المسيحية واحتلال فلسطين - جورج فهمي - بوابة الشروق
الأحد 12 أبريل 2026 9:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟


المسيحية واحتلال فلسطين

نشر فى : الأحد 12 أبريل 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الأحد 12 أبريل 2026 - 7:30 م

بينما تنأى المؤسسات الدينية المسيحية بنفسها عن الصراعات السياسية بشكل عام، وتُركّز جُلّ اهتمامها نحو الحياة الروحية للمؤمنين بها، إلا أنها لا تستطيع أن تقف على الحياد فى دعمها لمبادئ الحرية والعدالة والاستقلال. يرجع ذلك لسببين رئيسيين: الأول هو أن تلك القيم هى نفسها القيم الأساسية التى تقوم عليها الديانة المسيحية. يقول السيد المسيح: «وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل». والسبب الثانى هو أن الأصوات المعادية للحرية والعدالة والاستقلال تقوم هى نفسها باستغلال النصوص الدينية المسيحية من أجل تبرير قمعها وظلمها واحتلالها. وعليه، فإن مواجهة تلك السرديات الدينية الملتوية يمثل دفاعا ليس فقط عن المظلومين، بل عن المسيحية نفسها التى جرى تشويهها بالزج بنصوصها لدعم الظلم والاحتلال.

 ويعد احتلال فلسطين مثالا واضحا على سبل قيام تيارات دينية، ومن بينها الصهيونية المسيحية، باستخدام آيات الكتاب المقدس من أجل تبرير احتلال أرض فلسطين.

• • •

الصهيونية المسيحية هى حركة دينية وسياسية تدعم عودة الشتات اليهودى إلى وطن يهودى فى فلسطين، استنادًا إلى قراءتها لنصوص العهد القديم، والتى تعتبر أرض فلسطين أرضًا مقدسة وعد الله بها اليهود. وتروج الصهيونية المسيحية أن عودة اليهود إلى فلسطين سيعجل بالمجىء الثانى للسيد المسيح، ومن ثم نهاية العالم. وتعود أصول هذه الحركة إلى القرن السادس عشر مع حركة الإصلاح البروتستانتى، حيث ازداد الاهتمام بقراءة نصوص العهد القديم من الكتاب المقدس وتفسيرها. وفى منتصف القرن السابع عشر، أصبح هذا التوجه نحو الدعم المسيحى لليهود سائدًا على نحو رئيسى لدى بعض تيارات البروتستانتية. ومع قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948، جرى الدمج بين هذه الأفكار الدينية والتيارات السياسية المساندة لإسرائيل فى الغرب، خاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية. يستشهد أتباع الصهيونية المسيحية عادة بوعد الله لإبراهيم النبى فى سفر التكوين من الكتاب المقدس: «أبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض». ويفسر هؤلاء هذا النص على أنه ينطبق على ذرية إبراهيم من اليهود إلى يومنا هذا، ويرون فى دعم دولة إسرائيل تنفيذاً لهذا الوعد الإلهى».

اكتسبت الصهيونية المسيحية زخما خلال ستينات القرن الماضى مع صعود حركة إنجيلية أمريكية نشطة تتبنى هذه الأفكار، ليتحوّل التركيز من عودة اليهود إلى فلسطين إلى الدعم السياسى لإسرائيل كشرط أساسى للتمهيد لرؤية الصهيونية المسيحية لنهاية العالم. وبينما يصعب تحديد نسبة المسيحيين المؤمنين بهذه الأفكار داخل الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، إلا أن استطلاعا للرأى لمركز بيو الأمريكى للأبحاث عام 2013 أشار إلى أن نسبة البروتستانت الإنجيليين من العرق الأبيض الذين يعتقدون أن إسرائيل مُنحت للشعب اليهودى من الله تصل إلى 82%، وهو ما يتجاوز حتى نسبة اليهود الأمريكيين الذين يؤمنون بذات الأمر، حيث لم تتجاوز نسبتهم 40%.

• • •

لكن فى مقابل نشاط وانتشار هذه الأفكار الصهيونية المسيحية فى الولايات المتحدة الأمريكية، فإن وجود تلك الأفكار يظل محدودا داخل الأوساط المسيحية العربية. إذ ترفض الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية فى منطقتنا هذه التفسيرات الدينية. وتأتى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى مقدمة تلك الكنائس التى تقدم قراءة مختلفة للنصوص الدينية عن تلك التى تتبناها الصهيونية المسيحية. إذ ترفض الكنيسة القبطية إسقاط تعبير شعب الله المختار على الشعب اليهودي، وترى أن هذا الوصف انتهى مع مجىء السيد المسيح ورفض اليهود له ولرسالته. وكذلك ترفض الكنيسة المصرية تفسير الصهيونية المسيحية لعودة المسيح ليملك على الأرض ألف عام، أو ما يعرف بالملك الألفى. كما ترفض الكنيسة القبطية أيضاً فكرة أرض الميعاد التى يدعى اليهود أن الله قد وعدهم بها. فخلافا للرؤية الصهيونية المسيحية، ترى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أن الوعد بأرض الميعاد كان مشروطا بحقبة زمنية بعينها، انتهت بمجىء السيد المسيح وكلماته الحاسمة لليهود: «هوذا بيتكم يترك لكم خرابا».

فى كلمة شهيرة للبابا شنودة الثالث فى جامعة الدول العربية عام 1995 أشار بكلمات قاطعة إلى أن اليهود أتوا إلى أرض فلسطين ليس بوعد من الله، بل بوعد من وزير الخارجية البريطانى بلفور. أما الوعد الإلهى فكانت له ظروف وشروط ومدى زمنى انتهى فيه. واستكمل البابا شنودة كلمته مؤكدا أيضا على أن فكرة شعب الله المختار قد انتهت، متسائلا: هل يترك الله اليوم آلاف الملايين الذين يعبدونه من أجل بضعة ملايين من اليهود الذين احتلوا فلسطين، مشيرا خلال حديثه إلى أنه لم يحدث أن شعبا غضب منه الله كما غضب من اليهود. واختتم البابا الراحل كلمته بقوله: «كرجال دين نطالب بالحق، وكرجال دين نطالب بالعدل. الوجود الإسرائيلى بهذا الشكل هو ضد الحق وضد العدل وضد قرارات مجلس الأمن».

وعلى ذات الدرب، سار مجموعة من رجال الدين الفلسطينى، الذين قرروا ألا يكتفوا فقط بنزع الغطاء الدينى عن الاحتلال الإسرائيلى، بل رأوا فى مقاومته جزءا أساسيا من رسالتهم المسيحية. وترى رموز هذا التيار المندرج تحت مدرسة «لاهوت التحرير الفلسطينى» أن الاحتلال الإسرائيلى لأرض فلسطين هو خطيئة ضد الله والإنسان، وأن التعاليم الدينية التى تُبرّر هذا الاحتلال تبتعد كل البعد عن التعاليم المسيحية. فاللاهوت المسيحى الحق هو لاهوت محبة وتضامن مع المظلوم ودعوة إلى إحقاق العدل والمساواة بين الشعوب. وتقوم أفكار مدرسة لاهوت التحرير الفلسطينى على أن الإيمان المسيحى يدفعنا لعدم التنازل أمام الشر، بل مقاومته. وترى هذه الحركة أن الشر على أرض فلسطين يتمثل فى تجبر المحتل الإسرائيلى وسياساته الرامية إلى الفصل العنصرى والاعتداء على حقوق الشعب الفلسطينى. يؤكد هذا التيار الدينى أن الخيار المسيحى فى وجه الاحتلال الإسرائيلى هو المقاومة، فالمقاومة حق وواجب على المسيحى، ولكنها المقاومة بحسب منطق المحبة. والمحبة المسيحية لا تعنى السلبية بأى حال من الأحوال، ولا تعنى الحياد بين الظالم والمظلوم، بل هى محبة رافضة للشر ومقاومة له، أى مقاومة الظلم بكل أشكاله، وهو ما يشيرون إليه فى كتاباتهم بتعبير «المقاومة المبدعة».

مدير بحوث برنامج التحولات السياسية بمنتدى البدائل العربى ببيروت.

 

جورج فهمي مدير بحوث برنامج التحولات السياسية بمنتدى البدائل العربي ببيروت
التعليقات