الرئيس كارتر.. وأبارتايد إسرائيل - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الأحد 25 فبراير 2024 1:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الرئيس كارتر.. وأبارتايد إسرائيل

نشر فى : الخميس 9 نوفمبر 2023 - 8:55 م | آخر تحديث : الخميس 9 نوفمبر 2023 - 9:15 م
احتفل الرئيس الأمريكى السابق جيمس كارتر بعيد ميلاده التاسع والتسعين فى الأول من أكتوبر الماضى فى منزله. وقبل شهور اختار كارتر، الذى يعانى من مشاكل صحية كثيرة بما فيها سرطان الجلد، التوقف عن تلقى العلاج فى المستشفى والانتقال إلى منزله المتواضع، والذى أقام فيه معظم حياته فى ولاية جورجيا لتلقى رعاية نهاية الحياة والموت فى هدوء فى المكان القريب من قلبه.
يعرف العرب كارتر جيدا نظرا لدوره المحورى الذى بدأ عام 1977 وانتهى به للإشراف على محادثات السلام بين مصر وإسرائيل فى منتجع كامب ديفيد، والتى انتهت بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية فى البيت الأبيض فى 26 مارس 1979.
منذ انتهاء حكم كارتر عام 1980، أى قبل ما يزيد على أربعة عقود، لم يتوقف الرئيس السابق عن العمل وبذل الجهد لحل النزاعات الدولية، وأسس مركزا فى مدينة أتلانتا لهذا الغرض، ويعد كارتر أنجح رئيس أمريكى سابق فى التاريخ الأمريكى. كما حاز كارتر على جائزة نوبل للسلام على خلفية «عقود من جهوده الدءوبة لإيجاد حلول سلمية للنزاعات الدولية» فى عام 2002.
كان كارتر رجلا متدينا ملتزما بتعاليم المسيحية السمحة، والتى حاول تطبيقها خلال سنوات حكمه، لكنه فشل. وتصور كارتر أنه يمكن أن يكون للفلسطينيين دولة خاصة بهم على أراضيهم كبقية القوميات فى العالم، وكحل عادل لصراع الشرق الأوسط، والذى كان يمسه شخصيا بسبب البعد الدينى وجزئية الأراضى المقدسة المرتبطة بالصراع فى أبعاده اليهودية والمسيحية والإسلامية.
وبعد انتهاء حكمه، سافر كارتر عشرات المرات إلى الأراضى المقدسة، وزار إسرائيل والأراضى الفلسطينية وقابل الكثير من صانعى القرار فى كل المناطق المعنية، واطلع بنفسه على الحياة اليومية للإسرائيليين داخل وخارج حدود 1967، والفلسطينيين داخل الضفة الغربية وقطاع غزة.

• • •

وفى عام 2006، فاجأ كارتر العالم بكتاب فجر نقاشات واسعة داخل وخارج الولايات المتحدة بسبب عنوانه ومحتواه. تسبب الكتاب «فلسطين.. سلام.. لا أبارتايد»، وهو الذى بقى لأشهر على قائمة أكثر الكتب مبيعا، فى جدل كبير، وتسبب فى شن اللوبى اليهودى بالولايات المتحدة، إضافة للعديد من السياسيين الأمريكيين، هجوما كبيرا استمر لسنوات على الرئيس كارتر.
ويستشهد كارتر، الرئيس المتدين، فى بداية كتابه بنص من الإنجيل، يشير إلى حادثة قتل قابيل لهابيل، وكيف حلت لعنة السماء على قابيل لإقدامه على سفك دماء أخيه.
يُعتبر كتاب كارتر الأول الذى يصدر من شخص ذى مكانة رفيعة فى المجتمع الأمريكى، ولا يتردد فى استخدام كلمة فلسطين بدلا من إسرائيل على الغلاف، وأن يستخدم كلمة أبارتايد (الفصل العنصرى) لوصف الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.
وتحدث كارتر عن سلوك سلطات الاحتلال الإسرائيلى المستمرة فى احتجاز ومنع المساعدات الأجنبية الواردة للفلسطينيين، ويقول إن الاحتلال الإسرائيلى نجح فى تصوير الفلسطينيين على أنهم إرهابيون، فأصبحوا يعاملون وفق هذه النظرة.. فهم إرهابيون حتى يثبت أنهم أبرياء وليس العكس. وذكر كارتر أن هناك طرق سير محددة لتنقل الفلسطينيين وهى مراقبة طوال الوقت، بينما يُمنعون من استخدام طرق السير الخاصة باليهود. كما تتعرض جميع متعلقات العرب للتفتيش دون مراعاة لأى حرمات. كذلك يحظر على الفلسطينى حمل السلاح. بينما يتم تشجيع المستوطن الإسرائيلى على حمله.
وركز كتاب كارتر على الجدار الإسرائيلى الفاصل بين مدن الضفة الغربية وبقية أراضى إسرائيل. ويشرح أن جوهر فكرة الجدار هى إدراك إسرائيل أنها وصلت فى علاقتها مع الفلسطينيين للمرحلة التى أصبحت معها لا تجد ضرورة للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين. فمع تزايد سيطرة دولة الاحتلال الإسرائيلى جراء الوجود الكثيف لقوات الاحتلال ومع الأمن النسبى الذى يوفره الجدار، انعدمت الرغبة لدى الإسرائيليين فى بذل أى جهود للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين.
وخلال خبرته الطويلة، تيقن كارتر أن أبعاد القضية الفلسطينية تتلخص فى صعوبة الحسم العسكرى لأى من الطرفين، حيث تأكد عجز كل طرف عن كسر إرادة الطرف الآخر. فقد كشفت الأحداث أنه مهما بلغت درجة القوة التى تصل إليها دولة الاحتلال فإنها لن تنجح فى كسر إرادة الشعب الفلسطينى. وفى المقابل أيقن العرب أنه من المستحيل القضاء على دولة الاحتلال الإسرائيلى وإزالتها من الوجود.
يؤكد كارتر أن الأمر بيد دولة الاحتلال الإسرائيلى ويجب عليها اتخاذ قرارات أساسية بصدد السلام، والتى لابد من أن تتضمن الحفاظ على حقوق الإنسان الفلسطينى بما فى ذلك حق تقرير المصير والمعاملة المتساوية، وعدم جواز ضم الأراضى بالقوة، وضرورة الانسحاب من الأراضى المحتلة خلال الحروب، وذلك وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 242.
• • •
استخدم كارتر كلمة أبارتايد ليصف الجدار الإسرائيلى، وسياسات الفصل بين اليهود والعرب، إلا أنه ميز بين نظام جنوب إفريقيا ونظام الاحتلال الإسرائيلى، فيقول «إن الغرض المحرك للفصل بين الشعبين الإسرائيلى والفلسطينى يختلف عما كان فى حالة جنوب أفريقيا فهو ليس العنصرية، بل الاستيلاء على الأرض».
فتح كارتر على نفسه حربا شنعاء شنتها عليه جماعات اليهود الأمريكيين، وظهر العديد من المقالات، فى كبريات وسائل الإعلام تسب كارتر وتصل لحد وصفه بالمخرف، أو بأنه كاذب جبان معاد للسامية، ومحب للعرب وكاره لليهود. ونشرت مؤسسة مكافحة التشهير ADL إعلانات فى الصحف الكبرى مثل «وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» تهاجم كارتر وكتابه، وتتساءل «ما هى بالضبط مشكلة كارتر مع اليهود؟». إلا أن مكانة كارتر واتساقه الأخلاقى والتزامه الدينى وسجله كمدافع صلب عن حقوق الإنسان مكنته من تحدى اللوبى اليهودى والصمود أمامه.
ورد كارتر بثقة على كل هذه الهجمات وقال إنه يهدف إلى «رفع الوعى بين الأمريكيين حول ظروف الفلسطينيين فى الضفة الغربية وغزة، وذلك بكشف القمع والاضطهاد الرهيبين اللذين يتعرض لهما الشعب الفلسطينى، وسيعجل لأول مرة بأى نقاش موضوعى حول هذه القضايا».
• • •

‎يتناقض موقف كارتر كليا مع موقف الرئيس الحالى جو بايدن، والذى يفتخر بأنه صهيونى على الرغم من كونه كاثوليكيا متدينا. وعلى النقيض من كارتر اختار بايدن أن يقف فى الجانب الخاطئ من التاريخ ويدعم بلا حدود دولة احتلال لا تخجل من تطبيق سياسات أبارتايد فى القرن الـ21 وسط صمت عالمى وتواطؤ أمريكى وعدم اكتراث عربى غير مسبوق.
محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات