ما هو العدد المطلوب من الإسرائيليين لقتل أكثر من 300 لبنانى وإصابة أكثر من 1000 خلال عشر دقائق، وفى مائة غارة جوية؟
من المؤكد أن الخبراء العسكريين يعرفون الإجابة عن هذا السؤال، استنادًا إلى عدد الطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة التى خرجت للقيام بمهمتها فى 8 أبريل، فى اليوم الأول من وقف إطلاق النار مع إيران. وسيعرفون ما هو عدد الطيارين والملاحين وأفراد الطواقم الأرضية وأفراد وحدة 8200 الذين شاركوا مباشرةً فى التحضير والتنفيذ. وسيضيفون رئيس الأركان وهيئة الأركان ورئيس الحكومة ووزير الدفاع الذين صادقوا على العملية.
وإذا كان من الممكن تقديم اقتراح من شخص عادى، يجب أن نضيف إلى القائمة أيضًا:
1. الآباء المخلصون الذين ربّوا أبناءهم على حب الوطن والاستعداد للتضحية حتى آخر قطرة دم ــ من الفلسطينيين واللبنانيين.
2. المعلمون فى المدارس الذين علّموهم عدم طرح الأسئلة عندما يكونون فى الدبابة، أو فى قمرة القيادة.
3. هيئات التدريس فى الجامعات التى تفخر بأن هؤلاء الجنود يختارون الدراسة لديها، بين غارة وأُخرى على حى سكنى كامل، بحجة أنه يوجد فيه قائد يجب تصفيته، كبيرًا كان، أم صغيرًا، من الحرس الثورى، أو «حماس»، أو حزب الله، أو الجهاد، وغيرهم.
4. رجال الإعلام الذين يتحفّظون على رئيس الحكومة ووزير الدفاع، إلى أن يأمرا بالقصف والقتل والتدمير؛ عندها تصبح كلمتهما مقدسة وحقيقة مطلقة.
كيف يمكن حساب عدد الإسرائيليين المتورطين فى قتل عُلا العطار (34 عامًا)، فى عيادة الأسنان التى كانت تعمل فيها سكرتيرة فى الضاحية الجنوبية لبيروت، الأوزاعى؟
فى 4 أغسطس 2020، قُتل زوجها حمد فى انفجار مرفأ بيروت، حسبما يروى الموقع الإخبارى «درج» وصحيفة «لوريان لو جور»، وكلاهما ينتقد حزب الله، إن كان ذلك يهمّ أحدًا. كانت عُلا العطار، إلى جانب عملها، ناشطة فى لجنة عائلات ضحايا ذلك الانفجار، التى تطالب بمحاكمة المسئولين عنه. وكان للزوجين ابنتان، أصبحتا الآن يتيمتَى الأم أيضًا: فاطمة (8 أعوام) وزهراء (13 عامًا). وسيبرّر يُتمهما محامو النيابة العسكرية ومكتب المستشارة القضائية ــ الذين أعطوا، كعادتهم، موافقتهم المبدئية على القصف ــ ولاحقًا، سيقدمون تقريرًا قانونيًا مفصلًا يشرح كيف أن قتل أمّ لطفلين هو أمر «متناسب»، وفق القانون الدولى، ويخدم أمن إسرائيل.
هل ينبغى لنا إضافة أساتذة الجغرافيا والشرق الأوسط أيضًا إلى قائمة المتورطين، لأنهم لم يدرّسوا طلابهم عن حى الأوزاعى، وهو حى فقير وكثيف سكانيًا، ضمن سياقه الكامل: الإنسانى، الجيولوجى، المعمارى، الاقتصادى، الثقافى؟ أم أنهم درّسوا ذلك، لكنهم لم يغرسوا فى طيارينا وعباقرة استخباراتنا فى المستقبل الفهم أن العرب، مثل اليهود، يرتبطون بالمكان الذى يعيشون فيه، وأن تدميره يخلّف ندوبًا تنتقل من جيل إلى جيل؟
كان الأوزاعى معروفًا فى القرن التاسع عشر كمنطقة ذات أغلبية مسيحية، وما زال بعض الكنائس المهجورة يذكّر بذلك، كذلك كان عبارة عن منطقة ترفيهية يستخدمها أثرياء بيروت للسباحة والتشمّس قبل نحو 60 عامًا، ثم تحوّل إلى حى عشوائى نتيجة الهجرات القسرية للبنانيين والفلسطينيين خلال الحرب الأهلية فى سنة 1975 والهجمات السورية والإسرائيلية، وسُمّى بهذا الاسم تيمنًا بالإمام عبد الرحمن الأوزاعى، من القرن الثامن، المدفون فى المكان. وكان يُسمى سابقًا «حنتوس»، نسبةً إلى الصخور السوداء على شاطئه.
وفى مدونةٍ من ديسمبر 2025، يأسف أحد أبناء الحى لاختفاء المسيحيين منه، لكن يوجد حى آخر فى بيروت، إلى الشمال، هو حى بربور الذى لا يزال مختلطًا، ولا يحظى حزب الله فيه بدعم كبير، بحسب تقرير لصحيفة «الجارديان» نُشر فى اليوم التالى للعملية الإسرائيلية التى حملت اسم «ظلام أبدى»، والتى أصابته أيضًا بضربات نارية. وفتحت مدارس الحى أبوابها للعائلات التى فرّت من الجنوب اللبنانى تحت ضغط القصف الإسرائيلى. والآن، بما أن الجيش الإسرائيلى والاستخبارات يدّعون أن بين النازحين عناصر من حزب الله، أصبح هو أيضًا هدفًا مشروعًا وملائمًا لتكنولوجيا القتل الإسرائيلية.
يحمل الحى اسمه منذ سبعينيات القرن الماضى، نسبةً إلى طبيب نسائى كان يعيش فيه آنذاك، ويقع بين كنيستين، وفى قلبه دارا سينما، حسبما يروى مراسل موقع «درج»، الذى يقدّم تفاصيل عن بعض «أبطاله»، أى سكانه العاديين: أبو درويش، لاجئ فلسطينى من عكا، فتح مع أبنائه دكانًا فى مقابل إحدى دور السينما؛ جميل وعبدو ــ توءمان مسيحيان من القدس ــ افتتحا أيضًا متجرًا، وكان أخوهما حلاقًا لنساء الحى؛ محل الزهور الذى كان يملكه إخوة من قرية فى الجنوب اللبنانى؛ كذلك ذُكرت مدام تيريز، المعلمة فى الثانوية، التى دعت الصحافى حتى إلى حضور زفاف شقيقها فى إحدى الكنيستين. وإلى الغرب، بالقرب من كنيسة المصيطبة، كان يعيش الزوجان خاتون سلمى ومحمد كرشت؛ وبعد القصف مباشرةً، نشر الناس صورهما، بحثًا عمّن رآهما؛ لاحقًا، عُثر على جثتيهما بين الأنقاض تلك الليلة. كانت سلمى شاعرة، واقتبس أحد المعزّين من كلماتها: «لم يكن الجرح هو ما يؤلمنى، بل الدم الذى لم يشبهه».
فهل بات كلّ مَن تبلّدت مشاعره بسبب ألم موتانا متورطًا، هو أيضًا، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة؟
عميره هاس
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية