هل يجوز إهمال دور الفرد فى تطوير التاريخ؟! - رجائي عطية - بوابة الشروق
الأحد 31 مايو 2020 12:05 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

هل يجوز إهمال دور الفرد فى تطوير التاريخ؟!

نشر فى : الأربعاء 8 أبريل 2020 - 10:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 8 أبريل 2020 - 10:30 م

حول هذا المعنى يناقش العقاد موقف «الماركسية» وأشياعها ـ من «الفرد» ودوره فى أطوار التاريخ، ويتوقف عند سمة رئيسية هى «استقلال» الشخصية.. فهى المناط فى التفرقة بين القادر والعاجز، وبين الرئيس والمرءوس، والرجل والطفل، والرشيد والقاصر، وصاحب الثروة والفقير، أو بين رب العائلة ومن يعول.
ولا تقدم ولا تطور بغير هذا «الاستقلال» فى الشخصية.
بينما يحرص الماركسيون على تغليب فكرة الإنتاج وقيام المجتمع بغير طبقات، ولا ينتهون بشأن الخصائص الفردية إلى ما يقتضيها، وهى تقتضى فى نظر العقاد الذى ينحاز للحرية وقيمة الفرد ـ أن يكون الأفراد هم المؤثرون فى مجرى التاريخ العام، كشأن فاعلية الأيدروجين فى تكوين الماء ولزومه فى تكوينه.
فلا تطور للإنسان إلا إذا استوفى كيانه الفردى، وتمت له الشخصية الإنسانية بتبعاتها وحريتها، واعتبارنا إياه قوة عاملة فى بيئته.
فكل تطور إنسانى ـ هو تطور للفرد فى طريق الكيان التام للشخصية المستقلة.. وكل تطور للنوع هو إحاطة بالفضائل النوعية فى أوسع نطاق يحتويها.
* * *
وليس أخطر على حرية الفرد ـ فيما يرى العقاد ـ من الفوضى فى الحياة العالمية، لأنها تسومه عمل الألوف من المطالب حيث لا حاجة به إلى غير مطلب واحد، أو تسومه إهمال الألوف من المطالب حين يحتاج إليها فى أوقاتها ولا يجدها.
فإذا انتظمت البرامج والخطط على مقدار المطالب والموارد، فإن هذا هو سبيل المعيشة الحرة فى العالم الكبير الذى يتعاون كل جزء منه لإعطاء ما عنده والاستفادة بما عند الآخرين.
وليس هذا افتراضات نظرية، بل يصادقها التقارب فى المسافات والمصالح الذى يثبته الحس والمشاهدة.
والماديون فى العصر الحاضر، فيما يرى، أدنى إلى لمس هذه الأطوار التاريخية، أو هذه المشاهدات الواقعية ـ من الأولين من دعاة مذهبهم قبل مائة سنة.. بيد أنهم لا يرون هذه الحقيقة ولا يريدون أن يروها.
* * *
ولا ينسى الأستاذ العقاد ولا يتناسى، أن طائفة من المفكرين من غير الشيوعيين، صاروا يعتقدون أن العصر يعدل أو يبتعد عن مبادئ الحرية الفردية، وينظرون إلى خطط التنظيم الاقتصادى أو برامج السنوات الخمس أو العشر، أو مشروعات التأميم ـ على أنها دليل على هذا التحول من الإيمان باستقلال الفرد وحريته، إلى الاعتقاد بوجوب الحد من ذلك الاستقلال فى شئون الاجتماع والاقتصاد والحقوق السياسية.
ويرى بعضهم أن «الفردية» مبدأ قديم حان الوقت لإعادة النظر فيه، بيد أن هذا النظر لا يسلم من أخطاء يتتبعها العقاد ويقدم حجته على تهافتها، فيأخذ على «آدم سميث» أنه لم يخطر على باله قط أن حرية التنافس تمنع الأمم من أن تلجأ إلى تنظيم المعاملات فى أحوال كأحوال الحروب أو ما يشابهها، ويقفى بأن مذهب «داروين» وما تضمنه عن «أصل الأنواع» ـ خليق بأن يصحح خطأ هذا المفهوم، لأن تنافس الأفراد أو تنازع البقاء ـ إنما هو لمصلحة الأنواع، وفطن إلى هذا المعنى «كروبتكين» زعيم الفوضوية، فأبدى أن «حرية الأفراد هى السبيل إلى تقدم الأنواع وبقاء الأصلح منها للبقاء».
على أن الإيمان باستقلال الشخصية الإنسانية، أوسع من مذهب «آدم سميث» ومذهب «داروين» ـ فكان هذا «الاستقلال» ثمرة الثورة، السياسية أو الدينية، التى قامت لتحطيم القيود، واشتركت فيها جميع الطبقات.. العليا والدنيا.
فإذا كان محصل تاريخ النوع الإنسانى يتلخص فى اتساع العلاقات العالمية، فإن محصل تاريخ الفرد أن يزداد استقلاله أو تزداد الدعوة إليه على الأقل، فلا يجسر أحد على إنكاره.
الأخلاق
