من الخوف إلى الحرية - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 10:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

من الخوف إلى الحرية

نشر فى : الأربعاء 8 مارس 2023 - 9:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 8 مارس 2023 - 9:25 م
كتاب «من الخوف إلى الحرية» للكاتب المصرى خالد منصور صدر هذا الأسبوع عن دار الكتب خان فى مصر ليروى سيرة المحللة النفسية والمثقفة المصرية النسوية عفاف محفوظ منذ سنواتها الأولى فى مدرسة للراهبات فى المنيا فى صعيد مصر فى أربعينيات القرن العشرين، ثم دراسة الحقوق فى جامعة الإسكندرية فى الخمسينيات، وزواجها الأول الذى انتقلت بعده لباريس فى الستينيات حيث نالت الدكتوراه فى العلوم السياسية وبدأت فى الاهتمام بالتحليل النفسى وعملها كمحللة نفسية فى أكثر مدن العالم تنافسا فى هذا المجال فى نيويورك.
• • •
تأخذنا عفاف محفوظ من السطور الأولى إلى عالمها فيبهت العالم من حول القراء. فى كتاب من مائتى صفحة تفرد الشخصية الرئيسة نحو مائة عام من تاريخ مصر المعاصر بأحداثها وقصصها وألوانها وتغير المجتمع فيها، تعود إلى السنوات التى سبقت ولادتها ونرافقها حتى مكان جلوسها اليوم.
• • •
أظن أن شهادتى مشروخة بعض الشىء لقربى من الكاتب ومن شخصية الكتاب الرئيسية ومعرفتى بهما بل وجلوسى معهما خلال ساعات من النقاش والاستماع. الحقيقة أنا مستمعة إليهما معظم الوقت وأحب صداقتهما. لكنى أيضا كنت قد انتقدت بعض ما كتبه خالد منصور فى نصوص سابقة ولم أتوانَ عن التعبير له عن عدم انجذابى لمقاطع فى كتب نشرها من قبل. هذا الكتاب يجمع بين اللغة السلسة والقضايا المركبة وفيه بعض من خفة ظل الشخصية الرئيسة وغمزاتها للحياة فأتخيلها طفلة تمد لسانها رغم أننى تعرفت عليها وهى محللة نفسية وقورة واثقة من نفسها.
• • •
نلهث أثناء القراءة وراء السياسة والعادات الاجتماعية ومحاولة عفاف محفوظ الدائمة بالتفكير النقدى والإنسانى معا ومن ثم بتغيير ما لا يقبله العقل ولا يستسيغه القلب. من طفولة قضتها فى المنيا إلى سنوات الدراسة والزواج اليافع فى فرنسا ثم عملها فى التحليل النفسى بينما المنطقة العربية تتغير وهى، أى عفاف، تنضج وتنضب جذورا فى الدوائر الثقافية فى عدة بلاد، إلى أن جلست بسكينة اليوم على شرفة منزلها فى ولاية فلوريدا الأمريكية حيث استقرت على أمل أن يعطيها هواء البحر سنوات إضافية كان طبيبا فى نيويورك قد شكك فى إمكانية حصولها عليها.
• • •
الكتاب كبسولة وقت كما يقال باللغة الإنجليزية، حبة يأخذها القارئ أو القارئة فى الصباح فلا يفلت الكتاب من يده سوى للضرورة القصوى إذ يعيش نبض الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التى يضمها الكتاب وكأنها دقائق وليست عقودا عاشتها عفاف. يحزن القراء مع طفلة عاقبتها راهبة قاسية فى المدرسة ويكتشف معها تغييرات جسدها كمراهقة، ثم يراقبها كزوجة يخيب أملها بالعلاقة رغم أنها، أى علاقة الزواج، تساعدها فى رحلة التفكير والدراسة والاستقلال والعمل. كل ذلك وفى الخلفية جد من ملاك الأراضى الذين أضاعوا ثرواتهم وجدة حكيمة فهمت بالفطرة العلاقة بين المال والاستقلال، وأحداث عالمية وتيارات فكرية عابرة للحدود غيرت بعض التقاليد الصارمة فى أوساط انتمت إليها عفاف وقريناتها فى الستينيات والسبعينيات، فى الكتاب بعض من «مذكرات فتاة رصينة» لسيمون دى بوفوار وبعض من «فى عين الشمس» لأهداف سويف. تلك السردية الساحرة عن أكثر الأمور شخصية فى أكثر السياقات عمومية!
• • •
فى الكتاب كل ما أحبه: سيرة حميمة لشخصية حقيقية، على خلفية أحداث سياسية محلية وعالمية، تأثير العام على الخاص والعكس بالعكس، دخول إلى أماكن سرية فى ذاكرة سيدة تحررت من قيود كثيرة وتصالحت مع شياطين ذاكرتها فروضت الكثير منها وقبلت، بحكمة شديدة، شياطين جديدة ظهرت لها على نواصى طريقها الطويل والغنى بالحكايات والحكمة.
• • •
تسأل عفاف فى أول الكتاب إن كانت حياتها تستحق أن تصبح كتابا وأنا أرى أن الكتاب لا يكفى لربط كل مراحل حياة سيدة عابرة للمجتمعات والبلاد والثورات كعفاف محفوظ، بحضورها الراقى ولمعة عينيها الشقية وابتسامتها السمحة وعقلها المشعل وقلبها الكبير. فى الكتاب نوعى المفضل من القراءة، تلك السلسة السهلة البصرية حتى أننى أكاد أرى بيت العائلة فى المنيا وشوارع مدينتى باريس ونيويورك.
• • •
حين قرأت كتاب «فى عين الشمس» للكاتبة القديرة والصديقة أهداف سويف قررت أن هذا النوع من الكتابة هو المفضل لدى، مزيج بين الرواية والتوثيق، تداخل تفاصيل حياتية مع أحداث كبيرة تمزق البلاد والمجتمعات أو تغيرها ببطء. منذ تلك الرواية وأنا أبحث فى كل ما أقرأ عن هذا الخليط، ووجدته عند كتاب أصبحوا من كتابى المفضلين، كجبور الدويهى وربيع علم الدين. فهمت مع الوقت أننى فى كل مرة أعيد تركيب وترتيب مراحل وأحداث من خلال شخصيات تروى حيوات وسياسات.
• • •
الدكتورة عفاف، مذهلة فى شفافية وعمق سردها، والكاتب دقيق وشديد النعومة فى ربط القصص بالمحيط. إن كنت ستقرأ كتابا واحدا هذه السنة عن مسيرة سيدة عربية نسوية اخترقت عادات الصعيد منذ أعوامها الأولى واخترقت لتكهن طبيبها فى نيويورك الذى طلب منها منذ ست سنوات أن تتحضر للرحيل، فهذا كتابك هذا الشهر!
• • •
كل عام والنساء قويات، مصرات على العلم والاستقلال المادى، وكل عام وهن عاطفيات دون أن يخجلن من لحظات الخوف والشك. كل عام والدكتورة عفاف محفوظ أجمل الصديقات، قادرة على استيعاب المخاوف خاصتها ومخاوف غيرها وهى تنظر إلى البحر وتحكى بصدق كل هذه المراحل فتشعر القارئة أنها أيضا خرجت من مدرسة الراهبات فى صعيد مصر إلى شرفة على المحيط فى فلوريدا.
تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات