كيف تصبح الكلمة الطيبة كلمة رديئة؟! - سيد قاسم المصري - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 2:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


كيف تصبح الكلمة الطيبة كلمة رديئة؟!

نشر فى : الأحد 10 أكتوبر 2021 - 8:05 م | آخر تحديث : الأحد 10 أكتوبر 2021 - 8:05 م
ساهم الإعلام العالمى بقسط وافر فى انتشار ظاهرة كراهية الإسلام أو الخوف منه، وهو ما أصبح يعرف بالإسلاموفوبيا، فبعد ظهور المنظمة الإجرامية التى أطلقت على نفسها اسم داعش اختصارا لعبارة «الدولة الإسلامية فى العراق والشام»، أصبحت أعمالها الوحشية هى الوقود الأساسى الذى استخدمه الإعلام لزيادة الاشتعال، والمتابع لهذا الشأن يلحظ حرص الإعلام العالمى على عدم استخدام اسم داعش أو ISIS عن الإشارة إليها بل استخدام عبارة «الدولة الإسلامية»؛ لأن انتساب الأعمال الإجرامية إلى داعش أو إيزيس لن يحدث ربطا مباشرا ودائما بين العمل الإجرامى والإسلام مثل ذلك الذى يحدثه نسبتها «للدولة الإسلامية». والمؤسف أن الإعلام العربى على إطلاقه إنساقا وراء هذه التسمية.
وتحضرنى مفارقة فى هذا الصدد تتعلق بكلمة «الانتفاضة».. فعلى عكس «داعش» ذات الرنين الغريب على المجتمع غير العربى والتى رفض الإعلام الغربى استعمالها، فإن نفس الإعلام رحب باستخدام كلمة «انتفاضة» عوضا عن كلمة Uprising وهى ترجمة دقيقة لها.. لأن Uprising تحمل معاني إيجابية كبيرة ومحملة بمشاعر رومانسية على المستوى الغربى والعالمى بوجه عام لأنها تستحضر فى أذهان المجتمع الأوروبى والغربى بطولات وتضحيات المقاومة الأوروبية للنازية، بينما كلمة «انتفاضة» تجعلها شيئا غريبا على المستمع غير العربى ولا ترتبط فى ذهنه بأى قيم إنسانية أو مشاعر نبيلة مثل كلمة Uprising.
وقد قاد اللوبى الصهيونى حملة فى هذا الشأن تهدف إلى عدم استعمال كلمة Uprising عند الحديث عن الانتفاضة الفلسطينية.. ونجح فى ذلك دون جهد نظرا لسيطرته الواسعة على هذا المجال.
فرح الفلسطينيون أو كثير منهم متصورون أنهم أجبروا الإعلام الغربى على إدخال الكلمة العربية فى قاموسهم ولم يتنبهوا إلى ما وراء ذلك من أهداف.. وقد نجح هذا الإعلام المعادى أيضا فى إدخال كلمتى السلفيين والجهاديين Salafist and Jihadist فى دكانة مصطلحاتهم وربطهما بالأعمال الإرهابية الإجرامية بحيث أصبحت من الكلمات الرديئة سيئة السمعة.
وليسمح لى القارئ بشيء من الاستطراد البسيط فى هذا السياق ــ فإننى أذكر أن الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون، فى بداية ولايته الأولى عام 1969، أوفد محافظ بنسلفانيا فى ذلك الوقت وكان يدعى ويليام سكرانتون للقيام بزيارة استكشافية للشرق الأوسط لتقصى الحقائق ورفع تقرير بتوصياته، وقد جاءت توصياته صادمة لإسرائيل واللوبى اليهودى؛ إذ أوصى بوجوب اتخاذ الولايات المتحدة سياسة أكثر توازنا بين الجانبين ــ العربى والإسرائيلي ــ واستخدم عبارة Even Handed Policy، فانفجر فى وجهه بركان الإعلام الأمريكى الخاضع للنفوذ الصهيونى، حتى أصبحت عبارة Even Handed Policy عبارة «قذرة» يجب أن يتجنبها أى سياسى حصيف أو أى أمريكى يطمع فى الترشح لمنصب عام.. كما تلا ذلك اختفاء سكرانتون من الفضاء السياسى والإعلامى الأمريكى.
•••
لقد كان من قوة الهجمة الإعلامية العالمية على الإسلام أن أصبحت الدول الإسلامية نفسها، أو فلنقل الحكومات، تتردد فى أن تصف نفسها بالإسلام أو أن تصبح كلمة الإسلام لها أى صلة باسم الدولة.
فعندما حاول د. إحسان أوغلو أمين عام المنظمة فى عام 2006 تغيير اسم المنظمة ضمن تغييرات كبيرة أخرى أحدثها مثل تعديل الميثاق وإعداد خطة عمل عشرية لتنشيط المنظمة واستحداث مجالات جديدة لم تستطع اقتحامها من قبل مثل حقوق المرأة وحقوق الإنسان والإغاثة الإنسانية، واجهته صعوبات لم يكن يتوقعها.. فلم نكن نتوقع أن تغير اسم المنظمة واختيار اسما بديلا عن «منظمة المؤتمر الإسلامى» باعتبار أن كلمة المؤتمر توحى بمهمة مؤقتة مرتبطة بانعقاد المؤتمر وانفضاضه، لم يتوقع أن تثير هذا الجدل فعندما اقترح اسم «منظمة الدول الإسلامية» على غرار جامعة الدول العربية أو اتحاد الدول الأفريقية، اعترضت معظم الدول.. بعضها لأسباب قديمة أو داخلية أو واقعية مثل اعتراض نيجيريا نظرا لوجود أعداد ضخمة من المسيحيين لديها يصعب قبولهم وصف دولتهم بالإسلامية، كما أن دولة مثل لبنان لديها تحفظات وأسباب حقيقة للاعتراض، ولكن المدهش أن الاعتراض كان أيضا من دول ليس لديها مثل هذه الاعتبارات، ولكن كانت مخاوفها تدور حول «تهمة» انتمائها لمنظمة دول تسمى نفسها «دولا إسلامية».. إلى هذا الحد وصل الاجتياح الرهيب للعقول من جانب الإعلام الموجه.
من حسن الحظ استقر الأمر على اختيار اسم «منظمة التعاون الإسلامى» وهو الذى مكنها من الاحتفاظ بنفس الحروف والاسم المختصر للمنظمة O.I.C الذى استقر فى الأذهان لعقود أربعة.
والخلاصة أن الإعلام العالمى الذى يغطى الآن كل شبر فى أنحاء المعمورة، هذا الإعلام يوجهنا دون أن ندرى ومن حيث لا نحتسب، وهو توجيه مدروس ومحسوب وعلى أسس علمية. فقد أظهرت دراسة منشورة فى إحدى دوريات علم النفس Review of general Psychology أن تكوين انطباعا سيئا أو صورة نمطية سيئة عن شخص ما أو مجموعة أسهل وأسرع فى التكوين وأصعب فى التغيير من تكوين صورة وانطباعا جيدا أو صورة نمطية جيدة، وهذا ما أتقنه الإعلام العالمى الموجه.
سيد قاسم المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق
التعليقات