التكاليف الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي وصفقة القرن - محمود الخفيف - بوابة الشروق
الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 8:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

التكاليف الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي وصفقة القرن

نشر فى : الثلاثاء 11 يونيو 2019 - 9:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 11 يونيو 2019 - 9:10 م

عقود طويلة من السياسات والإجراءات التعسفية الإسرائيلية ألحقت بالشعب الفلسطينى تكاليف باهظة وفرضت على اقتصاده قيودا مدمرة وتبعية خانقة لا تؤدى إلا إلى مزيد من الغوص فى دوامة التبعية. فمنذ اللحظات الأولى للاحتلال بدأت إسرائيل (القوة القائمة بالاحتلال) على فرض هيمنتها على الاقتصاد الفلسطينى فى كل مجالاته، واتبعت ممارسات يومية تَحرِم الشعب الفلسطينى من أرضه ومياهه وموارده الطبيعية وتُدَمَّر منازله وممتلكاته، وفى نفس الوقت تعمل إسرائيل على توسيع المستوطنات وبناء المزيد منها وزيادة عدد المستوطنين، وأصبحت أضرار الاحتلال وتكاليفه أمر ملازم للحياة اليومية للشعب الفلسطينى. وباستمرار الاحتلال تتزايد وتتراكم التكاليف الجسيمة التى يتكبدها الشعب الفلسطينى. ولكن إلى هذه اللحظة لم تُقَدر ولم توَثَق كل هذه التكاليف التاريخية والمستجدة بشكل منهجى وشامل، وبالتالى لا توجد أى مساءلة قد تضع إسرائيل، كقوة احتلال، أمام مسئوليتها التى سنتها القوانين الدولية، وتتعامل إسرائيل مع الأمر بلامبالاة، بل تمارس مزيدا من التعسف لتزيد من تكلفة احتلالها وضغوطها على الشعب الفلسطينى.

***
ولذلك فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، فى خمس سنوات، 2014ــ2018، خمسة قرارات متتالية (69/20 و 70/12 و 71/20 و 72/13 و 73/18) تطالب فيها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بتقدير التكاليف الاقتصادية التى يتكبدها الشعب الفلسطينى بسبب الاحتلال الإسرائيلى وتوثيقها فى تقارير للأمم المتحدة. وبالفعل أعدت أمانة الأونكتاد تقريرين أوليين فى سنة 2016 (A/71/174) وسنة 2018 (A/73/201)، حيث وصِف البعد الاقتصادى للاحتلال بأفعال قوة الاحتلال التى تهدف إلى الاستيلاء على ممتلكات وموارد طبيعية ومنافع اقتصادية تعود للشعب تحت الاحتلال، وكذلك بإجراءات الاحتلال التى تقوض قدرة الشعب تحت الاحتلال من الوصول إلى أراضيه واستخدام موارده الطبيعية، وتمنعه من التنقل داخل وطنه، وتُقَيد تعاملاته التجارية والاقتصادية مع جيرانه وشركائه التجاريين. والأكثر ضررا أن هذه التدابير تَحرِم الشعب تحت الاحتلال من أحد أهم حقوق الإنسان وهو الحق فى التنمية والإنتاج، وبالتالى تفرض التبعية على الأجيال القادمة وتَحرِمهم من حقهم فى العمل والتعليم ومياه الشرب الآمنة والأمن الغذائى، والحقوق الاقتصادية وحقوق الإنسان الأساسية الأخرى.

وقد صُممت الإجراءات الإسرائيلية لتضعف وتقلص القطاعات الإنتاجية ولتشوه هيكل اقتصاد الأرض الفلسطينية المحتلة، حيث انخفض نصيب الزراعة والصناعة فى الناتج المحلى الإجمالى إلى أكثر من النصف بين عامين 1975ــ2017، من 37٪ إلى 16٪ وانخفضت المساهمات فى العمالة من 47٪ إلى 20٪. ولا تسمح سلطات الاحتلال للمنتجين الفلسطينيين الوصول إلى الأراضى الفلسطينية فى المنطقة «ج» والتى تشكل أكثر من 60٪ من أراضى الضفة الغربية، وتشير تقديرات البنك الدولى إلى أن احتلال المنطقة «ج» يكلف الاقتصاد الفلسطينى ما يعادل 35٪ من الناتج المحلى الإجمالى (3.4 مليار دولار فى 2015). وقد ضاع ما لا يقل عن 10 فى المائة من أكثر أراضى الضفة الغربية خصوبة بسبب تشييد إسرائيل لجدار حاجز طوله 712 كليومترا شرق أو على حدود يونيو 1967. وفى يناير 2015 وحده، تم تخريب واقتلاع 5600 شجرة إنتاجية، إضافة إلى أكثر من 2.5 مليون شجرة إنتاجية (بما فى ذلك 800 الف شجرة زيتون) تم اقتلاعها منذ عام 1967. وعلاوة على ذلك، يحظر على الفلسطينيين صيانة آبار المياه أو حفرها، فى حين تستخرج إسرائيل أكثر من المستوى الذى نصت عليه اتفاقيات أوسلو لعام 1993 وتصادر 82٪ من المياه الجوفية الفلسطينية، مما يضطر الفلسطينيين إلى شراء مياههم من إسرائيل لتغطية 50٪ من استهلاكهم. ولا تسمح إسرائيل للفلسطينيين باستخدام حقول الغاز الطبيعى البحرية على سواحل غزة، وكذلك حرمتهم من حقهم لاستكشاف البترول والغاز فى الضفة الغربية وغزة.

وفى غزة يُحرَم الفلسطينيون من الوصول إلى نصف المساحة الصالحة للزراعة و85٪ من الموارد السمكية. وتشير تقارير الأونكتاد إلى أن الأضرار المباشرة للعمليات العسكرية الإسرائيلية الثلاث على غزة، بين عامى 2008 و 2014، لا تقل عن قيمة ما كان ينتجه قطاع غرة فى ثلاثة أعوام، وتشير التقديرات إلى أن حربى 2008 و2009 قد دمرتا أكثر من 60% من القاعدة الإنتاجية فى غزة وجاءت الضربة العسكرية فى 2014 لتدمر 85% مما تبقى من القاعدة الإنتاجية. ولكن التكلفة الإجمالية للتدمير أعلى من ذلك بكثير إذا أُخذ فى الاعتبار التكاليف غير المباشرة الناتجة عن فقدان رأس المال البشرى والإيرادات المستقبلية من القاعدة الإنتاجية التى دُمرت. وتشير تقديرات الأونكتاد إلى أن التكلفة الفُرَصِية التى يفرضها الاحتلال تقدر على الأقل بقيمة كل ما ينتجه الاقتصاد الفلسطينى فى عام كامل، بمعنى أنه إن لم يكن هناك احتلال، لاستطاع اقتصاد الأرض الفلسطينية المحتلة أن ينتج على الأقل ضعف ما ينتجه الآن.

ويجب التنويه إلى أن مصدر التقديرات السابقة دراسات تمت بشكل عشوائى وبدون ترابط فى إطار واحد شامل وممنهج يمكن من خلاله حصر ومسح وجمع وتوثيق كل أنواع التكاليف المباشرة وغير المباشرة فى كل قطاعات الاقتصاد. ولكن الأكيد أن كل التقديرات السابقة لا تمثل إلا خدوشا على سطح تل التكاليف الباهظة والمتراكمة التى تكبدها ويتكبدها الشعب الفلسطينى بسبب الاحتلال الإسرائيلى.

***
وهنا يجب التأكيد على ثلاثة أمور: الأول، إن أى تقدير للتكلفة الاقتصادية للاحتلال لا يمكن اعتباره تحت أى ظرف كثمن للاحتلال أو كبديل عن إنهائه؛ والثانى، إن أى تقدير للتكلفة لا يمكن إلا أن يكون تقديرا جزئيا، حيث إن هناك تكاليف لا يمكن تقديرها بالمال، فلا يمكن وضع قيمة مادية للمعاناة الناتجة عن تدمير وخسارة الأرواح والوطن والمجتمع والمسكن والثقافة؛ والأمر الثالث هو أن تقدير التكاليف والخسائر ليس فقط بغرض تقييم مدى الضرر وتوثيق الحقوق ولكن أيضا لتحديد الاحتياجات التنموية الضرورية لعكس الضرر والتأثير المدمر للاحتلال.

***
ما تطرحه تقارير وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة هو ضرورة تأسيس، وضرورة توفير الموارد اللازمة لتأسيس، منظومة فى إطار الأمم المتحدة قادرة على إنجاز ثلاث مهام ضخمة ومعقدة ومتشابكة: أولا المسح التاريخى والتسجيل والتحديث الدورى، فى كل قطاعات الاقتصاد والمجتمع، لإجراءات قوة الاحتلال التى تلحق أضرارا وتكاليف اقتصادية للشعب الفلسطينى؛ وثانيا تقدير وتحديث التكاليف الاقتصادية التاريخية والمتكررة والجديدة لهذه الإجراءات بصفة دورية ومنتظمة وذلك بناء على منهجية قائمة على أساس علمى والأدلة؛ وثالثا توثيق هذه التكاليف والحقوق فى تقارير سنوية للجمعية العامة تمثل مستندات ووثائق ذات مرجعية دولية وقانونية وتاريخية.

إن المعلومات التى يمكن أن توفرها منظومة «مسح وتقدير وتوثيق تكاليف الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطينى» تمثل مصدرا أساسيا يجب الرجوع إليه لتيسير وإنجاح أى مفاوضات آنية أو مستقبلية، وبدون هذه المعلومات لا يمكن الوصول إلى حل عادل لقضية فلسطين وشعبها وبالتالى لا يمكن الوصول إلى سلام دائم وشامل فى الشرق الأوسط، ولا يمكن لصفقة القرن أو صفقة أى قرن أن تنجح.

هذا المقال يعبر عن رأى الكاتب وليس بالضرورة عن موقف المنظمة التى يعمل بها.

محمود الخفيف اقتصادي بالأمم المتحدة
التعليقات