الكتب وصناعة المعرفة والذكاء الاصطناعى - محمد زهران - بوابة الشروق
الجمعة 12 أبريل 2024 3:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الكتب وصناعة المعرفة والذكاء الاصطناعى

نشر فى : الجمعة 9 فبراير 2024 - 7:30 م | آخر تحديث : الجمعة 9 فبراير 2024 - 7:48 م
قد يتساءل القارئ الكريم عن العلاقة بين الكلمات فى عنوان المقال. العلاقة بينها هو ما سنتحدث عنه اليوم. وفكرة هذا المقال جاءت من تداخل حدثين مهمين: الأول حضورى معرض الكتاب وقد زرته على مدى أربعة أيام، والثانى هو المشاركة فى مؤتمر الذكاء الاصطناعى وصناعة المحتوى وهو من فاعليات معرض الكتاب وقد استغرق يوما كاملا بالتعاون بين هيئة الكتاب وجامعة مصر للمعلوماتية.
الكتب وصناعة المعرفة والذكاء الاصطناعى هى أضلاع المثلث الذى يشكل وعى الناس فى القرن الحالى وكل ضلع يؤثر ويتأثر بالضلعين الآخرين، وهذا ما سنتحدث عنه فى مقال اليوم....
الكتب هى أقدم وأشهر وسائل نقل المعرفة، طبعا الآن تنافسها وسائل التواصل الاجتماعى والمحتوى المرئى لكن هناك اختلافات مهمة يجب أن نضعها فى الاعتبار حين نختار كيف نصل للمعرفة.
• الكتب هى الوسيلة الأكثر عمقا لأنها تتناول الموضوع الذى تتعرض له من كل جوانبه، إذا كان كتابا جيدا طبعا. حتى فى الكتب السردية فإنها أكثر عمقا من مشاهدة فيلم مثلا لأنها تطلق العنان للخيال حين تقرأها.
• وسائل التواصل الاجتماعى كما نرى من اسمها هى أساس للتواصل، لكنها أصبحت من وسائل نقل المعرفة نظرا لقلة التركيز من الجيل الجديد، هذا الجيل الذى نشأ على وجود الشاشة أمامه سواء من تليفون أو تابلت أو كمبيوتر منذ سن صغيرة وهذا من شأنه التأثير السلبى على التركيز، وبالتالى قراءة كتاب أصبح شيئا صعبا على أغلب هذا الجيل للأسف.
• المحتوى المرئى يعطى معلومات أكثر من وسائل التواصل الاجتماعى لكن أقل عمقا من الكتب. المعلومات فى الكتب أكثر من تلك التى فى المحتوى المرئى لأن الوقت الذى تشاهد فيه محتوى مرئيا موزع ما بين المعلومات والتمثيل والمؤثرات إلخ، لكن قراءة كتاب كلها موجهة للمعلومات وتحليلها وعرضها. إذا لا يوجد خوف من انقراض الكتاب وسيظل هو الوعاء الأكثر ملاءمة لنقل المعرفة العميقة والشاملة.
عندما نذكر الكتاب فإننا نعنى الكتاب الورقى والالكترونى. كلاهما به نفس المحتوى لكن الكتاب الورقى يتكلف أكثر. الكتاب الورقى يحتاج أوراقا وأحبارا بالإضافة إلى نفقات التغليف والتخزين والنقل ناهيك عن أجور العمال وصيانة المطابع. لذلك سيظل الكتاب الورقى أغلى من الالكترونى ما لم تزداد مبيعاته بشدة. مشكلة الكتاب الالكترونى هو وجود جهاز الكترونى مناسب للقراءة لأن القراءة من شاشة التليفون ليست سهلة كما أن شاشة التليفون والتابلت واللابتوب ليست أفضل وسيلة للقراءة بالنسبة لصحة العين. شركة أمازون الضخمة صممت جهازا للقراءة الكترونيا (amazon kindle) بشاشة مخصصة للقراءة وأفضل للعين والتركيز. هناك بعض الأجهزة المنافسة لكنها ليست بنفس سرعة وكفاءة منتج أمازون، فهل لنا فى منتج مصرى للقراءة الإلكترونية؟
هناك من يفضل الكتاب الورقى مثل جيل كاتب هذه السطور والأجيال السابقة، وهناك من يفضل الكتاب الإلكترونى من الأجيال الجديدة وهذا يجعل مستقبل الكتاب الالكترونى مضيئا، وهناك الكتاب الصوتى لكنه مازال فى بداياته. لكل منهم معادلته الاقتصادية وتتغير تلك المعادلة تبعا لعدد الكتب المباعة من كل نوع.
