صناعة النفط السورية.. فرص كبيرة - قضايا اقتصادية - بوابة الشروق
الخميس 1 يناير 2026 4:10 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

صناعة النفط السورية.. فرص كبيرة

نشر فى : الأربعاء 31 ديسمبر 2025 - 7:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 31 ديسمبر 2025 - 7:10 م

عند الإحاطة بتطور الصناعة النفطية السورية يتوجب التطرق إلى الموقع الاستراتيجى لسوريا ما بين حقول النفط العملاقة فى العراق ودول الخليج، وإمكانية تشييد أنابيب نفط عابرة للدول، للتصدير من ساحل شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية والغربية عبر سوريا ذات الموقع الجيواستراتيجى المهم الذى يتيح «الترانزيت» لهذه الخطوط العابرة للدول، والتصدير مباشرة من الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط.

 


من ناحية أخرى، تكمن أهمية دولة مثل سوريا ليس فقط فى موقعها الاستراتيجى، بل أيضًا فى إمكانية توفر السوق الضخمة لاستيعاب كميات النفوط الضخمة، كما التى تم ضخها من الساحل السورى إلى السوق الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط بُعيد نهاية الحرب العالمية الثانية. وكما هو معروف، شكّل التصدير النفطى الضخم بالأنابيب عبر سوريا بُعيد الحرب العالمية الثانية جزءًا مهمًا من طريقة تصدير النفوط العربية إلى الأسواق الدولية.
أما بدءًا من الربع الأخير للقرن العشرين، فقد طرأ تغيّر كبير فى تجارة النفط؛ إذ تبنت أقطار السوق الأوروبية اتفاقية باريس للأمم المتحدة لمكافحة تغيّر المناخ التى تهدف إلى تقليص الانبعاثات الهيدروكربونية، ومحاولة الوصول إلى تصفير الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2050. تكمن المحاولة الأوروبية هذه فى الاعتماد على الطاقات المستدامة من الشمسية والرياح والنووية، بالإضافة إلى الغاز الطبيعى، والطاقة الهيدروكربونية التى هى أقل مصدرًا للانبعاثات، هذا يعنى تقليص استعمال النفط بقدر الإمكان ومحاولة إنهاء إنتاج وحرق الفحم أوروبيًا، مع العلم أن الفحم الحجرى كان المصدر الرئيس للطاقة الأوروبية حتى أوائل القرن العشرين.
شيدت شركة «أرامكو» خط «التابلاين» وانتهت من العمل عليه فى عام 1950. تم الضخ من خلال «التابلاين» النفط من حقل أبقيق فى شرق السعودية إلى ميناء الزهرانى بالقرب من صيدا فى جنوب لبنان المطلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وتم إيقاف الضخ فى الخط بقرار من الحكومة السورية لاحقًا لأسباب سياسية. وكان الخط يمر عبر هضبة الجولان المحتلة.
بادرت «شركة نفط العراق» الدولية التى اكتشفت حقل كركوك فى عام 1927 بتشييد خط أنبوب «كركوك ــ بانياس ــ طرابلس» فى 1952 ليستخدم فى تصدير النفط العراقى عبر مرفأ بانياس السورى، ومن ثم تم تشييد أنبوب قصير إضافى من بانياس إلى ميناء طرابلس اللبنانى للتصدير من هناك أيضًا إلى السوق الأوروبية. وفى كلتا الحالتين السورية واللبنانية تم تكرير نفط كركوك فى كل من مصفاة بانياس ومصفاة طرابلس، إلا أن هذا الخط أصبح جزءًا من الخلافات المتكررة ما بين العراق وسوريا لأسباب متعددة، فتم إغلاقه فى عام 1982 للتحالف السورى مع إيران فى الحرب العراقية ــ الإيرانية. كما تم إغلاقه مرة أخرى بسبب إصرار دمشق على زيادة ضريبة «الترانزيت» فجأة، خلافًا للاتفاق بين الدولتين. وشكلت الخلافات السياسية ما بين «حزب البعث» الحاكم فى كل من بغداد ودمشق الأسباب الرئيسة للخلافات. ولاحقًا استمر الخط مغلقًا بسبب «قانون قيصر» الأمريكى الذى يعاقب أى دولة تتعامل اقتصاديًا مع سوريا. ولا يزال الخط مغلقًا، رغم إلغاء «قانون قيصر» مؤخرًا. هناك أنباء صحفية عن إمكانية فتح الخط مجددًا، لكن سيحتاج هذا إلى وقت طويل لتصليحه. وقد شيّد العراق خط نفط للتصدير إلى أوروبا عبر تركيا، لكن الطلب الأوروبى على النفط قد انخفض، كما أن الولايات المتحدة قد أصبحت بعد تطوير صناعة النفط الصخرى فى 2015 دولة مصدرة للبترول، وأصبحت السوق المستوردة الكبرى جنوب وشرق آسيا؛ حيث تتجه نحو 60 ـــ 70 فى المائة من صادرات العراق ودول الخليج العربى يوميًا.
• • •
يُعتبر إيقاف سوريا الخطين (التابلاين، وكركوك ــ بانياس ــ طرابلس) خسارة كبيرة بملايين الدولارات للحكومة السورية كما للحكومة اللبنانية سنويًا التى كانتا تحصلان عليها من خلال رسوم «الترانزيت» على الخطين، ناهيك باستفادة عشرات من الشركات السورية واللبنانية الخاصة من أعمال الخدمة والصيانة على الخطين. ولعب كل من الخطين اللذين اعتُبرا من «الحجم الكبير» فى حينه دورًا مهمًا فى تعمير أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كما كانت تشحن كمية مهمة من خط «التابلاين» إلى السوق الأمريكية. ويعزى السبب الرئيس لتوقف الخطين إلى الاضطرابات السياسية فى الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، وبالذات عدم تمكن سوريا من فصل عمل الخطين النفطيين الضخمين عن خلافاتها السياسية مع الدول المنتجة، الأمر الذى أدى إلى توقف الخطين عن العمل وخسارة مالية كبرى لسوريا ولبنان.
تؤدى هذه التجربة إلى تساؤل المنتجين عن الاعتماد على تصدير النفط عبر سوريا، بالذات مع التغييرات التى حصلت فى أسواق النفط.
من نافلة القول إن إعادة تشييد خطوط مماثلة أمر ممكن، لكن ليس بالأمر البسيط؛ إذ إن تغيّرات كبرى قد حلت بصناعة وأسواق النفط. فبالنسبة إلى تجارة ترانزيت النفط إلى البحر الأبيض المتوسط، فقد شيّد عدد من الدول الخليجية مع مصر «خط سوميد» موازيا للتصدير النفطى عبر قناة السويس، كما شيّد العراق خط أنابيب عبر تركيا يوازى تقريبا التصدير عبر الأراضى السورية.
• • •
ومن جهة أخرى، تشير الإحصاءات الرسمية لإنتاج النفط الخام والغاز الطبيعى السورى إلى أن كمية النفط الثقيل الذى كان يتم إنتاجه فى عام 2005 بلغت نحو 63441 ألف برميل يوميا، وبلغ إنتاج النفط الخفيف فى العام نفسه أيضا نحو 89208 آلاف برميل يوميا؛ إذ إن إجمالى إنتاج النفط السورى فى عام 2005 سجل نحو 152649 ألف برميل يوميا.
فى نفس الوقت، كان إنتاج الغاز الطبيعى المرافق 3645242 ألف متر مكعب، والغاز الطبيعى الحر نحو 1821690 ألف متر مكعب، ومن ثم فمجمل الإنتاج للغاز الطبيعى لعام 2005 نحو 5466932 ألف متر مكعب.
واعتبرت محطات توليد الطاقة الكهربائية السورية المستهلك الرئيس للغاز النظيف، وشكلت منشآت وزارة الصناعة من معامل السماد والأسمنت المرتبة الثانية، بالإضافة إلى استهلاك الغاز فى المنشآت التابعة لوزارة النفط السورية مثل مصافى التكرير ومحطات توليد الطاقة فى حقول النفط المختلفة. لكن تدريجيا ازداد الطلب على الغاز ليشمل مستهلكين جددا فى قطاع النقل والمواصلات، كما استهلاك الغاز فى المنازل بدلاً من المازوت والغاز المنزلى، والمنشآت الصناعية المتوقعة من قبل القطاع الخاص، وذلك بحسب المعلومات الرسمية السورية الصادرة فى حينه.
وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن كميات النفط السورية التى تم تصديرها فى منتصف العقد الماضى كانت ضئيلة جدا، وكذلك بالنسبة للغاز (للسوق اللبنانية فقط وبشكل مؤقت).
عملت بعض كبرى الشركات النفطية العالمية وشركة النفط الوطنية فى سوريا حتى منتصف العقد الماضى، إلا أنه كان من الواضح أن القطاع البترولى، حاله حال بقية القطاعات الاقتصادية فى البلاد، أصابه الوهن بسبب الفساد المستشرى والاضطرابات السياسية فى البلاد (بالذات الحرب الأهلية)، مما أدى، مع القمع المستمر للأجهزة الأمنية وظلم الأجهزة السياسية، إلى العجز الذى أصاب الاقتصاد السورى وهجرة الملايين من السكان. كما أصيبت حقول النفط والغاز بكثير من الأضرار أثناء الحرب الأهلية، وبالذات الطرق البدائية التى استعملتها كل الأطراف المتنازعة لاستخراج النفط وحفر الآبار، والتى سيتوجب إصلاحها وترميمها لكى تستطيع الإنتاج بطاقتها القصوى ثانية.
وفى أغسطس الماضى، أعلن وزير الطاقة التركى ألب أرسلان بيرقدار بدء تدفق الغاز الطبيعى الأذربيجانى إلى سوريا عبر ولاية كلس التركية، وذلك بغرض توليد الكهرباء التى ستلبى «احتياجات 5 ملايين أسرة من الكهرباء».
من جانبه، فقد صرح إلشاد نصيروف نائب رئيس شركة النفط الأذربيجانية (سوكار)، بأن أذربيجان ستصدر 1.2 مليار متر مكعب من الغاز سنويا إلى سوريا من حقل «شاه دنيز» للغاز فى بحر قزوين.
كما أعلن صندوق قطر للتنمية مؤخرا البدء بالمرحلة الثانية من دعم الطاقة الكهربائية فى سوريا اعتبارا من الثانى من شهر أغسطس الماضى، بطاقة تبلغ 800 ميجاواط.

 

 

وليد خدورى

جريدة الشرق الأوسط اللندنية

قضايا اقتصادية القضايا الاقتصادية العالمية والدولية والمحلية
التعليقات