أما عن الأخلاق، فيقوم مذهب الشيوعية، يقوم مذهب الشيوعيين فى الأخلاق، على أن المجتمع ينشئها «لخدمة» مصالح الطبقة التى تملك زمام الثروة والسيطرة على وسائل الإنتاج، وأن موقف المجتمع منها رهين بمدى نجاح وانتظام وسائل الإنتاج، ولا يعيبونها إلا إذا أخفق الإنتاج أو تراجع.
وعلى ذلك فليست الأخلاق فى نظر «ماركس» و«انجلز» ـ ليست تبشيرا بالأخلاق الصالحة الحميدة والمناقب المأثورة، فهما لا يحمدان من الأخلاق إلا الواقع الذى يجب على المجتمع (الموعود) أن يدين به لأنه لا يقدر على ابتداع سواه.
هذا وقد قام مجتمع الطبقة كما تخيله أتباع «كارل ماركس» ـ قام بعد الحرب العالمية الأولى، بإعلان هذا المذهب، فأعلنه «لينين» فى مواقف كثيرة أصرخها موقفه التعليمى فى مؤتمر الشباب الشيوعيين الذى عقد عام 1920، وخطب فيه «لينين» خطبة أورد الأستاذ العقاد نص ترجمتها.
* * *
يستعرض الأستاذ العقاد تفاسير الماركسية لعلة الأخلاق، ثم يتساءل: هل «وسائل الإنتاج» فى المجتمعات البدائية ـ هى التى تخلق لنا إنسانا بريئا براءة الأطفال. إن مقال «إنجلز» فى أصل الأسرة والأخلاق ـ يكاد يحسب الأمر من أغانى القصيد لا من بحوث الآراء والأسانيد، انتقل فيه «انجلز» الذى تكفل بشرح المذهب المتفق عليه بينه وبين أستاذه وصفيه «كارل ماركس» ـ انتقل من النشيد الذى أورده العقاد ـ إلى وصف أحوال القبيلة بعد امتياز بعض أفرادها باقتناء القطعان الكبيرة من الماشية والأنعام، ثم ليجمع كل ما قدر عليه من قبائح الذم فى قصيدة هجاء تقابل القصيدة الغنائية التى ترنم فيها بمناقب الجماعات الهمجية الأولى، ثم لاستخلاص أن «الجشع الكالح» هو حافز الحضارة من مطلع فجرها إلى اليوم، «فالثروة ثم الثروة ثم الثروة مرة ثالثة: ثروة الفرد الضئيل لا ثروة المجتمع الشامل هى غاية الغايات».
أهم ما يهم فى هذه النقلة، أن نعرف كيف وجدت هذه الأنانية من تلك الحالة البريئة؟
يقال إن ظهور الملكية الخاصة هو الذى أحدث هذا التغير، غير أننا لا نعلم أيهما كان سببا للآخر. هل الملكية الخاصة جاءت فى الأنانية أو أن الأنانية هى التى جاءت فى الملكية الخاصة.
يمضى الأستاذ العقاد فى رحلة تاريخية فكرية اجتماعية، ويتساءل فيها ما هى الأخلاق التى أنشأها عهد رأس المال لاستبقاء الإنتاج بابتزاز حقوق الأجراء؟ وهل هى المبالغة فى تعظيم الترف والغنى والأنفة من ذل الحاجة والفاقة؟ وهل يستقيم أن تستبقى وسائل الإنتاج بتحقيرها والتنفير منها؟ هذه عقدة لم تحلها الأخلاق المادية.
* * *
إن فضل الأسرة فى تكوين الأخلاق الاجتماعية أو الفردية، حقيقة لا يجدى فى إنكارها أو بخسها نظريات أصحاب الآراء. كما أن أحدا لم يقل إن الأسرة أفادت النوع الإنسانى بالنفع الخالص الذى لا شائبة فيه، فلا الأسرة ولا غير الأسرة من أطوار الإنسان تسلم من النقص الملازم لكل عمل إنسانى.
ومهما نرجع إلى المجتمع فى تكوين الأخلاق ـ فإن هناك قوة فى الفرد تناط بها تلك الأخلاق، وتتفاوت بها أدوات البناء فى المجتمع. وتلك القوة هى ضابط الإرادة أمام الشهوات والرغبات.
ويتوقف العقاد عند أقوال «انجلز» فى شرح مذهب «ماركس» ومذهبه فى قواعد الأخلاق، فيعلق بأن مثل هذا الكلام الذى يقوله الماديون عن الأخلاق يجوز أن يقال عن ذوق الجمال وذوق الطعام وسائر الأذواق.. ولكن ذلك تختلف فيه الآراء بين ما يساغ وما لا يساغ، ولا يضع مقياسا للأخلاق يمكن الاحتكام إليه عند المفاضلة بين أخلاق الطبقات عند الماديين. ولا مفر والأمر كذلك من التسليم فى الأخلاق بالعامل النوعى الذى يعترف بوجود الكائن الإنسانى فى كل طبقة، ولا مفر كذلك من التسليم فى الأخلاق بالعامل الفردى الذى يتمايز فيه الأفراد بضابط الإرادة والقدرة على مقاومة الشهوات أو فقدانها.. فلماذا إذن تشبث الماديين بمحو الشعور الإنسانى وحصر الشعور كله فى «الطبقة»؟ ! ولماذا التشبث بطبقة واحدة دون باقى الطبقات؟!! وما هى المعايير الموضوعية التى تخص هذه الطبقة وتدعو إلى تمييزها دون غيرها؟!

التعليقات