لكن تتفق كل هذه الأنواع فى شىء واحد أن بها نفس المحتوى المعرفى، وذلك يأخذنا إلى نقطة صناعة المعرفة....
أنا أفضل عبارة صناعة المعرفة أو صناعة المحتوى المعرفى عن صناعة المحتوى لأن المحتوى قد يكون تافها ولا هدف له إلا تضييع وقتك وزيادة عدد المتابعين لصانع المحتوى التافه. نحن فى عصر المعرفة فيه سلاح استراتيجى، بدون المعرفة فلا تكنولوجيا ولا علم ولا اقتصاد ولا إنسانيات. نحن هنا نتكلم عن المعرفة الموجهة للعامة وليست المعرفة المتخصصة فى المعامل ومراكز الأبحاث وتناقش فى المؤتمرات والمجلات العلمية المحكمة. إذا نحن نتكلم عن معرفة موجودة بالفعل عند المتخصصين لكن نريد توجيهها للعامة، صناعة المعرفة تعتمد على عدة محاور:
• ما هى المرحلة المعرفية التى تخاطبها؟
• ما هى المادة العلمية التى تعتقد أنها تناسب العامة؟. هناك الكثير من الأبحاث العلمية والكثير من التكنولوجيا الجديدة التى تظهر كل يوم، لن تستطيع الكتابة عن كل شىء، فكيف تختار؟ الاختيار يختلف من دولة إلى أخرى، فأنت تختار ما يمس حياة الناس فى تلك الدولة، وهذا لا يعنى أن كل المحتوى يجب أن يكون عن الصحة لأنها من أكثر الأشياء التى تمس حياة الناس، ولكن هناك أمورا أخرى تؤثر على حياة الناس نستطيع استخراجها من بحر العلم والتكنولوجيا.
• هل من الأفضل أن تكتب المحتوى من البداية، أم تترجم من محتوى آخر مكتوب بلغة أخرى؟. أعتقد أن الكتاب من البداية أفضل لأنه يكون «مصمما» من البداية لأبناء شعب معين بلغتهم ومرتبط بحياتهم.
لكن هل صانع المحتوى المعرفى يواجه تحديا من برمجيات الذكاء الاصطناعى المصممة للمحادثة مثل تشات جى بى تى؟
إذا طلبت من برمجيات الذكاء الاصطناعى ومن كاتب بشرى أن يكتبا مقالا فى موضوع معين فما الفارق بين المقالين؟ قد يحتوى المقالان على نفس المعلومات لكن الكاتب البشرى سيعطيه لك «معجونا» بثقافته وتجربته الشخصية وبالتالى سيكون المقال أكثر «إنسانية» وبالتالى أكثر تأثيرا على الناس. هكذا ببساطة: الذكاء الاصطناعى يأتى بمعلومات موجودة لكنه لا يملك الذاكرة الجمعية ولا الثقافة المميزة لشعب ما.
أفضل استخدام لتلك البرمجيات عندما يتعلق الأمر بصناعة محتوى معرفى هو كأداة مساعدة للإتيان بالمعلومات وترتيبها ثم يقوم الكاتب بالتأكد من المعلومات ثم صياغتها بطريقة «بشرية».
معرض الكتاب هو مناسبة سنوية جميلة للتفكير فى صناعة الكتاب والمحتوى المعرفى، ومدينة القاهرة مدينة حيوية جدا ومن أهم أسباب نجاح هذا المعرض. هناك فاعليات كثيرة مهمة ومفيدة وقد حضرت بعضا منها. لكن من المهم أن تكون كل الفاعليات موجهة نحو المعرفة والكتب، اعتبار معرض الكتاب مجرد نزهة عائلية للجلوس فى الشمس والأكل من المطاعم ليس هو الهدف الأساسى من المعرض.
محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات