السودان وإعلان البرهان والحلو - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الثلاثاء 3 أغسطس 2021 6:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن أداء المنتخب الأوليمبي بعد الخروج من ربع نهائي أولمبياد طوكيو؟


السودان وإعلان البرهان والحلو

نشر فى : الأربعاء 7 أبريل 2021 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 7 أبريل 2021 - 10:00 م

تعمل السلطة الانتقالية فى السودان، بشقيها المجلس السيادى، والحكومة الانتقالية، بكل جهد ممكن على استكمال تحقيق السلام فى السودان بين السلطة المركزية وكل الفصائل المسلحة فى أقاليم السودان المختلفة. وقد تم توقيع اتفاق السلام فى السودان بين المجلس السيادى وكل من حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، والحركة الشعبية بقيادة مالك عقار، وحركة تحرير السودان، بزعامة منىّ أركومناوى، وعدة فصائل أخرى صغيرة، فى 3 أكتوبر 2020، وجارٍ استكمال تنفيذ بنود هذا الاتفاق. وقد بقيت حركات أخرى مسلحة لم تنضم إلى الاتفاق المشار إليه أهمها الحركة الشعبية لتحرير السودان ــ شمال، بزعامة عبدالعزيز الحلو فى جبال النوبة والنيل الأزرق، وحركة تحرير السودان، بقيادة محمد عبدالواحد النور فى دارفور.
ويقوم رئيس جنوب السودان، سيلفا كير ميارديت، وفريق من القيادات معه بدور الوساطة بين السلطة فى الخرطوم وباقى الحركات المسلحة للانضمام لعملية السلام فى السودان. وأسفرت هذه الوساطة عن التوصل إلى توقيع بيان مشترك يوم 28 مارس 2021 بين الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادى السودانى، مع رئيس الحركة الشعبية – شمال، عبدالعزيز الحلو، ووقع كشهود على الاتفاق رئيس جنوب السودان سيلفاكير، والمدير التنفيذى لبرنامج الأغذية العالمى.
***
وقد تضمن البيان فى مقدمته أن الطرفين أخذا فى اعتبارهما المعاناة الطويلة والمستمرة للمواطنين فى مناطق الحرب، وكذلك ما تم تناوله فى المحادثات السابقة التى جرت بين الطرفين، ومن ثم تم الاتفاق على عدة مبادئ مهمة منها:
ــ تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية، تضمن حرية الدين والممارسات الدينية والعبادة.
ــ أن لا تفرض الدولة دينا على أى شخص ولا تتبنى دينا رسميا، وتكون الدولة غير منحازة فيما يخص الشئون الدينية، وشئون المعتقد والضمير، وتكفل حرية الدين والممارسات الدينية، وعلى أن تضمن أن هذه المبادئ سيتضمنها الدستور.
ــ إقامة جيش قومى مهنى على عقيدة عسكرية موحدة جديدة، يلتزم بحماية الأمن الوطنى وفقا للدستور، وعلى أن تعكس المؤسسات الأمنية التنوع والتعدد، وأن يكون ولاؤها للوطن وليس لحزب أو جماعة، كما يجب أن تكون عملية دمج وتوحيد القوات عملية متدرجة تكتمل بنهاية الفترة الانتقالية، بعد حل مسألة العلاقة بين الدين والدولة فى الدستور.
ــ أن تستند قوانين الأحوال الشخصية إلى الدين، والعرف والمعتقدات، وبطريقة لا تتعارض مع الحقوق الأساسية، وأن تعمل حكومة السودان على الانضمام إلى المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التى لم تصادق عليها، وإدراجها فى اتفاق السلام فى السودان.
***
وعقب توقيع إعلان المبادئ، شدد الفريق أول عبدالفتاح برهان على أهمية تحقيق السلام فى السودان، وأن التوقيع على الإعلان بداية حقيقية للتصميم الذى سيقود إلى السلام الذى يجعل السودان بلدا للجميع، وأنه سيقاتل من أجل تحقيق هذا السلام وحمايته. ووصف رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك توقيع الإعلان بأنه خطوة شجاعة ودليل على توفر الإرادة الصلبة لدى كل السودانيين، مدنيين وعسكريين، لاستكمال المرحلة الثانية من سلام السودان وأنه سيحرص على أن تتصل الجهود وتستمر وصولا إلى اتفاق سلام شامل وعادل لا يستثنى أحدا، ويكون أساسا للتوافق على مشروع وطنى سودانى.
أما عبدالعزيز الحلو فيرى أن توقيع إعلان المبادئ يمهد لمفاوضات أوسع تترجم المبادئ المتفق عليها وتحولها إلى نصوص تضمن دوران عجلة التغيير فى السودان، وتعزز استمرار جهود الإصلاح للانتقال من الشمولية إلى رحاب الديمقراطية، وترسيخ الحريات، واحترام حقوق الإنسان فى السودان، وأنه من القضايا المهمة التى تواجه السودان صياغة دستور ديمقراطى، وضمان استقلالية القضاء وحكم القانون وتفعيل آليات المحاسبة الديمقراطية، ووقف التدهور الاقتصادى، والتحديات الأمنية، وإدارة التنوع والتعدد فى السودان. وأعرب عن أمله أن يضع المفاوضون مصلحة الوطن بدلا من التنافس فيما لا طائل منه حتى تعود البلاد إلى سلام حقيقى. واعتبر التوقيع على الإعلان اختراق مهم فى مسار العملية التفاوضية التى تؤدى إلى سلام ووحدة عادلة.
وسيكون للجنة الوساطة الجنوب سودانية دور مهم من المقرر أن تبدأه عقب توقيع الإعلان من أجل التوصل إلى صياغة لاتفاق سلام فى نصوص محددة ومقبولة من الطرفين وذلك إزاء تجربة سابقة عندما وقع رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان ــ شمال عبدالعزيز الحلو، على إعلان المبادئ الأول فى أديس أبابا قبل نحو ستة أشهر من توقيع الإعلان الثانى الحالى، ولكنه قوبل بالاستهجان من عدة أطراف، ورفض قاطع من قبل المجلس العسكرى فى السلطة التنفيذية الانتقالية، ونقل وقتئذ عن أحد أعضاء مجلس السيادة الانتقالى قوله واصفا الاتفاق بأن «من لا يملك أعطى لمن لا يستحق» وقد رد عليه د/ عبدالله حمدوك بأن هذا «تصور قاصر».
وقد كان الإعلان الأول ينص صراحة على «فصل الدين عن الدولة» وهو ما تم تجنبه فى الإعلان الجديد الذى تضمن نفس المعنى دون أن ينص عليه صراحة؛ حيث إن إجمالى البنود التى تنص على عدم تدخل الدولة فى الدين أو العقيدة أو تفرض دينا معينا، وإرجاع قانون الأحوال الشخصية إلى معتقدات وأعراف كل منطقة. وهو ما يعنى فصل الدين عن الدولة ويؤكد النص على أن تكون الدولة علمانية وأن يكون ذلك ليس مجرد اتفاق فى إعلان أو الاتفاق الذى سيجرى التفاوض عليه فقط، وإنما أن تكون نصا دستوريا يعلو فوق كل القوانين. وما تزال بعض الطوائف والأحزاب فى السودان تعترض على ما تضمنه الإعلان الجديد بشأن عدم تدخل الدولة فى الشئون الدينية والمعتقدات، ويرون أن تقرير ذلك لا يدخل فى اختصاص مجلس السيادة الانتقالى ولا اختصاص الحكومة الانتقالية وإنما هو اختصاص أصيل للشعب السودانى وهو الذى يقبله أو يرفضه.
كما تضمن الإعلان الأول نصا صريحا على حق تقرير المصير لمنطقتى جبال النوبة والنيل الأزرق، وقد أثار النص مخاوف أن ينتهى الأمر بالمنطقتين المذكورتين إلى الاستقلال والانفصال عن السودان كما حدث مع جنوب السودان عندما تضمن اتفاق نيفاشا حق تقرير المصير الذى انتهى بعد ست سنوات إلى الاستقلال. وقد استخدم الإعلان الجديد نص الفيدرالية وحق كل إقليم فى أن يتولى شئونه فى شكل حكم ذاتى يرتبط بالسلطة المركزية فى العاصمة الخرطوم.
وتضمن الإعلان الأول احتفاظ الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بجيشها طوال المرحلة الانتقالية وكان هذا أمرا مرفوضا من مجلس السيادة السودانى، وتضمن الإعلان الجديد القيام بدمج تدريجى لقوات الحركة الشعبية فى جيش وطنى موحد وذلك خلال الفترة الانتقالية، مع اشتراط أن لا يكون ولاء هذا الجيش الوطنى السودانى لجماعة أو فئة أو حزب معين.
إن الإشارة إلى ما سبق رفضه من جانب المجلس السيادى أو من جانب الحركة لإبداء مدى الحساسيات والصعوبات التى من المنتظر أن تواجه المفاوضات بين الجانبين من أجل التوصل إلى اتفاق يتماهى مع المبادئ الأساسية التى تضمنها الإعلان الموقع من البرهان والحلو، ومدى ما يمكن أن تمارسه عدة أطراف دينية وسياسية من ضغوط خلال المفاوضات، وما يتطلبه ذلك كله من جهود مكثفة من جانب الوسيط وهو جنوب السودان وما تحظى به قياداته خاصة الرئيس سلفا كيرميارديت من ثقة لدى زعماء الحركات الشعبية المسلحة سواء التى وقعت الاتفاق فى أكتوبر 2020 أو التى دخلت فى مفاوضات مع السلطة فى الخرطوم، أو تلك التى لا تزال تحوم حول مطالب تبعدها بعض الشىء عن التوصل لاتفاق ومنها حركة تحرير السودان المسلحة بقيادة محمد عبدالواحد النور، الذى يعمل رئيس جنوب السودان والسلطة الانتقالية فى الخرطوم على إقناعه للدخول فى مفاوضات تؤدى إلى التوصل لاتفاق سلام وذلك لاستكمال عملية السلام الشامل فى السودان والتى تساهم بفعالية فى الحيلولة دون حدوث انفصال أقاليم أخرى فى السودان، وحشد الجهود من أجل التنمية والاستثمار الأمثل لموارد السودان الطبيعية والبشرية والخروج من أزمته الاقتصادية الحادة.
وتبقى صعوبة أخرى وهى أن تحقيق عملية السلام الشامل ودمج هذه الحركات المسلحة فى الجيش والقوات الأمنية وفى الحكومة والمجلس السيادى، وتضمين ذلك كله فى دستور جديد، كل ذلك خلال الفترة الانتقالية وما فيها من تجاذبات بين عدة جبهات دينية ومدنية وجهوية وعقائدية فى بلد متنوع الأعراق والثقافات والمعتقدات، وهو ما يتطلب صدق النوايا وإعلاء مصالح وأمن واستقرار السودان فوق كل الاعتبارات الأخرى.
مساعد وزير الخارجية الأسبق

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات