عم رمضان وحمَّام السباحة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 10 أبريل 2021 11:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

عم رمضان وحمَّام السباحة

نشر فى : الجمعة 8 يوليه 2016 - 9:10 م | آخر تحديث : الجمعة 8 يوليه 2016 - 9:10 م

عادةٌ شِبه يومية لا أتمكن رغم المحاولات الدءوبة مِن التخلّى عنها. أُدير مفتاح الراديو كلما دخلت إلى السيارة، وأتوقف لدى البرامج الحوارية التى كثيرًا ما تستضيف مواطنين عاديين لا شخصيات عامة.

تكشفُ هذه البرامج الكثير. خواءُ القسم الأعظم مِن المحاورين والمحاورات، ضحالةُ الأفكار التى يتم تلقينهم إياها، وسذاجة المسارات المرسومة لهم سلفًا؛ لا يخرجون عنها ولا يفكرون فى غيرها. تكشفُ كَم صارت الإذاعة مَحكومَة بأُطُرٍ شديدة التَصَلُّب والضِيق. بعضُ المرات تنقلُ البرامجُ حالَ الناسِ على طبيعتها مِن الشوارع، ربما عن دون قصد، فبين الحين والآخر ينفلت الزمامُ، ينحرف ضيفٌ عن الطريق القويم، يكتسبُ الحوارُ حيويةً غير متوقعة، ويجد المذيعون أنفسهم أمام ما لم يستعدوا له سلفًا وما لم يكُن فى الحسبان. يرتبكون ويبدأ فاصلٌ مِن الضحكات.

●●●

منذ أسبوعين بالتمام، استمعت وأنا أنتقل بين القنوات إلى مُذيعة تسأل عم رمضان، تاجر الجُملة بسوقٍ كبيرة، إن كان يصِحُّ أن تُباع الخضرُ والفاكهةُ فى إحدى المدن السكنية الوارفة، الواقعة على أطراف القاهرة، بأضعافِ ثمنها فى المناطق الشعبِيّة. أجابها فورًا: «أيوه عادى ما انتوا قاعدين فى حمامات السباحة يعنى.

اتخذت المذيعة ــ المَصعوقة مِن الردّ المُفاجئ ــ موقفًا دفاعيًا. قالت إنها لا تسكُن هذه المدينة ولا تملِكُ حمَّام سباحة، إنما تنقل فقط رأى القاطنين هناك. جاء صوتها مُهتزًا، بينما لم تُخالِط صوت عم رمضان نبرة تَرَدُّد ولا حاول تلطيف العبارة التى ألقاها فى وجهها بثقة وتلقائية، وكأن الأمر بَديهى لا يحتاج إلى نقاش.

لم تلبث المذيعة أن تمَالكت أمرَها وحاولت أن تُراجِعه وتُثنيه عن رأيه، جرَّبت أن تستميلَه وأن تصوغَ المسألةَ فى إطارٍ أخلاقيّ يرضيها ونفرًا مِن المُتابعين. قالت له فيما قالت: ثمَّة موظفون فى المدينة لا يقدرون على هذه الأسعار وهناك أيضًا عُمَّال ومِن غير المعقول أن يتغير سعر البضاعة تبعًا لثراء أو فقر المُستهلكين. أبى الرَجلُ الاستجابةَ لمحاولاتها، ظل مُصِرًّا على كلماته، وكرَّرَ حديثَه عن حماماتِ السباحة التى يراها فى التليفزيون.

لما لم تجد مِنه فائدة وأُسقِط فى يدها، قررت أن تُنهى الحِوار. بذلت مُحاولة أخيرة راجية إياه أن يوَجّه كلمة إلى التُجَّار فى الشهر الكريم، أدركت ــ عن نفسى ــ أنها تحثه على دعوتهم لتثبيتِ الأسعارِ بغضِّ النظر عن الفجوة المكانية والطبقية، لكنه بدلا مِن تحقيق رغبتها المُستَتِرَة، وجَّه إليهم التحية وتمنى لهم عيدًا سعيدًا.

●●●

عم رمضان مُقتنعٌ تمام الاقتناع بأن مُنتجعاتَ الأغنياءِ وأحياءَهم لا يمكن أن تنعمَ بالأسعارِ ذاتها الموجودة فى أحياءِ الفقراءِ وعشوائياتهم. لا يتكلم عن الدعم ولا عن الدولة ولا عن سياسات الحكومة وتَوَجُّهات النظام، لكنه يطبِّقُ عمليًا ما يراه عدلا واجبًا بين الناس.
المذيعة التى أصابتها الصدمة تعرف أن عليها تقديم حلٍّ بسيطٍ للمستمعين؛ إلقاء مسئولية ارتفاع الأسعار على عاتقِ الباعة والتجار، وإبعاد العبء عن كاهلِ المسئولين الرسميين، وهى فى هذا لم تدَّخر وِسعًا. سَعَت جاهدةً ــ وإن خابَ مَسعاها ــ لتُعيد توجيه عمّ رمضان إلى المسارِ المطلوب، استخدمت حصيلتها اللُغوية المُتاحة وصَفَّت المفردات التى تترك صداها فى النفوس؛ تحدثت عن الجشعِ والطمعِ الحاضِرَين أمامها مُقابل الحُبِّ والتعاون المأمولين، اللذين سيقضيان على الأزمة الاقتصادية مُستقبلا. فى نهاية الأمر بدا أن الطرفين؛ الضيف والمضيف، كلٌّ مِنهما فى وادٍ.

●●●

المستمعون لا ينتمون بالتأكيد إلى فئةٍ أو طبقةٍ اجتماعيةٍ واحدةٍ، مِن بينهم رباتُ بيوتٍ مازلن باقيات على عهدِ الإذاعة وإن تدهورت بها الأحوال، وسائقو عربات أجرة مُنهَكون يبحثون عما يُخَفِّف عنهم وطأة الحرارة وساعات التجوال الشاقة، وأصحابُ سياراتٍ فارهةٍ يُفضّلون تمضية الوقت مع البرامج الإذاعية ويتوقعون أن يجدوا فيها ما يلاقى قبولهم ويدعم إحساسهم بذواتهم. أظن أن الحلقة التى استمعت إليها أثارت الجميع وأفصحت عن عديد الأزمات. أزمات مُتَجَذّرة مُزمنة، وأخرى حديثة، وثالثة مُرشَّحة فى القريبِ العاجلِ للانفجار.

●●●

بالمناسبة، عم رمضان ليس اسم الضيف الحقيقيّ، فقط رأيته أنسب وأكثر أمنًا مِن ذكر الاسم الذى جاء على لسان المذيعة. كلُّ عيد والجميع بخير وسلام ورشد.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات