدنى «القانونية والواقعية» من أنشطة دعوية مكثفة على مدار السنوات فضلا على «الإعلام الوطنى والعربى والأجنبى» متضمنا شبكات التواصل الاجتماعى الإلكترونى، قد أسهمت فى تمكين الملايين وتبصيرهم بحقوقهم، وبالوسائل اللازمة للحصول عليها عبر الضغط على السلطة. ولقد أدى ذلك كله إلى خلق رقابة شعبية غير مسبوقة على الإطلاق على أداء أهل الحكم والمجتمع المدنى ومن فى المعارضة السياسية.
•••
طرح تحجيم الدور السياسى للمؤسسة العسكرية للنقاش العام، بشكل لم يحدث منذ ستة عقود، حتى تم التوصل إلى تقنينه فى بنود دستور 2014 لفترة زمنية محددة. ولا شك أن ذلك هو بمثابة تصميم واتجاه واضح لتأسيس دولة مدنية عصرية عبر الخروج من النفق الحكم السلطوى «الخفى أو المعلن» منذ يوليو 1952.
حدوث تحول نوعى وخاصة بعد 30/6/2013 فى العلاقات «العلمانية والليبرالية/ الدينية»، فلم يعد التيار الدينى السياسى بقيادة الإخوان المسلمين ــ كما كان فى العقود الماضية ــ مهددا لتغيير صادم لثقافة المجتمع أو بديلا وحيدا مطروحا للسلطة التى يقودها منتسبو المؤسسة العسكرية منذ 1952 بالتعاون مع القوى السياسية الليبرالية والعلمانية. ومما لاشك فيه أن هذا التحول المهم ما كان أن يحدث إلا بسبب الفشل الواضح لهذا التيار أمام جموع الشعب المصرى فى إدارة مقدرات «الدولة والمجتمع» لمدة حوالى سنة. وأصبح المستقبل يوحى بجلاء أن التيارات الدينية السياسية التى ستلتزم بالمواطنة والقادرة على التفاعل الديمقراطى وفق الدستور وقواعد حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، هى فقط التى باتت فى طريقها للاندماج فى صلب عملية إعادة بناء الدولة المصرية على أسس عصرية.