الذين يطلبون فرعونـًا جديدًا - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الجمعة 23 أكتوبر 2020 7:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

الذين يطلبون فرعونـًا جديدًا

نشر فى : الأربعاء 7 أكتوبر 2015 - 7:25 ص | آخر تحديث : الأربعاء 7 أكتوبر 2015 - 7:25 ص

لا يكفى أن يطمئن الرئيس المصريين من أن أحدا «لا يستطيع أن يعود بهم إلى الوراء أو أن يفرض عليهم إرادته، لا رئيس ولا غيره».
القضية لا تتعلق بنوايا رجل بقدر ما تتعلق بالخيارات الكبرى التى تجعل مثل هذه العودة مستحيلة.
أشباح الماضى تحوم فى السياسات والفضائيات تطلب فرعونا جديدا يستأنف ما اعتادته من مصالح على حساب الغالبية العظمى من المصريين.
بقدر حضور الماضى فى المشاهد السياسية والاقتصادية والإعلامية فإن شرعية الحاضر مرشحة للتآكل بأسرع من أى توقع.
وهذا خطر داهم لا يصح التهوين من أخطاره على المستقبل المصرى كله.
بتعبيره لوسائل الإعلام الأمريكية فإن «حلم يناير» مازال حاضرا.
السؤال: أى حلم بالضبط؟
صلب «يناير» الدعوة للانتقال إلى نظام جديد يلتحق بعصره وتستحقه مصر.
بتعبير آخر سجله فى احتفالات أكتوبر: «٣٠ يونيو هو حدث جلل كبير».
هذا مما لا شك فيه غير أن هناك من يطلب خطف «يونيو» على النحو الذى جرى لـ«يناير».
صلب «يونيو» طلب بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.
يصعب الادعاء أننا اقتربنا بأية درجة من هذا الطلب.
بعض الأسباب تعود إلى حجم التحديات التى اعترضته عند صعوده الرئاسى من حرب توحشت مع الإرهاب وحصار دبلوماسى شبه خانق وتصدع اقتصادى ينذر بانهيارات محتملة.
وبعض الأسباب الأخرى تعود إلى غياب أية بوصلة ترشد الخطى وتلهم التغيير العسير.
فى غياب البوصلات تراجعت الرهانات الكبرى بفداحة.
فى فراغ الرؤية تقدم الماضى ليملى كلمته على السياسات ويصفى حسابه مع «يناير».
بتصاعد مخاوف عودة الدولة الأمنية تكاد «يونيو» أن تتقوض.
لا يمارى أحد فى أهمية عودة الأمن لأدواره ودعمه فى الحرب مع الإرهاب لكن ذلك لا يعنى إهدار كرامة المواطنين والعصف بحقوقهم.
ولا يشك أحد فى ضرورة الاستثمار وفق القواعد التى يعرفها العالم لكن ذلك لا يعنى الدوس على الحقوق الاجتماعية للطبقة الوسطى والفئات الأكثر عوزا والتساهل فى أى حرب ممكنة مع الفساد وركائزه.
إطلال الماضى يزكى القلق العام على صورة المستقبل.
الثقة العامة من مقتضيات أى إنجاز محتمل وأى استقرار مطلوب.
لماذا تغيب الثقة العامة فى صورة المستقبل؟
ببساطة لأنه لا توجد رؤية معلنة، السياسة تراجعت بفداحة والقدرة على بناء التوافقات العامة فى أدنى درجاتها.
لم تترتب على «يونيو» سياسات جديدة تنسخ الماضى وتتسق مع دعوتها لبناء دولة العدل والحرية.
نعم «حدث تغيير كبير» على ما يقول الرئيس لكن فى النفسية العامة لا فى السياسات المتبعة.
الناس تغيروا والسياسة لم تتغير.
الإنهاك البادى من تجربة الخمس سنوات الأخيرة لا يعنى أنهم لم يتغيروا.
وإذا كان هناك من لا يعتقد فى ذلك فسوف يدفع الثمن باهظا.
بكلام واضح لم يعد ممكنا حكم مصر على الطريقة التى كانت تحكم بها من قبل.
رغم ذلك فهناك من يطلبون فرعونا جديدا ويلحون على الطلب كأن مصر لم تقم بثورتين لتستحق الديمقراطية.
هذا أسوأ سيناريو ممكن، فهو يسحب من المصريين حقهم فى بناء نظام جديد يلتحق بعصره ويسحب من الرئيس صورته فى التاريخ.
انطوت دعوات تعديل الدستور من فوق منابر الفضائيات على هذه الفكرة المدمرة لأى معنى وقيمة وتضحية بذلت فى هذا البلد.
المثير أن بعض الذين سعوا بدأب لتصفيته معنويا حتى لا يكون مرشحا محتملا لمنصب وزير الدفاع خلفا للمشير «محمد حسين طنطاوى» قبل الانتخابات الرئاسية التى صعدت بـ«محمد مرسى» إلى الاتحادية هم بعض الذين يدعون اليوم إلى أن يكون فرعونا جديدا.
القصة طويلة وهو يعرف تفاصيلها ومطلع على أسرارها.
بأى تعريف جدى للدور الذى يتوجب عليه الاضطلاع به بعد ثورتين فإنه بناء دولة المؤسسات لا دولة الفرد، دولة الثورة لا دولة الثورة المضادة.
الثورات ليست خالدة إلا بقدر ما تستقر أهدافها ومبادئها فى الضمير العام.
فى نهاية المطاف تستقر الشرعية الثورية فى الشرعية الدستورية.
الدساتير ليست مقدسة غير أن التلاعب بها عواقبه وخيمة.
هذه حقيقة ثبتت فى تجربتى «حسنى مبارك» و«محمد مرسى».
لا يجوز بأية حال ارتكاب نفس الخطيئة مجددا فمصر لا تحتمل هذه المجازفات الخطرة.
يمكن تمرير أية تعديلات دستورية من المجلس النيابى المقبل بالنظر إلى تشكيله المحتمل.
ويمكن تمرير التعديلات فى استفتاء شعبى، غير أن كتلة حرجة جديدة سوف تولد وتتغير بعدها المعادلات والحسابات.
يحسب للرئيس التنبه لكمائن الخطر وتحسبه من الوقوع فيها.
بنص كلماته فى احتفالات أكتوبر: «إن بعض الناس تتحسب مما قيل عن تعديل الدستور وأنا أشارككم التحسب».
التحسب تعبير دقيق للغاية، فما بعد التلاعب بالدستور انهيار محتمل.
التعبير نفسه إيجابى بشأن قطع الطريق على الذين يتهمون الدستور أفضل إنجاز سياسى لـ«٣٠» يونيو بأنه «مؤامرة» انخرطت فيها لجنة «الخمسين» بكامل أعضائها.
كانوا أول من رقصوا للدستور الجديد وأول من مسحوا به صالات الفضائيات قبل تطبيقه.
شىء لا يدعو لأى احترام ويدعو لكل تحسب من المستقبل المجهول.
فى تحسب الرئيس دخول إلى ما وراء الحملة الممنهجة ضد الدستور «أنا واحد منكم ولا تتعاملوا معى باعتبار صاحب سلطان».
السلطان تعبير مخفف للفرعون.
غير أن ما يضمن حسن النوايا أن تتسق معه السياسات.
المعضلة الحقيقية أن التعهدات المطمئنة لا تنعكس فى السياسات الجارية.
لا يستبعد بضغط ذات القوى العودة إلى الإلحاح من جديد على صناعة الفرعون.
فإذا لم يكن «عبدالفتاح السيسى» فليكن من بعده.
اللعبة تحكمها المصالح التى تطلب استنساخ الماضى بسياساته ورجاله.
هذا هو موضوع الصراع الحقيقى فى مصر الآن.
الحسم يتطلب أن تكون هناك رؤية تضمن أوسع توافق وطنى لبناء البلد من جديد الذى نهبت موارده وتقوضت مكانته وتفككت دولته بأثر الماضى وسياساته التى يطلبون عودتها.
أية رؤية حقيقية لابد أن تلتزم بالدستور وإلا فقدت شرعيتها.
هذا موضوع حوار تأخر بأكثر مما هو طبيعى.
وفق تعهده بأنه لا ولاية ثالثة بمعنى لا إلغاء للدستور الحالى الذى يحدد مدد الرئاسة لمرتين يأتى بعدهما رئيس جديد فإن أول مهامه تأكيد احترام القيم الدستورية فى الحريات والحقوق العامة والعدل الاجتماعى وفى التوازن بين السلطات.
تنشأ الدساتير لوضع قيود على السلطة التنفيذية.
إذا لم تكن هناك مثل هذه القيود فإنها لا تساوى الحبر الذى كتبت به.
هذه مهمة ليست هينة فى أى حساب جدى.
إنجازها يضعه مباشرة فى مصاف القادة الكبار الذين انتقلوا بشعوبهم من حال إلى آخر.
والتنكر لها يضعه فى مكان آخر لا يحبه لنفسه.
فهو رجل شغلته طويلا قبل التقدم إلى الرئاسة صورته فى التاريخ.
أخطر اختباراته أن يتذكر أنه بشر وأن الأمانة التى تحملها بإرادة شعبه تستحق رؤية أوضح تعيد لـ«يناير» حلمه وتصنع لـ«يونيو» دولته الدستورية.