فى مواجهة عاصفة الاحتقان الطائفى.. دفن الرأس فى الرمال - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الإثنين 8 مارس 2021 1:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

فى مواجهة عاصفة الاحتقان الطائفى.. دفن الرأس فى الرمال

نشر فى : الإثنين 10 يناير 2011 - 9:56 ص | آخر تحديث : الإثنين 10 يناير 2011 - 9:56 ص

 يحلو للمسئولين فى بلدنا أن يخرجوا بمقولة إن مصر مستهدفة فى كل مرة يجرى فيها حدث خطير، ويحتار الرأى العام فى تحديد المسئولية عنه. وكان آخر موقف ترددت فيه هذه المقولة هو فى أعقاب الهجوم الدنىء على كنيسة القديسين فى الإسكندرية عشية رأس السنة قبل استكمال تحقيقات النيابة فى المسئول عن الحدث.

مقولة «مصر مستهدفة» مريحة للغاية وتدغدغ عقول الحكام والمحكومين على حد سواء، فالمعنى الكامن وراء هذه المقولة هو أن أوضاعنا نموذجية، وأعداؤنا هم إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وربما حكومة حماس فى غزة يضيقون بما ينعم به الشعب المصرى من رخاء، وبدور مصر القيادى فى الوطن العربى، بل وبديمقراطيتنا المزدهرة، ولما كان من المستحيل عليهم أن يجاروا هذه الأوضاع، فهم يلجأون إلى حيل خبيثة، منها مثلا تسليط سمك القرش ليهاجم السواحل المصرية فى شرم الشيخ، ومنها أيضا تدبير حادث التفجيرات أمام كنيسة القديسين فى الإسكندرية لكى يوقظوا فى مصر نار الفتنة الطائفية!

طبعا كل هذا الحديث هو محض هراء، وهو جدير بالسخرية، ولكن الاستنتاجات التى تنبنى عليه هى استنتاجات ضارة للغاية، لأنها تبعد أنظارنا عن الأسباب الحقيقية لما يتكرر من مآس دون أن نستطيع الإمساك بالخيوط التى قد تؤدى بنا إلى العلاج الفعال لهذه الأسباب. وهى أيضا استنتاجات قاصرة، لأنها تغفل النظر إلى أسباب الاحتجاجات العارمة التى قام بها الأقباط فى أعقاب هذه التفجيرات والمؤسف كذلك أنها قد تكون متعمدة من جانب الذين لا يريدون أن يتحملوا المسئولية عن أسباب هذه الاحتجاجات.


خطأ مقولة استهداف مصر

لا يشرح لنا الذين يرددون هذه المقولة لماذا تستهدف مصر، ومن هم هؤلاء الذين يستهدفونها فى الوقت الذى أظهرت فيه تحقيقات النيابة العامة أن الذى تسبب فى مقتل واحد وعشرين شهيدا قبطيا وجرح ما يقرب من مائة من الأقباط والمسلمين هو شاب مصرى خريج واحدة من الجامعات الحكومية، وأنه لم يجد عملا بعد تخرجه.

هنا دلالات عديدة تكشف عن الجذور العميقة لهذا الهوس الدينى الذى يدفع شابا فى مقتبل العمر إلى هذا الفهم البائس للدين الذى يصور له أنه بهذا العمل الذى يتنافى مع أبسط تعاليم الإسلام يقدم نفسه للشهادة. الفقر والبطالة مع الاستسلام لتفسيرات جاهلة ومغرضة لتعاليم الإسلام الحنيف هى الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة الجديدة على سجل أحداث الإرهاب فى مصر، ولم يقدم لنا أحد الدليل على أن إسرائيل هى التى وراء هذه الأحداث وهى التى أعرب المسئولون فيها عن سعادتهم بوجود حسنى مبارك رئيسا لمصر، والتى زار رئيس وزرائها مصر الأسبوع الماضى فى مسعى لإشراك الحكومة المصرية فى مسلسل تمييع القضية الفلسطينية. ولم يشرح لنا أيضا أى ممن يرددون هذه المقولة لماذا تنخرط الولايات المتحدة فى استهداف مصر بينما تساند الحكومة المصرية جميع توجهات الولايات المتحدة باستثناء دعوتها الخجولة إلى انتخابات نزيهة. وأخيرا ليس من المعروف ما هو هذا الذى يستهدف فى مصر، ونظامها السياسى متخلف حتى بالمقارنة بنظم سياسية أخرى فى الوطن العربى من حيث حريات التنظيم ونزاهة الانتخابات، ولا نقول فى أفريقيا التى عرف كثير من دولها التداول السلمى للسلطة، مثل زامبيا التى زار رئيسها مصر الأسبوع الماضى، بينما يبدو مثل هذا التداول السلمى للسلطة أمرا لا نجرؤ حتى على الحلم به، كما أن أداءنا الاقتصادى بعيد عن أن يحملنا إلى مصاف الدول الصناعية الجديدة فى شرق آسيا، ولا داعى لأن نشير إلى مدى التردى فى نظامنا التعليمى والدليل قائم على فشله المزرى فى شخص خريج الجامعة الحكومية العاطل الذى أقدم على تفجير نفسه أمام كنيسة قبطية لكى يفسد على الأقباط احتفالهم البرىء بعتم جديد.

ففضلا عن أن التعليم بمراحله الثلاث لم يوفر له عملا، فهو أيضا لم يهيئ له قدرة على الفهم الصحيح لا لمفهوم المواطنة ولا لتعاليم الدين.

الفهم القاصر لما جرى

وأيا كان المسئول عن جريمة مقتل عشرات من المواطنين المصريين وجرح قرابة المائة منهم من أقباط ومسلمين، رجال ونساء، شيوخ وأطفال، فهذا جانب واحد من هذه الأحداث، والجانب الثانى هو الاحتجاجات الغاضبة من جانب الأقباط فى القاهرة والإسكندرية، فى مدن الوجهين البحرى والقبلى.

لم تكن هذه الاحتجاجات مجرد إعراب عن الحزن لما جرى فى الإسكندرية، ولكنها كانت صرخة إدانة للتمييز الذى يعانى منه الأقباط فى العديد من المجالات ابتداء من الإخفاق المريب لأجهزة الأمن والعدالة فى تعقب المسئولين عن جرائم قتل سابقة فى حق الأقباط أشهرها ما جرى فى الكشح منذ أعوام، وما جرى فى نجع حمادى العام الماضى، وقد بلغت الحصافة السياسية لقيادات الحزب الحاكم أنهم أعادوا ترشيح نفس الشخص الذى يشك الأقباط فى أنه هو الذى أوحى بهذه المجزرة لمقعد الدائرة فى مجلس الشعب، وطبعا نجح بأغلبية ساحقة فى تلك المسرحية الانتخابية التى يشترك فى إخراجها كل من أمانة التنظيم فى الحزب الوطنى ووزارة الداخلية، ويشمل التمييز أيضا قلة تمثيل الأقباط فى مجلسى الشعب والشورى والناتج عن قلة ترشيحهم من جانب كل الأحزاب وفى مقدمتها الحزب الحاكم، ولكن الأهم فى هذا التمييز هو عدم تعيين أقباط فى أجهزة الدولة المسئولة عن الأمن، وكأنهم طابور خامس فى الوطن، وحظر ترقيهم إلى مناصب قيادية داخل العديد من المؤسسات الحكومية، وأضرب مثلا بما أعرفه بحكم عملى.

هل هى مصادفة ألا يكون هناك قبطى رئيسا لجامعة حكومية أو حتى عميدا لإحدى كلياتها، وكلهم بالمناسبة معينون، وهناك كذلك التضييق على الأقباط فى بناء الكنائس أو حتى ترميمها والاستسلام للاحتجاجات الجاهلة والمتعصبة من جانب بعض المواطنين المسلمين الذين يجهلون تعاليم دينهم عندما يقوم الأقباط ببناء دور للعبادة. وغير ذلك من مظاهر التمييز فى المقررات الدراسية وفى تناول الشأن القبطى فى أجهزة الإعلام رغم بعض التقدم فى هذا المجال. ومن المعروف فى دراسات الاحتجاجات الجماعية أن المواطنين المغلوبين على أمرهم لا يجاهرون عادة بما يشعرون به من ظلم، ولذلك يبدو انفجار الغضب فى نفوسهم عندما يحدث أمر يتجاوز الحدود المألوفة، ولكن تفسير ذلك هو فى عمق إحساسهم بالظلم، والذى يجدون فى السماح لهم بالاحتجاج المناسب لإخراج كل تلك المشاعر التى لم يجدوا من قبل فرصة للتعبير عنها. وهذا هو بالتحديد ما جرى فى أعقاب جريمة الإسكندرية.


هل نتعلم من الأحداث؟

ولهذه الأسباب يبدو أن ترديد مقولة أن مصر مستهدفة هو أمر متعمد ومقصود وذلك للهرب من المسئولية الحقيقية عن تردى العلاقات بين المواطنين الأقباط والحكومة المصرية.

لاحظوا أنه باستثناء الهجوم العفوى على المسجد المواجه لكنيسة القديسين فى الإسكندرية فى أعقاب تلك الجريمة مباشرة كانت احتجاجات الأقباط موجهة إلى الحكومة. وهذا هو التحديد الدقيق للمسئول عن التمييز ضدهم. فسواء تعلق الأمر بقصور المحاسبة عن الجرائم المرتكبة فى حق الأقباط أو قلة التمثيل السياسى أو القيود على التعيين فى بعض أجهزة الدولة أو حظر ترقيهم إلى مناصب قيادية فى بعض المؤسسات الحكومية أو التراخى فى التصريح لهم بترميم الكنائس أو بناء كنائس جديدة، فهذه كلها اختصاصات حكومية وبيد الحكومة أن توقف مظاهر التمييز هذه. وقد تصدعت رءوسنا من كثرة ترديد المسئولين الحكوميين وقيادات الحزب الحاكم عن إنجازهم العظيم حسب أقوالهم بالنص فى التعديلات الدستورية فى سنة 2007 على حق المواطنة. ولكن ها هم لا يترجمونه إلى واقع. كل المطلوب ببساطة حتى نخرج من أزمة الاحتقان الطائفى هذه ترجمة «الكلام» عن المواطنة إلى نصوص قانونية وممارسات واقعية.

هل تستمع حكومتنا السنية إلى هذا التحليل؟ أظن أن المسئولين الحكوميين مستريحون إلى مقولة إن مصر مستهدفة لأنهم لا يريدون الاعتراف بأنهم يتحملون المسئولية عن الأوضاع التى أدت إلى هذا الاحتقان الطائفى الذى أخذت نذر انفجاره فى الظهور. هنيئا لهم على سباتهم العميق بينما يوشك عقد الوطن أن ينفرط.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات