خطة بايدن.. بين تفريغ نتنياهو لجوهرها والامتعاض الصيني والروسي - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
السبت 13 يوليه 2024 4:08 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

خطة بايدن.. بين تفريغ نتنياهو لجوهرها والامتعاض الصيني والروسي

نشر فى : الجمعة 7 يونيو 2024 - 6:40 م | آخر تحديث : الجمعة 7 يونيو 2024 - 6:40 م

يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكى، جو بايدن، قد حسمت أمرها وقررت أخيرًا التدخل بقوة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإنهاء للحرب فى غزة وصفقة لإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين المحتجزين فى القطاع، مقابل الإفراج عن عدد معتبر من الأسرى الفلسطينيين فى سجون الاحتلال.

حسمت إدارة بايدن أمرها أيضًا فيما خص ضرورة أن يرتبط إنهاء الحرب بتوافق واسع حول حكم غزة فى اليوم التالى يستند إلى دور رئيس للسلطة الفلسطينية ودعم إقليمى ودولى لها، وكذلك فيما خص حتمية إنهاء الحرب للحد من التوترات المتصاعدة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية والحيلولة دون تدهور العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، بسبب استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية فى رفح الفلسطينية وعلى امتداد الحدود فى ممر فيلادلفيا.

• • •

قبل صيف الحملات الانتخابية الساخن فى الولايات المتحدة، حسمت إدارة بايدن أمرها لجهة إنهاء الحرب والانتقال من يومياتها المفزعة إلى نقاشات أخرى عن اليوم التالى واحتواء خطر اشتعال حرب ثانية بين إسرائيل وحزب الله وخطر تدهور أوسع فى الأمن الإقليمى الذى توظف القوة العظمى أدواتها العسكرية والدبلوماسية للحد منه فى جنوب البحر الأحمر وعلى امتداد مناطق النفوذ الإيرانى فى العراق وسوريا ولبنان. كما أن واشنطن تتوسط بين القاهرة وتل أبيب لمنع دخول العلاقات الثنائية فى لحظة أزمة بسبب التصرفات الإسرائيلية ويساعدها فى ذلك العقلانية الشديدة التى تبديها مصر فى إدارة ملفات غزة من الضغط باتجاه إنهاء الحرب ومواصلة جهود الوساطة بين إسرائيل وحماس إلى الوضوح التام فى تحديد المرفوض من القاهرة (كالسيطرة الإسرائيلية على معبر رفح فى الجهة الفلسطينية) والتصرف حياله بفاعلية (إغلاق معبر رفح فى الجهة المصرية مع السماح بدخول المساعدات إلى القطاع عن طريق معبر كرم أبوسالم لكيلا تتدهور الأوضاع الإنسانية فى غزة، وهى مأساوية بالفعل).

تبحث الإدارة الأمريكية أيضًا عن تهدئة إقليمية تمكنها من تمرير صفقة ثنائية مع السعودية قد تتضمن تطبيعًا بين الرياض وتل أبيب نظير التوافق على مسار واضح مؤيد عربيًا ودوليًا لإقامة الدولة الفلسطينية والاعتراف بها ونظير ضمانات أمنية وامتيازات أخرى (مفاعلات لإنتاج الطاقة النووية) تقدمها واشنطن للرياض التى تتوقع إدارة بايدن من تطبيعها المحتمل مع تل أبيب انفتاحًا واسعًا فى العالم العربى والإسلامى على فرص التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتفصيلًا لها على استمرار عسكرة القضية.

• • •

هكذا تقرأ إدارة بايدن الوضع فى غزة وعموم منطقة الشرق الأوسط اليوم، وهى فى حساباتها الكثيرة ليست متجردة أبدًا من الاعتبارات الانتخابية ومن الخوف من التداعيات السلبية لاستمرار الحرب على أصوات الناخبات والناخبين الأمريكيين العرب وبعض الناخبات والناخبين الأمريكيين من أصول إفريقية واحتمالية ابتعادها عن التصويت لصالح بايدن والحزب الديمقراطى فى نوفمبر ٢٠٢٤.

غير أن الإدارة الأمريكية، وهى وإن أثبتت منذ أكتوبر ٢٠٢٣ وبما لا يدع مجالًا للشك أنها القوة العظمى الأكثر تأثيرًا فى الشرق الأوسط والأكثر قدرة على تعبئة قدرات عسكرية ودبلوماسية هائلة للتعامل مع أزماته الدائمة، تتجاهل فى مقاربتها لحرب غزة بعض الحقائق بالغة الأهمية التى تتناقض مع تفضيلاتها وحتما ستصعب فى التحليل الأخير من احتمالية نجاح واشنطن فى تنفيذ سياساتها.

بداية، ليس بإمكان الولايات المتحدة إجبار إسرائيل على السير فى مسارات إنهاء الحرب والإدارة الفلسطينية للقطاع والتوافق على إطار تفاوضى لحل القضية. تحاول إدارة بايدن بإعلانها عن خطتها للسلام الضغط داخل إسرائيل على قوى اليمين المتطرف التى تسيطر اليوم على حكومة بنيامين نتنياهو وخلق مساحات للفعل السياسى للقوى الأقل تطرفًا لكى تصنع قرار السلام بدلًا من قرار مواصلة الحرب (وربما توسيع جبهاتها) ولكى تعظم من فرصها فى انتخابات برلمانية مبكرة لم تتضح بعد احتمالية حدوثها. غير أن واشنطن، حتى عندما تقرر توظيف مساعداتها العسكرية والمالية لتل أبيب كأداة ضغط، لا تستطيع أبدًا أن تضمن سير حكومة إسرائيل فى المسارات المرادة. فقد تتقزم خطة السلام الأمريكية (مبادرة بايدن) إلى مجرد شىء من التهدئة فى وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية ومزيد من المساعدات الإنسانية للقطاع دون إنهاء الحرب وقد تتجه إسرائيل إلى مواجهة عسكرية واسعة مع حزب الله فى لبنان.

كذلك، ولأن المقاربة الأمريكية تستند إلى إخراج حماس من معادلة إدارة شئون غزة فى اليوم التالى للحرب والاعتماد على السلطة الفلسطينية فى حكم القطاع مع دعم إقليمى ودولى فإن احتمال تحول حماس والفصائل المتحالفة معها إلى قوى مناوئة للخطة الأمريكية وقوى لمقاومة إجراءات التهدئة والأمن يظل حاضرا بقوة. ناهينا عن كون إمكانية اضطلاع السلطة الفلسطينية بمسئولية حكم وإدارة غزة تحفها العديد من الشكوك بسبب ضعفها الهيكلى وغياب التوافق الوطنى الفلسطينى.

وإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع التعويل على دعم مصر والدول العربية المعتدلة لخطتها وكذلك دعم تركيا والدعم الأوروبى، إلا أن الشرق الأوسط به من الأطراف غير الراغبة فى التسوية السلمية للقضية الفلسطينية ما يقلل من فرص نجاح الخطة الأمريكية. والإشارة هنا هى إلى إيران والحركات المعسكرة القريبة منها فى العراق وسوريا ولبنان واليمن.

أما القوى العظمى الأخرى، تحديدًا الصين وروسيا وهما تتنافسان مع الولايات المتحدة عالميًا وإقليميًا، وتدركان أن حرب غزة قد أظهرت فاعلية واشنطن العسكرية والسياسية وعلى جبهات متعددة مثلما دللت على محدودية تأثير بكين وموسكو، لا تريد لا الصين ولا روسيا إضافة نجاح دبلوماسى إلى سجل واشنطن إن تمكنت خطتها من إنهاء الحرب ودون مشاركة أو تنسيق مع بكين وموسكو (من هنا الاختلافات الراهنة بين الأطراف الثلاثة فى مداولات مجلس الأمن بشأن مشروع القرار الأمريكي). تجاهلت الولايات المتحدة الصين وروسيا، وليس امتعاض القوتين ورفضهما للانفرادية الأمريكية (تصريحات فلاديمير بوتين الأخيرة عن خطر السياسات الأمريكية فى الشرق الأوسط حين تغيب القوى الكبرى الأخرى) بغير المتوقع.

أخيرًا، تبالغ إدارة بايدن ولأسباب عديدة أبرزها تحولات الرأى العام العالمى والإقليمى باتجاه رفض احتلال واستيطان إسرائيل ونظام الفصل العنصرى الذى تستند إليه والتعاطف الواسع مع فلسطين وحق شعبها فى تقرير المصير ورفع الظلم الواقع عليه، تبالغ فى تقدير مدى أهمية تطبيع محتمل بين الرياض وتل أبيب على عموم الدول العربية والإسلامية. فلا تطبيع الطرفين سيوفر حلًا سحريًا للقضية الفلسطينية، ولا سيغير من التوجهات العالمية والإقليمية السلبية بعد حرب غزة والكارثة الإنسانية التى تسببت بها، ولا حديث الإدارة الأمريكية عن إطار للتفاوض باتجاه إقامة الدولة الفلسطينية بكافٍ لطمأنة الشعب الفلسطينى والمتعاطفين مع حقه المشروع، فتاريخ القضية الفلسطينية يحفل بأحاديث الإدارات الأمريكية عن أطر التفاوض والتسويات السلمية دون نجاح يذكر.

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات