زيارة إلى الماضى - داليا شمس - بوابة الشروق
الثلاثاء 9 مارس 2021 12:09 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

زيارة إلى الماضى

نشر فى : السبت 12 ديسمبر 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : السبت 12 ديسمبر 2020 - 8:10 م

تبدأ الحكاية بمراسم دفن بطل الرواية، زُهار زُهار بمقابر «بنتان» بباريس، وامتزاج صلوات الجنازة اليهودية وأغنيات الزار المصرية خلال الطقوس. اسم البطل يعنى بالعبرية «روعة الروعة» أو كما كان يحلو له أن يردد لمن لا يعرفه «الجمال الساحر»، وكأنه ينسج على الفور أسطورته الشخصية. هو يهودى مصرى، كان يحمل الجنسية الإيطالية، رغم أنه ولد فى القاهرة، تحديدا فى حارة اليهود، تماما مثل كاتب الرواية ــ توبى ناتان ــ الأكاديمى الفرنسى المتخصص فى التحليل النفسى والثقافات، الذى هاجر هو الآخر من مصر فى منتصف الخمسينيات، قاصدا إيطاليا فى البداية، ثم اتجه بعدها إلى فرنسا حيث يعيش إلى الآن.
اختار هذا الأخير أن يطلق على روايته الأحدث عنوان (La société des belles personnes) أو «صُحبة الناس الحُلوة»، ويقصد بهم مجموعة من المصريين نشأ وترعرع بينهم بالقرب من باب زويلة كانوا يعملون بالزار، وعلى رأسهم «الكودية» العجوز التى كان يعتبرها بمثابة أمه الروحية. ظل يدفع لهم مبلغا شهريا من المال ويرسله بحوالة بريدية حتى وفاته، لاعتقاده أن سلامته مرتبطة بوجودهم. توبى ناتان مثل بطل الرواية يحب الحَكى، وحين يسرد التفاصيل والقصص لا نميز بين الواقع والخيال، وهى الحالة التى تتملكنا طوال قراءة الكتاب، ونحن نتابع مسيرة زُهار والشخصيات التى يقابلها منذ أن كان بائعا «للسبارس» ــ بقايا السجائر ــ وعمره 11 سنة، وحتى صار صاحب سلسلة من النوادى والبارات القاهرية التى كانت ترتادها كبار الشخصيات وأبرزها الملك فاروق الذى عرفه معرفة شخصية.
***
ناتان، المتخصص فيما يسمى بالطب النفسى السلالى (ethnopsychiatrie) الذى يزاوج بين علم النفس الإكلينيكى والأنثربولوجيا الثقافية، يدرس تفاعل العمليات الذهنية والثقافية متبعا منهج أستاذه، العالِم الفرنسى ــ الأمريكى جورج دوفرو. وقد كان حريصا على تقديم تحليل للشخصيات داخل السياق العام بمن فيهم الملك فاروق الذى قال عنه فى مواضع متفرقة من الكتاب: «الحُكم بالنسبة له كان نزوة استمرت لأكثر من خمسة عشر عاما (...) وقد انتهى به الأمر للاضطراب العصبى، سلبوه حقوقه فى الحكم والسيادة، فلم يملك سوى جسده. أراد أن يثبت لنفسه كل يوم أنه وحده سيدٌ عليه وقادر على إشباعه بالملذات (...) كانت له ضحكة رجل تخلى عن كل شىء».
وعلى هذا النحو يستمر الكاتب فى السرد والتحليل، مازجا شخصيات متخيلة بأخرى تاريخية أو مستلهمة من شخصيات حقيقية. يتحدث مثلا عن تاليا الصحفية اليهودية التى عشقها الملك فاروق، واصفا جمالها الأخاذ وثقافتها الرفيعة واندماجها الكامل فى المجتمع المصرى، موضحا أنها كانت تكتب بالعربية لصحيفة «أخبار اليوم» وصديقة لقوت القلوب الدمرداشية ولديها صالون أدبى يزوره الكاتب توفيق الحكيم والشاعر إدمون جابيس والصحفى محمد حسنين هيكل. ثم يذكر كيف نجحت إسرائيل فى تجنيدها فكانت من أفشت معلومات هامة حول مواقع عسكرية للجيش المصرى بصحراء النقب أثناء حرب 1948، وبعدها لم يكن أمامها مجال للتراجع فكان الندم والرحيل. نتساءل من تكون كما نتساءل عن هوية عميل الاستخبارات الألمانى الذى استقر فى مصر بعد هزيمة هتلر وتعاون مع السلطات الأمنية المصرية ونكل باليهود وهل هو شخصية واقعية أم من نسج خيال الكاتب، ويظل السؤال يلح علينا حتى يجيب عليه توبى ناتان فى حوار تليفزيونى مصرحا باسم الشخصية الحقيقية التى دفعت بطل روايته إلى الخروج من مصر، وهو Johann Jakob Von Leers (1902ــ1965) أحد منظرى ألمانيا النازية ومن أهم كوادر الرايخ العام للتنوير والدعاية أو وزارة البروباجندا السياسية التى ترأسها جوبلز، وقد عاش فى القاهرة بعد أن اعتنق الإسلام وغير اسمه إلى عمر أمين، وتوفى بها عن 63 عاما.
يعترف توبى ناتان فى ذات الحوار التليفزيونى أنه شاهد حلقات الزار التى كان يقيمها «الناس الحلويين» كما كانت تطلق عليهم جدته لأبيه، إذ كانت تستضيفهم بشكل دورى فوق سطح منزلهم وقد حضر بالفعل هذه الجلسات وهو فى سن الخامسة فظلت محفورة فى ذاكرته واستحضرها بعد ذلك بسنوات وهو يدرس الإثنوجرافيا بجامعة السوربون، ثم استدعاها مجددا فى روايته.
***
زُهار زُهار، بطل الرواية التى صدرت أخيرا بالفرنسية عن دار نشر ستوك، يلتقى برفاق آخرين من اليهود الحائرين الذين فروا من ويلات النازى والمحارق إلى فرنسا بعد أن تركوا بلادهم الأصلية مثله، تشاركوا فى عمليات استيراد وتصدير للفراء وحققوا أرباحا لا بأس بها، لكن كانت تسيطر عليهم رغبة عارمة فى الانتقام وتطاردهم أشباح الماضى. وهو ما يتوقف عنده الأكاديمى المتخصص فى تحليل النفس والثقافات الذى يؤكد دوما على أهمية الارتباط بالجذور والتصالح مع الماضى من خلال محو الذكريات السيئة والألم الذى لا يمكننا أن نحمله أبد الدهر فى قلوبنا. الكاتب مثله مثل بطل روايته يذهب ويروح ويجىء ويظل متعلقا بحارة اليهود حيث ولد فى العام 1948، أى خلال فترة تاريخية معقدة وحاسمة، إذ وقعت آنذاك الطائفة اليهودية بمصر تحت ضغوط الحكومة والرأى العام وحاولت أن تنأى بنفسها عن الحركة الصهيونية، لكن كان بعض أفرادها مشوشين، وحاول الإخوان المسلمون استغلال الموقف والقضية الفلسطينية لإظهار قوتهم وزعزعة النظام الحاكم. وبحلول يناير 1949 تم وضع ممتلكات نحو سبعين فردا وشركة يهودية تحت إشراف الدولة فى ظل الأحكام العرفية المطبقة منذ أواخر مايو 1948.
يصحبنا الكاتب كثيرا إلى حارة زويلة وهى قسم من الحى الذى يطلق عليه «حارة اليهود» والذى يمتد من المارستان المنصورى وحتى قنطرة الموسكى، لازال يذكر أن بيت أهله كان بالقرب من باب الحارة الذى اعتاد السكان غلقه ليلا. يتخذ من بعض الأمثال المصرية العامية عناوينا لفصول كتابه، مثل «القرد فى عين أمه غزال وضرب الحبيب زى أكل الزبيب». تحثنا التفاصيل التى يتناولها على الرجوع إلى مصادر مختلفة لكى نراجع المعلومات، فنعيد قراءة مؤلفات جوئل بينين ومحمد أبو الغار ويعقوب لاندوا وجاك حسون حول تاريخ اليهود فى مصر.
نرتحل معه إلى الماضى وكأننا نكتشف بلدا بعيدا، نقوم بزيارة التاريخ من منظور مغاير، قد لا نقتنع بكل ما نسمع أو نقرأ، قد لا يلمسنا ولا نشعر بذات الوقع علينا، قد نختلف معه، قد نرى فيه بعدا استشراقيا، لكن لا يخلو الأمر من تفاصيل شيقة.

التعليقات