أمريكا.. أرض الدنيا والدين أيضًا - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 10:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

أمريكا.. أرض الدنيا والدين أيضًا

نشر فى : الجمعة 9 يناير 2015 - 8:45 ص | آخر تحديث : الجمعة 9 يناير 2015 - 8:45 ص

يعتقد البعض أن الولايات المتحدة هى أرض الدنيا بما لديها من ثروات مادية، وبما توفره لساكنيها من ظروف اقتصادية وترتيبات رأسمالية تسمح بفرص النجاح للمجتهد والقوى أكثر من غيرها من الدول. نصيب الفرد من الناتج القومى الإجمالى بلغ العام الماضى 57,160 دولار، وهو من أعلى المعدلات فى العالم. ويعد هذا الرقم ضخما بالنظر لعدد سكانها البالغ 320 مليون نسمة. ولا يمثل عدد سكان أمريكا إلا أقل من 5% من سكان العالم، إلا أنهم يستهلكون 25% من موارد العالم المختلفة، وهى نسبة تمثل خمسة أضعاف نسبة سكانها.

من ناحية أخرى تعد أمريكا الوجهة الأولى المستقبلية للاستثمارات الخارجية FDI فى العالم، وصلت معه العام المنتهى إلى 188 مليار دولار. لهذه الأسباب وكثيرا غيرها، يعد البعض أمريكا أرض الدنيا بسبب أوضاعها المادية.

إلا أن أمريكا تعد أيضا أرض الدين، وللدين تعريف خاص فى أمريكا. وعلى الرغم من علمانية الدولة على المستوى الدستورى، إلا أن المجتمع الأمريكى يعد أكثر المجتمعات الغربية تدينا. ويعتبر الدستور الأمريكى وثيقة علمانية واضحة تبدأ بعبارة «نحن الشعب» ولا تحتوى الوثيقة على أى ذكر لكلمة الرب أو المسيحية، بل إن الإشارة إلى كلمة دين فى الدستور استخدمت على نحو معاكس تماما للتأكيد على عدم التمييز بين المواطنين على أساس عقائدهم، فالفقرة السادسة من الدستور تنص على أنه ليس من الوارد إجراء اختبار دينى لأى شخص يرغب فى شغل أى وظيفة حكومية. كما نص أول تعديل أدخل على الدستور ينص على أن الكونجرس لن يقوم بأى حال من الأحوال بتشريع قانون قائم على أساس دينى.

وتمثل تجربة أمريكا نقيضا للحالة الأوروبية فى الفصل التام بين الدولة والكنيسة، ويبدو ذلك واضحا فى الفارق بينهم فيما يخص بعض السياسات الخارجية. ولم يكن جورج بوش هو أول من أدخل الدين إلى السياسة الأمريكية ولم يأت باراك أوباما لكى يخرجه منها. وإذا كان جورج بوش أحد أكثر الرؤساء استشهادا بالنصوص الدينية لتبرير الكثير من موافقه، فإن الرئيس أوباما، والمعروف بأنه غير متدين على الإطلاق، هو أول من أسس مجلسا استشاريا لشئون الأديان فى البيت الأبيض، كما أنه يحرص على الظهور فى كنيسة مجاورة للبيت الأبيض فى الكثير من أيام الأحد.

•••

ولا يعد التدين فى أمريكا متعارضا مع رأسمالية المجتمع، ويخضع التدين كغيره من الظواهر لآليات السوق ومعادلة العرض والطلب. من هنا يأتى الاختلاف بين التدين الأمريكى والتدين فى بقية العالم بسبب ظاهرة الهجرة. وتستقبل أمريكا أكثر من مليون مهاجر سنويا، يجىء على رأسهم مهاجرون من الدول النامية التى يلعب الدين دورا رئيسيا فى حياة أبنائها. وعلى العكس من الكنائس الأوروبية، تتنافس الكنائس الأمريكية المختلفة لجذب ومساعدة أكثر من مليون مهاجر جديد سنويا. وتمثل الكنيسة مركزا مهما فى حياة المهاجرين الجدد للولايات المتحدة، فبالإضافة لما تقدمه من ممارسات روحية، تقوم الكثير من الكنائس بإنشاء فصول لتعليم المهاجرين الجدد اللغة الإنجليزية، وتوفير حياة اجتماعية للمهاجر ولعائلته، وهنا يأتى نفوذ الكنيسة فى صنع السياسات فى بلد قام على المهاجرين، حيث إن معظمهم جاءوا عن طريق الكنيسة فى موجات الهجرة الأوروبية الأولى.

•••

وعلى الرغم من استمرار ظاهرة انحسار العلمانية فى مختلف أقاليم العالم باستثناء أوروبا الغربية، يعد المجتمع الأمريكى هو أكثر المجتمعات المتقدمة المتجه بسرعة نحو المزيد من التدين الواضح، رغم علمانية النظام السياسى. وعلى الرغم من أن الأمريكيين «مازالوا متدينين»، إلا أن هناك اختلافا فى طبيعة مفهوم الدين فى الوقت الحاضر، فالدين الذى تحدث عنه الأنبياء والذى يدعو إلى رفض الظلم وخلق المجتمع الفاضل، لم يعد موجودا. أما الموجود الآن، فهو مفهوم دين جديد يتمثل فى تأسيس علاقة فردية بين الإنسان والمعانى الدينية، فالفرد المتدين ليس له مؤسسة أو مرجعية تحتكر الدين وتفرضه عليه. بل يختار هو ما يريد من المعروض من الأديان، مثلها مثل أى بضاعة استهلاكية. ودخول البعد الاستهلاكى للدين يزيد من عدد من يذهبون للكنائس، فالفرد يختار الدين الذى يعجبه والذى يتناسب مع وضعه الاجتماعى والاقتصادى والسياسى ويحقق له التوازن النفسى والروحى، وهو دين فى صورة حديثة يتناسب مع ما وصلت إليه المجتمعات الإنسانية من حداثة وتقدم.

•••

على الرغم من علمانية الدولة يظل المجتمع الأمريكى واحدا من أكثر المجتمعات العلمانية محافظة وتدينا، والأهم أكثرهم انقساما. ويفسر هذا حالة الاستقطاب المستمر حول قضايا قديمة يعاد تجديد الصراع حولها مع نهاية كل عام ميلادى أو حلول مواسم الانتخابات.

وتعتبر قضايا مثل قضية استخدام الرموز الدينية فى احتفالات أعياد الميلاد (الكريسماس) والإجهاض، وإقامة الصلاة فى المدارس العامة، وزواج المثليين، والصراع ما بين الدين ونظرية النشوء والارتقاء لداروين، وإجراء البحوث العلمية ذات الأبعاد الأخلاقية، من أكثر القضايا التى تثير انقساما على المستوى السياسى والثقافى فى المجتمع الأمريكى خلال السنوات الأخيرة. الجدل والانقسام والاختلاف فى المشهد الثقافى والاجتماعى يؤكد أن الانقسام داخل المجتمع الأمريكى أعمق من كونه سياسيا رغم كل الصخب فى قاعات الكونجرس وعلى صفحات الجرائد وشاشات التليفزيونات بين الجمهوريين والديمقراطيين.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات